د.سعد الساعدي يكتب :الاخلاق في عصر الحداثة السائلة

الأخلاق في عصر الحداثة السائلة ترجمة لكتاب ريغمونت باومان الصادر باللغة الإنجليزية بعنوان «هل للأخلاق فرصة في عالم استهلاكي؟». صدر الكتاب عام 2008 وتضمن قراءة لعدد من الظواهر الكبرى التي تسم العالم المعاصر بما يسمّيه باومان «الحداثة السائلة». المحور الرئيس لتلك الظواهر هو الشأن الأخلاقي الذي ينظر إليه المفكر البولندي من زاوية تأثّره بسيطرة الاستهلاك في عالم سريع التغير على المستويات كافة. فالأخلاق في عالم الاستهلاك سائلة، أو فاقدة للثبات أو الصلابة التي عرفتها في فترات سابقة آخرها ما يسمّيه باومان عصر الحداثة الصلبة، أي حداثة التنوير. في عالم السيولة تتغير القيم والهويّات وتسيل الحدود السياسية وتفقد الحواجز التقليدية تأثيرها وأهميتها.
من خلال هذا التعريف بالكتاب والكاتب يمكن لأي باحث في الشؤون العامة التوقف عند مجموعة من المحددات التي تنطلق بتعريف الاخلاق اليوم -عند كثيرين- ضمن الإطار السياسي تحديداً والمجتمعي بشكل أدق. في السياسة تعني الاخلاق: الكذب والنفاق وتفضيل المصالح الشخصية والفئوية، وفي الاقتصاد تعني الغش والاحتيال، وفي التدين تعني الرياء، وفي الإعلام تعني التضليل، وفي النقاشات تعني تكسير الخصم..الخ
إن أغلب ما يجري اليوم على الساحة الدولية وأيضاً الساحات المحلية هو تصور مغلوط عن وجود صراعات شخصية عبر أحزاب ومنظمات وتجمعات تختلف في الأيديولوجيات والمصالح دون وجود رؤية محددة وثابتة بعيداً عن الشعارات المطروحة والتي تعني أخلاق الكذب؛ في حين يتم التغافل عن الدعوات التنويرية والإصلاحية التي أسماها “باومان” الحداثة الصلبة. ماذا يعني ذلك؟
باختصار يمكن الوصول لعامل مهم مع عوامل أخرى قد لا تقل أهمية وهو: التردي النفسي، أو التمزق النفسي الداخلي نتيجة رواسب فكرية مغلوطة، أو طموحات غير مشروعة سببها الانقلاب والتحول من حالة إلى أخرى. فعلى سبيل المثال: هناك من يشعر بالإضطهاد والظلم ويسعى للتخلص من الظالم، وفي حال حصول المراد المفاجئ بعوامل كثير منها خارجية، من ثم الانتقال للعيش في رفاهية مفرطة، ووفرة مالية لم تكن بالحسبان، وسلطة قوية مسخرة عبرها كل أجهزة الدولة له؛ فإنه ينتفخ، ويأبى الاستقرار على الأرض مطلقاً؛ لكن ما النتيجة النهائية بعد ذلك؟
النتيجة هي السقوط في الهاوية بأسرع وقت ممكن، ومن يسقطه هم أقرب الاتباع والموالين بعد ايجاد البديل، أو التشدد بالبحث عن البديل. هذا هو التردي النفسي التي تكون نتائجه دموية غالباً، ومن هنا تتحرك عوامل الحداثة الصلبة من جديد، أو ما تعرف بقيادة الاصلاح والتغيير رغم الهجمات المضادة لها بكل الوسائل الممكنة واللاشرعية تحديداً. هذه هي أخلاق التمزق النفسي السياسي تحديداً بسبب التخلي عن الجماهير، ونسف المبادئ، والإصرار على الرأي العقيم الأوحد في ظل مسميات وهمية منها: العمل وفق الدستور، والمنهج الديمقراطي المزيف، أو الدعوة لتحقيق عدالة السماء من خلال نهج عقائدي وهمي هدفه رضا الله، وإسعاد العباد بالعيش الكريم، وكل هذه المخادعات لحفظ الثروة والتمسك بالسلطة والإبقاء على الوجاهة والصورة اللامعة مهما وصل حال الجماهير من التردي والفقر والإذلال كي يبقى القائد قائداً أوحداً يصول ويجول كيفما أراد، وبذا يحاول قلب الموازين لصالحه، وإسقاط العدوان على غيره مهما ارتكب من أخطاء قاتلة، قد يكون منها موت وتشريد وتغييب عشرات الآلاف من أبناء شعبه.
لكن المفرح اليوم -في ظل العقل التنويري- أن جميع خيوط اللعبة أصبحت مكشوفة، وكل مخططات التعسف والإذلال لم تطمسها أخلاق السياسة؛ لتصبح الانقلابات الجماهيرية هي الفاعل الأول كحشود بشرية، وليس دبابات وطائرات عسكرية كما يتيقن البعض من ذلك، إضافة لوسائل التواصل كمحرك فكري يحث الجماهير بالإصرار على التغيير السلمي بعيداً عن الفوضى وإراقة الدماء، والأمثلة شاهدة نراها كل ساعة من على شاشات التلفزة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: