الجمعة , نوفمبر 27 2020

ذكريات محظــــورة .. رواية على حلقات للأديب : نبيل الخولي (2 من 7)

 

ذكريات محظــــورة  .. رواية على حلقات للأديب : نبيل الخولي  (القاهرة 2001)

 .. رحيق أيام وبطولات وتضحيات المصريين فداء لمصر   ..

تحيا مصر كلمة قالها كل مصري فى إنتصاره 

تحيا مصر وكل جندي عاش لها ليله ونهاره

………………………………………………………………………

الحلقة ( 6 )

– يا ماما .. أهدي بأة .. كفاية كدا .. أشرب يا علي الشاي .

– حاضر يا طنط الأجازة الجاية إن شاء الله هايكون ربنا فرجها ولاقيت حل متزعليش نفسك .. أستأذنكم يا جماعة .

– لا يا علي تمشي أزي أحنا لسا ما قعدناش مع بعض .. ولا حتي شربت الشاي .

– إزاي يا بني تمشي كدة .. أوعي تزعل من كلام أم نادية دي بس من خوفها علي مستقبلكم يا بني أقعد أشرب الشاي .

– معلش يا عمي أستأذنكم .. وأشوفكم علي خير الأجازة الجاية إن شاء الله .

قال علي كلماته هذه وهو يسلم علي أبو نادية وأمها ويلتفت خارجا من غرفة الصالون بوجه علاه الحزن الشديد متجها لباب الشقة بينما نادية تكاد أن يأكل الغيظ نفسها وهي تنظر لأمها بعد أن هدمت الجلسة في دقائق معدودة بكلامها وبينما علي يفتح باب الشقة ووالد نادية يودعه لحقت به نادية لتقول لوالدها :

– بعد أذنك يا بابا ها أنزل دقايق بس مع علي .

– طيب يا بنتي ما تتأخريش الدنيا أتمست .. خد بالك من نفسك يا بني أشوفك بخير .. مع السلامة .

هبط علي درجات السلم ونادية تتبعه تحاول اللحاق به فقد كان داخله يغلي من قسوة كلمات أم نادية التي لم تعطيه فرصة ليرتاح قليلا أو أن يتحدث مع نادية ولو كلمتين ..

أحس علي بالقهر الشديد فها هو يعود من الجبهة اليائسة من قيام الحرب لتحرير سيناء بعد طول إنتظار لسنوات لتستقبله أم نادية بوابل من الأسئلة التي لا يملك لها إجابة واحدة .. لتستوقفه أخيرا نادية قبل نزوله إلي البسطة الأخيرة المؤدية لباب المنزل .

– أستني بس يا علي .. أهدي يا حبيبي .. بلاش تزعل من كلام ماما أنتا عارفها ودي عادتها .. أحنا أتعودنا عليها خلاص يا علي وحشتني أوي يا حبيبي .

– وأنتي كمان وحشاني خالص يا نادية .. والله لو بأيدي كنت أتجوزك دلوقت علشان أخلص من نأرزة أمك ليا كل ما أجي أشوفك .. أنا تعبت خلاص يا نادية .. لو كان في بيتنا حتي لو أوضة واحدة فاضية كنا أتجوزنا فيها .. لكن أعمل إيه بس .. الجيش بيديني 14 جنيه في الشهر وأنا ظابط أحتياط بقالي 5 سنين ومش عارفين ها نحارب أمتي ولا ها نخرج من الجيش أمتي .

– معلش يا علي .. أديني صابرة معاك .. متقلقش يا حبيبي .. أنا مش ها أسيبك أبدا .. أنا سمعت أن مفيش حرب وقريب ناس كتير ها يخرجوا من الجيش .

– خدي يا نادية .. دي هدية بسيطة .. أنا بحبك أوي يا نادية .

– الله البرفان إللي بحبه يا علي .. تسلم لي يا حبيبي .

– أشوفك بخير يا نادية ..

قالها علي وهو يقبل يدها ثم إلتفت وأكمل نزوله وهي تستوقفه ..

———————————————————————————-

الحلقة (7 )

– علي ما تيجي نتقابل بكرة .. ها أستناك في ميدان رمسيس الساعة 12 الضهر إيه رأيك يا علي ؟ ..

– طيب يا نادية ..أهو علي الأقل نعرف نتكلم شوية بعيد عن الست مامتك .

– هستناك يا حبيبي أوعي تتأخر .. مع السلامة يا علي .

::

كان هذا هو حال معظم شباب مصر من بعد نكسة عام 1967 كان معظم الجيش من المجندين اللذين تتراوح أعمارهم ما بين العشرين عاما وحتي قرب الثلاثين عاما أو حتي تتخطاه بقليل فمنهم من كان مجندا من قبل حرب عام 67 التي أطلق عليها النكسة من بعد أن وصم الجيش المصري بهزيمة لا يستحق أن يوصم بها أبدا بسبب غياب التخطيط وتضارب الأوامر وصراع القيادات وظل باقيا بالجيش أنتظارا لموعد أتخاذ القرار بالحرب والثأر من إسرائيل وإسترداد سيناء المحتلة ..

منهم من كان من أبناء ريف مصر وصعيدها غير المتعلمين ومنهم من أنهي دراسته المتوسطة أو الجامعية وألحق بالجيش لتأدية واجب الخدمة العسكرية الإلزامي ولكن دون أن يعلم أحد منهم جميعا متي سيخرج من الجيش ..

أصبحت فترة التجنيد مفتوحة ومقيدة بإنتظار الحرب أصبح معظم شباب مصر في أنتظارا لقرار الحرب ولكن وبرغم قسوة الحالة الأجتماعية لمعظم سكان مصر من بعد النكسة بسبب توجيه معظم ميزانية الدولة لإعادة تسليح الجيش وتجهيزه لخوض حرب إسترداد الكرامة وبرغم تهجير أهالي خط القنال للداخل وسؤ الحالة الأقتصادية .. كان الجيش المصري يجري عمليات التدريب ليل نهار وفي كل مكان علي أرض مصر ..

::

كانت أفراد الصاعقة المصرية تتدرب بعنف وضعوهم تحت أشد ظروف التدريب في الصحراء بدون ماء أو طعام إلا القليل لأيام متوالية كان الجيش له هدف واحد فقط يعمل من أجله ليل نهار .

وزعت وحدات قتالية كاملة ومن جميع الأفرع علي مناطق في ريف مصر مطلة علي النيل إمعانا في التمويه .. كانوا يتدربون يوميا علي فك وتركيب الجسور العائمة ويتدربون بالدبابات البرمائية ذهابا وعودة عبورا لنهر النيل لأشهر طويلة .. كان الفلاحون يتندرون ويضحكون علي ما يرونه يحدث أمامهم يوميا دون أن يفهم أحدا منهم مايتم التجهيز له :

– وهو إيه أخرتهم دول يا أبو سمعين .. طول النهار ياخوية راحين جاين في الترعة يطلعوا وينزلوا بالدبابات ويركبوا الكوبري ويفكوه .. ما يسيبوه لنا يا خوية نعدوا عليه بالمواشي وأحنا رايحين الغيط بدل المعدية هههههي .

– أفهم يا وله .. دول جاين يعملوا كده هنا عشان بس يجولوا للناس أحنا بنتدرب أهو .. جال يعني هايعملوا كدة حجيجي ويحاربوا إسرائيل .. دول بيصبروا الناس إللي زيينا بس ياوله عشان ينسونا الوكسة إللي أحنا فيها .

كان هذا ما يتندر به هذان الراكبان حمارين وهما عائدان قرب المغرب من غيطهما يجران كل واحد منهما ماشيته من خلفه بعد يوم عمل زراعي شاق ..

————————————————————————–

الحلقة ( 8 )

كانت الجنود تسمع التوبيخ في وسائل المواصلات كانت النكات تطلق علي الجيش علي المقاهي وفي مجالس المحبطين وجلسات أنصاف المثقفين اللذين ظنوا أنهم يحللون الأمور ويعلمون بواطنها ..

وبرغم ذلك كله لم يصل حال جنود الجيش المصري أبدا لحالة اليأس مع ما يحيطهم من ضغوط ومن أحساس جبهة داخلية بالأحباط وغليان طلبة الجامعات وخروجهم في مظاهرات تطالب بالثأر ومع كثرة التدريب وقسوته وطول أنتظار قرار الحرب بل وصلوا لحالة من الغيظ ..

::

نعم وصلوا لحالة من الغيظ الشديد الفتاك فقد توقفت ساعة حياتهم عند تلك اللحظة التي ستدق فيها ساعة الحرب ويعبرون فيها قناة السويس .. لم يعد لأحد منهم علما بما سيكونه في المستقبل .. فأين المستقبل وقد تجمد بهم الحال هكذا أصبح كل ما يتمنونه في حياتهم هو صدور القرار فإما النصر أوالشهادة .. أصبح كل همهم هو إزاحة تلك الغمة التي جثمت علي صدورهم ك كابوس رهيب لامفر لهم منه إلا بالفتك به ولو ضحوا بحياتهم .

::

صعدت نادية درجات السلم متثاقلة بعد أن حددت مع علي موعد لقائهما ظهر الغد في ميدان رمسيس فهي تعلم ما ينتظرها من أمها فور دخولها من باب الشقة ..

– أيواا يا ختي .. ودعتي المعدول .. والنبي ما أنا عارفة أنتي عاجبك فيه إيه .. يا بت أعقلي بقا وحطي عقلك في راسك .. يا بت شبابك ها يروح في الأنتظار وأنتي عاملة كدا زي البيت الوقف .. مش كفاية النكسة اللي فيها البلد أنتي كمان عايزة تتوكسي .

– كفاية بقا يا ماما ..حرام عليكي كدا الراجل بس يعمل إيه ما هو زيه زي غيره من شباب البلد كلهم في الجيش .. هو كان في إيده حاجة يعملها وماعملهاتش ؟

– أيوه في إيده ياختي .. يحل عن سماكي بقا كفاية أوي كدا .. ليه وهو أنتي ها تفضلي قاعدة في أربيزي كدا .. لا والنبي ما يكون أبدا .. أنا عايزة ألتفت لأخواتك التانين وأشوف عدلهم .. إيه وهو أنا ها أخللكم جنبي لحد ما تبوروا كلكم علشان خاطر عيون سي علي بتاعك دااا .. لا والنبي ما يكون أبداا .

بكت نادية وهي تنظر لولدها الجالس منصتا لحديث أم نادية وتوعدها لعلي وقد وضع رأسه داخل الجريدة التي لا يقرأ فيها شيئا ولكنه قد أتخذها خندقا لحماية نفسه من قصف أم نادية الذي قد يطاله إذا ما تدخل في الحديث .

——————————————————————————————

الحلقة ( 9 )

– يا ماما أرحميني بقا .. يا بابا ما تشوف ماما بتقول إيه ..

– هه ؟؟ .. إيه ؟؟ .. إنتي بتكلميني يا نادية يا بنتي ؟..

– لا يا خويا مش بتكلمك خليك إنتا في جورنالك .. شوفي يا بنتي الكلام ومن الأخر كده والنبي سي علي دا مالوش عندي غير لأجازته الجاية ييرسيكي علي بر يا إما يحل عنك وعن سمانا ويرحل وكل واحد يدور علي مييته تسخن .

قامت نادية من أمام أمها وهي تضرب بقدميها الأرض غضبا وهي تبكي كطفلة لتدخل لغرفتها حيث كانت تجلس أختيها اللاتي تصغرانها بسنوات قليلة متوالية ومعهم أختهم الصغري أخر العنقود صاحبة السبع سنوات ليتلقفانها بالمواساة وكلمات الترضية فقد سمعتا كل ما قالته لها أمهم عن إرتباطها بعلي الذي كانت نادية تحبه جدا منذ أيام الجامعة فقد كان علي يدرس في كلية الهندسة بينما نادية كانت تدرس بكلية التجارة وكان علي قد تعرف عليها في إحدي رحلات الجامعة ومن وقتها بدأت قصة حبهما التي تحولت لأمنية بأن يهب كل منهما باقي حياته للأخر .

::

سار علي هائما علي وجهه بعدما ترك بيت نادية في الدرب الأحمر لا يسمع ولا يري من حوله من هول ما رأي من أم نادية في الدقائق القليلة التي قضاها لديهم حتي وصل إلي قرب شارع الجيش وبينما هو مار أمام قهوة قشتمر أفاق من غيبوبة السائر نائما علي صوت من يناديه وكان صديقه نعيم فخري ..

– أيه يا بني مالك ماشي كدا وكأنك نايم !! .. صحصح أومااال .. محدش واخد منها حاجة هههههه .

– أهلا يا نعيم أزيك يا دفعة واحشني والله ..

– والمسيح الحي أنت إللي واحشني .. أنت نزلت أجازة أمتي ؟

– يا دوب النهاردة 48 ساعة بالعافية من شهر ونص .. وأنت في أراضيك يا نعيم .

– أنا الوحدة بتاعتي أتنقلت تاني علي السويس ونازل زيك كدا النهاردة بس 72 .

– وبعدين يا نعيم .. الحكاية طولت أوي .. والعيشة بقت ضنك ..

————————————————————————————-

الحلقة ( 10 )

– ياراجل أنت برضو إللي بتقول كدا .. تعالي بس أقعد نشرب شوية شاي ميزة هات أتنين شاي وتعميرتين يا سلطان ..

– أعمل إيه بس يا نعيم .. الولية حماتي منكدة عليا عيشتي .. لسا من نص ساعة كنت عندهم وراجع ماشي مش داريي بنفسي.

– أحلي شاي وأظبط تعميرة للبكوات .. منورنا يابشمهندس نعيم .

– تشكر يا سلطان .. ههههه من غير ما تحكي باين عليك .. أنا لولا لمحتك ما كنتش شوفتني ولا كنا أتقابلنا .. والحال من بعضه بس أنا وتريزة بنعرف نظبط نفسنا سألتني عليك أنت ونادية يا علي وبتسلم عليكوا أوي .. أنا عارف إيه إللي بيوديك لحماتك ؟؟.. أعمل زينا كدا وريح نفسك ..

– يعني أعمل أزاي يا نعيم .. مش واخد بالي ولا مؤاخذة ..

– إهيه يا أبني مش كفاية إللي أحنا شاربينه في الجيش .. في حد ينزل تصريح 48 ساعة يضيع منهم دقيقة واحدة عند الهم إللي أسمه حماته دا .. والمسيح أنتا تستاهل إللي بتعمله فيك .. مش أنتا إللي رايح لها بجليك .. أشرب بقا .. هههههه .

– طب أعمل إيه بس يا نعيم كنت عايز أشوف نادية .. كانت وحشاني أوي .

– سلكها من أمها يا دهل .. قابلها برا .. مش تروح برجليك لعرين الأسد وبعدين تعيط وتقول الأسد عضني .

– والله عندك حق يا نعيم .. نادية برضو فكرت زيك كدا .. قالت لي نتقابل بكرة بعد الضهر في ميدان رمسيس .

– والله بت بتفهم .. أيواا خدها وأطلع بيها طلعا كدا وروق الأناني .. محدش واخد منها حاجة هههه ..

– ينفث علي دخان شيشته لأعلي ثم ينظر تجاه نعيم متسائلا .. أروق أناني إيه ولامؤخذة ..

– فيغنيها له نعيم .. روق الأناني روق .. وأملالي الجولل وأسجيني يا عيني .. لو جاني حبيبي بدري.. لأعمله سكر في مواردي .. وأجوله أتفضل يا فندي .. يا أعز الحبايب عندي ياعيني .. هههههههه .. محدش واخد منها حاجة .

– ههههاههييي .. وعليا النعمة أنت عسل يا نعيم .. خلتني أضحك ونستني همي الله يحظك يا نعيم ..

– أضحك يا راجل محدش واخد منها حاجة هههه .. بص أنت تاخدها وتطلع بيها علي فلوكة في النيل ولو الوقت رايق كدا أطلع بيها طلعة علي القلعة يسلام بعد العصر فوق الجو بيبقي رايق أووي.. البرجولات المطرفة كمان بتبقي حلوة أوي ..

::

يهز نعيم رأسه متمزجا وهو يسحب نفس من مبسم الشيشة – أأه بتبقي حلوة أوي كحكحكح .. إيه يا واد يا سلطان التعميرة مش مظبطة ليه تعالي يا د غير الحجرين دول .

– الأيام طولت أوي يا نعيم مش باين لها أخر .. قاعدين عالجابهة وقدمانا عساكر أسرائيل الناحية التانية بيغيظوا فينا .. بيبقي هاين علينا نرمي نفسنا في القنال .. نعدي لهم نقطعهم بسننا ونخلص .

– كل بوقته يا علي .. الصبر طيب .. مسير اليوم دا يجيي ونعدي لهم .. والمسيح الحي ما هانسيب تارنا يا علي .

– يارب يا نعيم .. وقتها والله ليكون خلاصهم علي إيدينا .. عارف يا نعيم أنا نفسي نكون سوا ونعدي القنال مع أول فوج في زوديك واحد .

– ما تستبعدش حاجة علي ربنا يا علي .. الصبر حلو .

إلي اللقاء في الحلقات القادمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: