الأحد , ديسمبر 6 2020

حمدي عبد العزيز يكتب …..تباريح الصباح

في مرحلة مبكرة من شبابي كنت منبهراً بالمذهب السريالي على صعيد الشعر والقصة والفن التشكيلي

ثم في مرحلة أخرى كنت أعبر بعنف عن انتقادي للسريالية والدادية منحازاً للواقعية الاشتراكية ومنها إلى اعتناق الفكر الماركسي بشكل أصولى متشدد

ثم اكتشفت في نهاية الثمانينيات بعد أن اقتربت من العقد الثالث من عمري أن الواقعية الإشتراكية تتسم بالجفاف الشديد على المستوى الإبداعي وتفتقر إلى مساحة مطلوبة لألعاب العقل وتباريح الوجدان وتعاني من الحرمان على الصعيد الجمالي وأنها تهتم بالإنسان في حالته العامة كانعكاس للأحداث ولاتهتم به من الداخل عبر احراشه ومكامنه الوجدانية والنفسية الخاصة وتجليات حركته وجدليته مع الأحداث والوقائع ومؤثراتها
بإختصار شديد كانت تفتقد إلى أهم جوهر إبداعي وهو إعادة تركيب وخلق الأشياء لتحلق في فضاءات الرؤى العقلية المنطلقة وكانت تنطق بما لاتنطق به الروح

آمنت بالنموذج السوفيتي وبالحتمية الإشتراكية إيماناً شبه ارثوزكسي
كانت كلمات لينين قداسة لدرجة أنني أحمد الله على أنني لم أطلب إقامة الحد على (المرتد كاوتسكي)

لدرجة أن كتابات فلاديمير إيلتش لينين تحولت من كراسات وكتيبات وكتب ومجلدات إلى أسفار مقدسة
هذا سفر ( بم نبدأ) وذلك سفر ( الدولة والثورة) وذاك سفر ( ماالعمل) وهكذا سفر ( خطوة للخلف وخطوتان للأمام) وما إلى غير ذلك من أسفار مقدسة حملتها معي وأنا أزور قبر لينين واظفر بنظرة إلى ذلك الرجل الراقد في صندوق زجاجي في بهاء متقد وهيبة ونضارة لم يهزمها الموت أو هكذا رأيت بعد أن جاء دوري في طابور طويل لاينقطع ولاينتهي من أجل إلقاء تحية إلى رجل عظيم أسهم في تغيير تاريخ شعوب وأممم تحية كان وسيظل جديراً بها

إلى أن وقع الإتحاد السوفيتي في مقدم التسعينيات فوقعت مطرقة حديدية ضخمة فوق أم رأسي

افقت فوجدت نفسي في منزل انزلته المحنة بي تماماً كما أنزلت الضابط يحيى المنقبادي على أرض الخوف عندما أكتشف فجأة أن المهمة المقدسة التي نذر لها حياته غاب راعيها الأعلى والقوة المركزية التي كان يستمد وثوقه بوجودها كغطاء مركزي له يمده بالحماية المعنوية والقوة والعزم والإيمان بقداسة المهمة على أرض الخوف ليفيق على غياب ذلك الغطاء المركزي مواجهاً محنته كشخص عاري الصدر مكشوف الظهر بلا أي درع واق أو أي سند مشجع ، مطارد ومحاصر على أرض تلك المحنة التي تشبه نفس الأرض التي وجدنا أنفسنا أنا وكثيرين غيري من أبناء اليسار عليها ونحن مقبلين على تسعينيات القرن الذي مضى كحلم ليلة صيف

المهم أنني استغرقت من بداية التسعينيات إلى نهايتها في القراءة وطرح الأسئلة على نفسي المجهدة ( بفتح الهاء مرة وكسرها مرة أخرى) إلى أن قررت النهوض والتوجه إلى مياه النهر المتدفق لا لكي اغسل وجهي أو لكي أغتسل بهدف التوضؤ والاستتابة ؛
وإنما لكي أترك عقلي منفتحاً مشرع الأبواب معلقاً في عمق النهر يستقبل تيارات المياه المتدفقة في عملية غسيل ذاتي لانهائي
فهل أنا مخطئ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: