الدلالات المضمرة في قصيدة أمل… انتظار .. ملل للشاعرة سعيدة إفقيرن ……. من إنجاز الأديب المغربي سعيد محتال

الدلالات المضمرة في قصيدة
أمل… انتظار .. ملل
للشاعرة سعيدة إفقيرن
من إنجاز سعيد محتال

إنّ أصعب اللحظات التي تواجهنا في الحياة هي لحظة الانتظار ، والأسوأ من ذلك انتظار حدوث شيء قد لا يحدث، مما يطول معه الترقب والتوجس ، فيشعر الإنسان بالحزن والاضطراب ، ثم يبدأ بفقدان الأمل تدريجيا. لذلك على الإنسان أن يتحلى بالصبر طول مدة فترة الانتظار ، ويعلم أن القادم ليس بيدنا ، ولسنا مسؤولين على حدوثه ، حتى لا ينقطع حبل الأمل الذي هو سر سعادتنا.
ولعل هذا هو سر اقتناء الشاعرة هذا الثالوث العجيب كعنوان للنص الذي بين أيدينا
أمل … انتظار .. ملل
عنوان يحاكي طبيعة علاقة الإنسان بالآمال المفقودة التي نظل نطاردها وننتظرها مدى الحياة فلا يتحقق منها ما كنا نرجوه ، ويرجع ذلك إلى صعوبة الحياة المعاصرة التي تترك انطباع الانكسار والشعور بالغربة وسط دوامة الاحتضار التي تحيط بنا من كل مكان. ثلاثة أسماء نكرة تجسد الطبيعة العلاقات البشرية التي صارت الوجه الفعلي لكل العلاقات القائمة بين الانسان وأخيه الانسان وحتى بين ذاته غدفي هذا الزمان العصيب، غياب المسؤولية والوفاء بالوعود ، وعدم الرغبة في تجاوز الأحقاد والكراهية التي باتت مثل هاته السلوكات البارزة في ساحة علاقات الجوار فلا أمل في أمل يطول انتظار حدوثه.
خصصت الشاعرة لكل حالة من هاته الحالات الثابتة مقطعا او مقطعين قصيرين من حيث المساحة ، ولكن لها – أي المقاطع- امتداد مع مرور الوقت ، مع ان السرد او الوضعية التي عليها الشاعرة في القصيدة قصيرة جدا لكن أثرها على النفس البشرية قوي جدا، تبدأ من زمن الليل الطويل، وتنتهي مع حلول الصباح القصير .

مباشرة بعد العنوان ، وضعتنا الشاعرة أمام وضع صعب ومؤثر دون الخوض في بداية التفاصيل ، بل افتتحت القصيدة مباشرة بالمتوقع من العنوان:
نتيجة الملل حصل فعل الغرق، حيث جلبت له جملة اسمية قصيرة ولكن وقعها على القارئ كبير ” وانا الغريق ” ، يتقدمها واو الابتداء الذي يوحي بمرارة ما يعجز اللسان عن ذكره : ” وانا الغريق ”
وكأنها تلهمنا وتحفزنا لاستحضار ما نطق به المتنبي:
وَالهَجرُ أَقتَلُ لي مِمّا أُراقِبُهُ
أَنا الغَريقُ فَما خَوفي مِنَ البَلَلِ
بل الخوف أن تجد نفسك غارقا في وحل أصم أبكم غير قادر أن يتفاعل معك ومع ما ترمي اليه من هموم وأوجاع،
” فلا الماء الراكد تحرك
و لا الحجر غرق”
والغرق غالبا ما يرمز إلى المرور بضيق وكرب وشدة من طول الانتظار ، وطول طريق الأمل الذي يأبى ان يتحقق ، جعل من الشاعرة ترسم مشهدا، وهو غالبا ما يتكرر في حياتنا حين نشعر بالملل ، أو ونحن غارقون في عالم الانتظار ، هذا المشهد يتجلى في الجلوس قرب البحر او بركة ماء ، نتسلى برمي الحجارة مرارا، نحاول أن نخفي همومنا وأحزاننا عن الانظار، ونحن ننتظر أن يأتي ما هو جديد.
ولكن الحذر واجب، فكما قيل : ” احذر رمي الحجاره في الماء ” ، خصوصا اذا كان الانسان غارقا في همومه ومشاكله فقد يقع فيما وقع في صياد حين ظل يرمي بالأحجار الصغيرة التي كان يحملها معه دون أن يعي قيمة ما يحمله ، ليكتشف في الأخير أنه ضيع كنزا ثمينا، فرمي همومنا دون التفكير العميق في كيفية إيجاد حلول لها يجعلنا كأننا نصيد في ماء عكر .
إن فعل الرمي لن يجعل الماء الراكد يتحرك حتى وان تحرك، فلن تتحقق الا دوامات دائرية من صنع حجر لا يغني الغارق شيئا في بركةٍ صغيرة تهدأ مع الوقت ولا تهدأ مشاكله.
يبدأ الأمر بثِقل اهتزاز الحجرة فيحرّك الراكد ، هذه الحركة لن تزيده الا اضطرابا، سرعان ما تتلاشى الدوائر ، لكن يبقى الاضطراب النفسي حاصلا ، لنعاود الكرة من جديد، لعلها تتلاشى همومنا واوجاعنا، لكن الأمرّ من كل هذا ، ألا تتحرك البركة الجامدة، ولا تُغرق ما رمينا من مشاكل وأحزان، فتظل الحالة مُعلقة كمثل ما أصاب الحجارة. دون الإحاطة بسر تعلق الحجارة:
” و لا البحر كشف لي
عن سره العميق”
إن الوصول الى الحصول على ما نريده أو نود تحقيقه يتطلب جهدا ومشقة لتجاوز مرحلة الغرق المحنة
فكما قال دوستويفسكي :
“الألم والمعاناة أمران لا مفرّ منهما للوصول إلى ذكاء كبير وقلب عميق”
فمن الصعب أن يبوح لك البحر العميق بأسراره أو يمكنك من نفائسه وثماره إن لم تكن تجيد الغوص في أعماقه، فرميه بالحجارة لن يزيدك إلا أرقا وتعبا.
تمكنت الشاعرة من إيصال فكرتها بكل عمق ويسر وبأقل عدد من الكلمات في هذا المقطع القصير مستعينة بأسلوب التكرير :
– تكررت الحروف بعينها عدة مرات كالراء والتي من صفاتها التفخيم والتكرير ، والميم واللام والغين والواو أصوات تتميز بطول النفس والقوة والجهد والعسر في النطق،
هذا الجهد والعسر نابع من الحالة النفسية التي تمر منها الشاعرة:
” يؤرقني الليل
يلسعني كالنحل
عسل يسري بشرياني ”
وكأن الشاعرة تغوص بمحراب العشق، تتلذ بألمها، وتتذوف طعم أرقها، هذا التعب والسهر ما زادها إلا عشقا وإحياء للمشاعر الجميلة التي باتت تفتقد إليها صابرة على لسعات النحل، تتلذذ بمرارتها وحرارتها ، ما دام الذي يسري في عروقها ذكريات أوقعتها في فخ الاغتراب والحنين إلى ماض كان بمثابة آمال وأحلام:
التلذذ بالألم حدّ من الرغبة في البوح او الإفصاح المباشر عن سر هذا الوجع الذي يتدفق عسلا مجرى الشرايين ليتحول مباشرة إلى نزيف غارق في وحل الصمت الموجع:
” أنزف صمتاً
من جرح روحي و ريحاني
أنزف وقتاً ”
الجرح الصامت أشد دمارا للنفس البشرية، فالقلوب المنكسرة التي تحتفظ بأسرارها تسبب لها نزيفا قويا، متأثرة بخيبات الأمل والإحباط نتيجة طول انتظار ” أنزف وقتا”
معبرة عن الملل بسبب طول الانتظار بهذه العبارة دون إطناب في الكلام ، ” أنزف صمتا ” و ” أنزف وقتا ” عباراتان كافيتان للدلالة عن مدى الجرح الذي أحدثه فعل الانتظار، فجراح النفس يصعب ان تلتئم بسرعة، فلا بد من صبر وكفاح ومواجهة الصعاب بقوة الإيمان والخوف من الفشل ، والا سيطول وقت النزيف مما يسبب ضعفا وانهيارا يلاحق الانسان في كل مكان و زمان، ولن يوقف نزيفها حينها الا كيّ بالنار. وأحيانا، بل أغلب الشعراء ما يجدون سبيل التخلص من هذا النزيف باللجوء الى الكتابة للتخفيف عن آلامهم وآهاتهم:
” تتراقص أحرفي بلساني
آمالي … هباء منثورا
فيصحو حلمي مذعورا
يهجر كل أركاني”
تتراقص حروفها كالطير المذبوح من شدة الألم، فيصعب عليها أن تصرح بما في داخلها مستعينة بنقط حذف تاركة التأويل للقارئ:
آمالي … هباء منثورا
آمالها باتت حلما دفينا في كهف بلا أركان ممتد عبر الزمان، تشظ وانكسار لا حدود له ، تقول الشاعرة في إحدى شدراتها :
والمرايا التي تشظت أمامي ..
نظرت فيها ..
فرأيت نثارا من بعض بعضي ..
حاولت لملمته ..
فجرحتني انكساراتي ..
سعيدة إفقيرن
هذه هي الشاعرة إفقيرن التي تتمسك بلغتها الصوفية، والتي تجد فيها راحة نفسية وانجذابا قويا لخوض غمار تجربتها الشعرية بكل قوة وثبات ، محاولة التمرد على الاكتفاء بالتصريح او الانزواء هروبا من الواقع المرير، بل اللغة الشعرية اصلا تقتضي الانزياح فتترك بذلك المجال للقارئ يتذوق مرارة الألم التي يجدها في صور قريبة من ذاته تذكره بآلامه وآماله.
فلكثرة ما يصاب الانسان في هذه الدنيا من بلاء ونصب وتعب ، ودون وعي بحقيقة هذه الدنيا التي دار عمل وابتلاء ، ودار نصب وتعب يشعر أحيانا بالاحباط والملل ، فتتسرب إلى قلبه وساوس وهموم تجعل حياته ضيقة بما رحبت.
لنلاحظ جيدا كيف سيطرت أفعال المضارعة على هذا المقطع :
يؤرقني – يلسعني – يسري- أنزف – أنزف ( ثانية ) – تتراقص – يصحو – يهجر ؛
أغلب هذه الأفعال ، بل كلها جاءت مقرونة إما بضمير المتكلم أو منسوب اليها ، أفعال مرتبطة بالزمن الحاضر وبالحالة النفسية التي تمر بها الشاعرة تلك الليلة المظلمة التي تركت أثرا بليغا على نفسيتها ، وجعلت الذكريات الصعبة تمر تباعا كتساقط الدم من الشرايين المجروحة ، من هنا تسرب إلى قلبها الشعور بالملل الذي كان الدافع لبروزه حالته النفسية في الزمن الماضي :
“مللت ذاكرتي
مللت استبداد مخيلتي
صور لجدران شاهقة
وأنا الحبيسة ”

يبدو أن الملل كان له وجود من قبل في ذهن الشاعرة معبرة عن ذلك بالذاكرة المشحونة بصور من لحظات الملل التي مرت بها في الماضي ، فنجدها مررت فعل ملّ بصيغة الماضي وهي تتحدث عن الذاكرة والمخيلة كرابط جسر بين الماضي المتوقع والمستقبل المنتظر ، لكن كلامها غلب عليه طابع الملل الذي سببه ذاك الجدار الشامخ بصوره المقلقة والمخيفة مما منعها من استنشاق رائحة الأمل غير المصرح به. فجاءت هنا بفعل ” وأنا الحبسية ” لمؤازرة الصورة الشعرية التي قدمتها سابقا حين تحدثت عن غرقها في اوحال الصمت العميق ” وأنا الغريق .. أنزف صمتا..”
كادت الوحدة أن تدمر كل انتظاراتها، فسببت بذلك جرحا ونزيفا لما تبقى من آمالها :
“صدى أشباح تستعمر وحدتي
تستنزف بقايا صحوتي.”
حاولت في هذا المقطع أن تستنزف كل طاقتها التعبيرية لتلخص آمالها المدمَّرة في مشهد تصويري قصير
سجين بين أصداء أصوات مثقلة بالأوجاع والهموم، مما سبب شللا في التفكير خارج الصندوق الذي لفته حوائط الملل القادم من كل جهة.
وصف بعض الباحثين الملل ب ” الشعور الذي ينتاب المرء عند أداء مهمة تتسم بالتكرار. ”
بمعنى آخر هو شعور نفسي يجعلك لا تشعر بالرضا تجاه الأشياء التي تتكرر أمامك
ويعتقد جيمس دانكيرت، رئيس مختبر الملل بجامعة ووترلو بأونتاريو: ” ..أن جميع الناس يشعرون بالملل، لكن البعض لديهم قدرة مدهشة على التعامل معه”.
كما قام تايلور أسيي، الأستاذ المساعد في التعليم التنموي، في جامعة ولاية سان ماركوس، بالتفريق بين الملل واليأس: ” الملل قد ينطوي على الشعور وكأنك عالق في حالة من الاستياء، لكنه لا ينطوي على الاعتقاد بأن النجاح هو أمر مستحيل أو أن الانخراط في النشاطات المُرضية هو بعيد المنال في المستقبل”. وعلى الرغم من أن الملل يشبه الاكتئاب، إلا أن الملل ينشأ عندما لا يوجد تحفيز من العالم الخارجي.
فكيف تعاملت الشاعرة سعيدة مع هذا الملل الذي يكاد لا يفارق ذاكرتها والذي ظل يستبد بمخيلتها!؟.
نجد في هذا النص ما يوحي بأن الشاعرة غير مستسلمة لهذا الشعور المدمر بل تتلقاه بسخرية :
” وأضحك …!! لأني ”
مشهد بديع وملفت نُسج بكل إثقان وتدبر ، ففي الوقت الذي كانت الشاعرة غارقة في الصمت الذي سبب لها جراحا ونزيفا، وبدأ يتسلل الملل كالسم القاتل الى الجسد، تنقلنا إلى مشهد فريد وراق، وهي تضحك
من باب السخرية، مشهد يلخص كيف تمكنت الشاعرة أن تتغلب على العجز الذي كاد أن يدمر حياتها، وذلك باللجوء إلى الكتابة كمنفذ لكسر حواجز الصمت والضعف حتى لا ينهار جدار الأمل الذي كانت تتكئ عليه وتعلق آمالها عليه، وبالتالي كادت آمالها واهتماماتها ان تصير في خبر كان :
“نفضتُ على فراغِ سِنِّي
حِرجَ زماني الأحمقْ”
فأزالت عنها كل ما علق بذاكرتها الموشومة بالملل مستخدمة فعل نفض بصيغة الماضي الذي يفيد الثبات ، كما أنها نفضت عنها كل ما يشير سابقا إلى معاني الفشل والإخفاق.
ورد في معجم المعاني الجامع الحِرْج : حِبالة الصائد
الحِرْج: الوَدَعة
الحِرْج: قِلادة الحيوان
الحِرْج :جماعة الغنم والجمع : حِرَاجٌ، وأَحْراجٌ، وحِرَجةٌ
وَقَعَ في حِرْجٍ : في إِثْمٍ.
فالكتابة بالنسبة إليها كانت بمثابة وسيلة للتخلص من كل حبال الشرك التي طوقها الانتظار بها ، فجعل منها تحيا حياة بلا استقرار ولا أمل ، اغتراب نفسي وتمزق داخلي ناتج طول الانتظار ومآسي هذا الزمان الذي بات كالزبد لا يرحم ولا يأتي إلا بالوجع والاغتراب، فكان لابد من هذا الوجع الجاتم على الصدر كالطوق ، لا يدعها تتنفس ، أو تنظر إلى الحياة بمنظار الأمل الذي يمدك بالطاقة والحيوية، فالتجأت بذلك إلى أسلوبها البلاغي الذي يجعلك تدرك المقصود بكل يسر دون محاولة الغرق في النبش في الدلالات للحصول على وراء ستار المعجم ، يكفي أن تدرك معاني الكلمات مع يسير من التأويل للوقوف على ما تلمح إليه الشاعرة دون الوقوع في فخ السرد الممل.
انظر إليها كيف تجعل من المستحيل ممكنا، لتصرح مدى صعوبة الوضعية التي مرت بها من قبل وكيف يمكن رسم معالم وضع جديد ينسينا ألم ووجع الانتظار :
” حرضت برعم التجنّي
على التفتُّحِ قُبلةً و عُنوةً
من مسامِ الحُلُمِ الأضيَقْ”
صور شعرية في غاية الرسم والدقة :
– حرضت برعم التجنّي
– قبلة وعنوة
– الحلم الأضيق
– مقطع من ثلاثة سطور بثلاثة صور بلاغية وما يزيد لتبين لنا كيف يتحقق المستحيل :
تحفيز وتحريض ( قبلة وعنوة ) لبرعم الأمل على البروز طوعا أو كرها هذا البرحم الصغير المتهم أنه وراء عجز الثمار عن الظهور لا بد له من التغلب على المسام الأضيق على وجه الأرض
صور بلاغية من مجاز واستعارة ترسم معالم طوق الأمل الذي يأبى ان يستسلم للألم المتجدر في النفوس،
بل تواصل الشاعرة في سخريتها من هذا الزمان الأحمق المتشبت بالألم وكأنه لا همّ له سوى جعل الناس يتلذذون بأحزانهم وآلامهم، بدل العيش في سلام وأمان :
” وأضحك …!!
لأني اقتنصت من فضاءِ القصيدةِ
جَناحَ التمنّي..
وسرقت ..
من أثيرِ الغناءِ ..؛
نشوةَ الحرفِ المُمَوْسَقْ”
وعندنا تؤكد الزعم الذي ذهبنا إليه سابقا، كون الشاعرة تجد متنفسا كبيرا وقت اللجوء إلى الكتابة :
( لأني اقتنصت من فضاءِ القصيدةِ
جَناحَ التمنّي.. )
أصبحت آمالها كلها معلقة بجناح التمني الذي بإمكانه أن يجعل من القصيدة أملا جديدا في حياتها، ولا داعي لطول الانتظار الذي قد يأتي او لا يأتي .
فلتكن إذن الكتابة بديلا عن كل ما يمكن أن يسعد قلبها ويفرج همّها، معتمدة على الصورة البلاغية كأهم الوسائل التي يمكن أن تبرز جماليات النص من مجلز وكناية وطباق وتقابل وجناس كما رأينا سابقا.. أو ما تبقى من صور مشهدية قوية بلاغة كقولها:
” وسرقت ..
من أثيرِ الغناءِ ..؛
نشوةَ الحرفِ المُمَوْسَقْ”
وسق الوَسْقُ: مصدر وَسَقْتُ الشيء: جمعته وحملته. ومنه قوله تعالى: “والليلِ وما وَسَقَ”.
وهي بلا شك تشير الى الكلمة المأخوذة من الموسيقى، ما دامت تتحدث في هذا المقطع عن نوع من الشعر الحر الذي يعتمد على الموسيقى الداخلية بكل أشكالها.
فالشاعرة تتحدث عن اللحظات التي تجد نفسها وحيدة فتسرق بعض الوقت الذي تلجأ فيه الى الكتابة للتخفيف من وطأة أوجاع الحياة ومشاكلها، او ربما هناك ما يمنعها من ممارسة فعل الكتابة، فالضغوطات تزيد من صعوبة هذه المهمة التي تتطلب طول الصبر والتشجيع الدائم،
كل هذا لتهرب من خلال القصيدة وبها إلى صبح تتنفس فيه من أثقال الليل الطويل الذي لا يأتي إلا بما يسبب الأرق والألم:
” أريدُ أن أهرب …
هذا الصباح
و معي يَهرُبَ الفرحُ من الزنزانة
و تصفق لنا السنديانة
و يطيرَ موعدُ الوردِ مع الرياح
خَمرةَ العطِر المُعَتَّقْ”
السنديانة نوع من أنواع مختلفة من أشجار السنديان ، بعضها مثمر ( شجرة البلوط) ، وبعضها للظل فقط، منها ما ينمو في الجبال، وآخر في الأودية والسهول.
تتواجد بكثرة في أرض فلسطين، فصارت بذلك رمزا للصمود ، والقدرة على المقاومة والثبات، وقد استمدت الشاعرة هذا النوع من الصمود والثبات من خلال طريقة أسلوبها الذي يعتمد بكثرة على لغة أهل التصوف :
– أهرب ويهرب معي
– خَمرةَ العطِر المُعَتَّقْ

تقول في إحدى قصائدها :

“والمرايا التي تشظت أمامي ..
نظرت فيها ..
فرأيت نثارا من بعض بعضي ..
حاولت لملمته ..
فجرحتني انكساراتي ..”
سعيدة إفقيرن

فما انكسارات الشاعرة الا تعبير عام عما تراه من مآس وجروح تمر بها البشرية جمعاء هاته الأيام من حروب وأوبئة وهرج …، وإن كان ضمير المتكلم هو الغالب على النص، فذاك من باب التأثير بالشعر الصوفي والوجداني تظل الذات الشاعرة حاضرة بقوة وفي اتصال مع الغير من خلال تقاسم الهموم والتحارب:
” و يطيرَ موعدُ الوردِ مع الرياح” فهي تنشد الفرح والابتسامة للجميع، وأنه على الانسان أن يسعى خلف الحياة الهادئة ، والتي لن تتحقق إلا بالتغلب على كل الأسباب المؤذية للألم .
بقي أخيرا أن نشير إلى نقطة مهمة لها صلة بالعنوان، فقد يظن القارئ أن الوصول إلى الملل وتغليبه هو المقصود، لكن بالرجوع إلى علامات الترقيم التي هي جزء مهم من أدوات الكتابة، بل تؤثر بشكل كبير في المعنى العام للنص، وفي مستوى الفهم له، باعتبار علامات الترقيم عبارة عن رموز توضع داخل النص عشوائيا، بل يؤتى بها لتوفّر على القارئ جهد إعمال الفكر في استيعاب مضامين النص ومعانيه.
فمثلا علامة الحذف أو علامة القطع أو علامة الانقطاع (…) وتُسمَّى أيضاً نقط الاختصار أو نقط الإضمار هي علامة ترقيم تتكون من ثلاث نقط، يُرمز لها بالشكل (…)، وتدل على كلام مقصوص أو يدل على وجود تتمة، مثل: قال رسول الله (إن الله جميل…)، ويوضع أيضاً للإشارة إلى كلام محذوف.
وأما النقطتان الأفقيتان (..)
فإنما يجري استخدام هذه العلامة كبديل للفاصلة العادية، خاصة في الأعمال ذات الطابع الأدبي، كما تفيد الاستمرار في نهاية الفقرة كبديل عن التوقف، وهي من علامات الترقيم المستحدثة،

فالشاعرة عندما تأتي بثلاث نقط مباشرة بعد ” أمل … ” تكون بذلك قد فصلتها عما بعدها ولم يعد هناك ترتيب مباشر ، بل ال قائم بين الانتظار والملل بالنقطتين (..)
فلا يصح أن نقول إنه بعد طول الانتظار فقدت الشاعرة كل أمل مما ولديها مللا في الحياة
بل لابد من التنبه لما جاء في النص وما يحمله من الدلالات التي يمكن استخلاصها، وإدراك ما القصد من العنوان، فبعد التحليل الجزئي للقصيدة وما استخلصناه من دلالات واستنتاجات، نرى إن المواجهة كانت قوية بين تقابلات مهمة في الحياة التي يمر بها الإنسان بين ملل وأمل بين ألم وألم ، صور تعكس مدى الصراع الداخلي وما قد يسببه من ألم قد ينسيك آمالك المنتظرة ، إنه ذاك الصبح الجميل كما أشارت الشاعرة الذي يجعل من الليل ليلة عشق ونسيان لكل الهموم .
إنها لحظة المكاشفة والغوص في المجهول، والرغبة في التحرر من قيود الليل المظلم، للبحث عن سبيل الخروج من زنزانة رسمنا جدرانها بأيدينا.
سعيد محتال

قصيدة:
أمل … انتظار .. ملل
وأنا الغريق
ألقي بحجر ،
فلا الماء الراكد تحرك
و لا الحجر غرق
و لا البحر كشف لي
عن سره العميق

يؤرقني الليل
يلسعني كالنحل
عسل يسري بشرياني
أنزف صمتاً
من جرح روحي و ريحاني
أنزف وقتاً
تتراقص أحرفي بلساني
آمالي … هباء منثورا
فيصحو حلمي مذعورا
يهجر كل أركاني

مللت ذاكرتي
مللت استبداد مخيلتي
صور لجدران شاهقة
وأنا الحبيسة
صدى أشباح تستعمر وحدتي
تستنزف بقايا صحوتي

وأضحك …!! لأني
نفضتُ على فراغِ سِنِّي
حِرجَ زماني الأحمقْ
حرضت برعم التجنّي
على التفتُّحِ قُبلةً و عُنوةً
من مسامِ الحُلُمِ الأضيَقْ

وأضحك …!!
لأني اقتنصت من فضاءِ القصيدةِ
جَناحَ التمنّي..
وسرقت ..
من أثيرِ الغناءِ ..؛
نشوةَ الحرفِ المُمَوْسَقْ

أريدُ أن أهرب …
هذا الصباح
و معي يَهرُبَ الفرحُ من الزنزانة
و تصفق لنا السنديانة
و يطيرَ موعدُ الوردِ مع الرياح
خَمرةَ العطِر المُعَتَّقْ
سعيدة إفقيرن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.