عبدالحميد خليفة يكتب :كيزان العسل الحمراء والخضراء

 

ألقى بالأقفاص المكتظة بحبات كيزان العسل كما يسميها أهل مصر – أو التين الشوكي كما تعرفها الدنيا – وبجوارها جردل المياه .أعطاه سكيناً صغيراً بدأ الصدأ يسري في أوصاله

دفعه في صدره بعنف: تحرك يالك من ثرثار مأفون ؟

أسرع أيها الأبله بالبضاعة ولا تعد إلا بعد أن تبيعها كلها .

نهض يجفف عرقه بكم قميصه، دفع عربة يد متهالكة تأز عجلاتها كلما دارت دورة واحدة إلى الأمام ، ويعلو ضجيجها كلما حركها للخلف .

توقف النحيل . تمتم بكلمات متلعثمة لا تفهم .  استمر يتهته ويشير بيده بحركات كالمتصوفة تارة للسماء ،  وتارة للغليظ ، وتارة للعربة بكيزانها المكتظة،  و……

الغليظ صائحا : إنك لا تتورع عن المطالبة بأجرتك كلما خرجت وعدت بالبضاعة ، ولم تفكر يوما في الخسائر التي تسببها لي ؟ يالك من ………..( يسبه …)

النحيل مطرقا في صوت مكتوم:  ممممممم

الغليظ: من اليوم لن أعطيك مليما إلا من أرباح بيعك أفهمت؟؟

النحيل: محدثا نفسه وهو يدير العربة منحرفا عن وجهه : يالك من لص غليظ !

تجمع الكيزان من حول السكك الحديدية .ولا تدفع مليما في زراعتها أو ريها . تسخرني والبؤساء المحتاجين بالفتات ، تتركنا يوما كاملا مع هذه النباتات المتوحشة بأشواكها القاسية ، ولم تفكر يوما أن تشتري قفازا لترحم أيدينا التي نقشر بها هذه الدروع السميكة لنخرج لك ما في جيوب الزبائن ، … وتطالبنا ثمن ما نأكل من كيزان ؟

أف لك ولطمعك …غدا سأحتكر كل الكيزان لي ولتذهب للجحيم …

سار الحمل . وكلما تقدمت العربة دورة علا صوت أزيز عجلاتها المتراقصة البالية .

من فوق العربة أخذت الأقفاص العشر تتأرجح – مع ترنح العجلات الواهنة – وقد حوت حبات متشابهة في صفرتها  وإن اختلفت الأكواز بين صغير وكبير ونحيل وسمين منها مشرعة الأشواك مدبب كأنه يتحدى النحيل والغليظ في الرضوخ لأحد ، إلا أن أكثر الأكواز تحطمت معظم أشواكها من كثرة ما ضغطت في الأقفاص وتقاذفتها الأيدي ، خالطتهم أكواز خضراء لم تنضج بالقدر الكافي بعد .

 

إلا ذلك القفص المغلق. أقصاه النحيل في آخر العربة بأكوازه الحمراء الباهتة بعد أن قلمت أشواكه بالكلية .

اشتدت حرارة الشمس ، رش النحيل زخات الماء على القفص المغلق

الرزاز كأنه يقتطعه من لحمه على الأقفاص التسع .

صاح كوز أخضر صغير : لماذا هذه التفرقة أيها النحيل الغليظ ؟!

أجابه كوز أحمر كبير في سخرية : أية تفرقة !! انظر للشلال الذي يجري من تحت قفصنا المغلق  يروي بقية الأقفاص المفتوحة .

الكوز الأخضر : ويحك وهل تسمي رزاز الحمرة الذي يخرج منكم هذا شلالا؟؟

الكوز الأحمر : يا صغير إنك لا تعلم أن كيزان العسل لا ترتوي من الماء ، إنها تعيش من الجدول الأحمر النابع منا لكي تحيا بقية الأكواز ، انظر حولك واسأل بقية الأكواز ستفهم.

إن حمرتنا الجارية ترياق حيواتكم أيتها الأكواز الخاملة.

انظر إن هذا الأبله ترككم في أقفاص مفتوحة … ورشكم بزخات ما جدتم بعدها بقطرة عسل ولا ارتفع لكم شوكة ولو مرة في وجهه !

ونحن في قفصنا المغلق المريع هذا  رغم تزاحمنا وشدته. نرعبه . ونستوهبكم الحياة فنجود لكم بالترياق. فمتى تفيقون ؟

إنهم يسوقننا للمذبح  مع هذا الأبلة فنرضى لتحيوا وينكسر القيظ !

ينظر إليه متعجبا . مباغتا . لماذا ؟

لأن الصبار بالأشواك يقاتل ويقاتل ولا يفنى أبدا .

لو تذكرت أننا كنا تيجانا رأس الصبارات القاسية في الصحاري والطرقات الجافة لفهمت!

إننا من يجعل الخرائب جنانا وحيوات رغم قصر حيواتنا

إنها الحياة نحملها بذور لا تفنيها بطون نهمة . واعجب فلو تركنا لأنبتنا في أصلاب أكلنا أشواكا وصبرا وصبارا وكيزان تزين رأسه وتنير عقله قبل معدته.

إننا ملح الأرض لا رحيل لنا مهما قطعونا وغربونا.

فجأة تطايرت الأقفاص وارتجت الكيزان بعدما اصطدمت عجلات العربة بحجارة غفل عنها النحيل الذي انشغل في أكل حبات كيزان العسل الحمراء التي كان يجد لذة في طعن قلوبها بسكينه الصدأ ونزع دروعها وقذف لحمها في جوفه.

توقف وأعاد كل شيء مكانه لكنه أحس بألم شديد في معدته فقأ ما تناول بجوار العربة وهو يسب ويلعن التين والشوك والسمين والحرارة وال……

باغت الكوز الأخضر كوز بجواره شامتا: يقول ترياق الحياة وملح الأرض وهو طعام مقيئ؟

الكوز الثاني: يا أبله… انظر لقد غرست الأكواز الحمراء بذورها عنوة في جنبات الطريق رغم أنوفهم . وغدا تنبت ثمارا تشتهيها كل النسور وتورق حولها الزهور.

أما أنت فقلي ماذا فعلت بخضرتك وأشواكك المشرعة في جنبات القفص غير كونك كوز عسل لذيذ ……….!

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: