نسيم قبها يكتب :برغماتية حماس والنظام السوري

 أعلنت حركة «حماس» يوم الخميس 15 أيلول/سبتمبر  في خطوة اثارت انتقاد مؤيديها ،  مضيها في «بناء وتطوير علاقات راسخة» مع النظام السوري ، بعد نحو 11 عامًا من “القطيعة”. وأعربت الحركة في بيان ينطوي على تملّق واضح،  واعتذار لبشار الأسد عن “تقديرها للجمهورية العربية السورية قيادةً وشعبًا؛ لدورها في الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة”، مضيفة أنها قررت رسميًّا استئناف العلاقات مع دمشق.
وجاء بيان “حماس” عقب زيارة قام بها رئيس الحركة إسماعيل هنية، إلى موسكو على رأس وفد شمل نائبه وعضوين من القيادة الأولى في الحركة، بدعوى “تطوير العلاقة مع روسيا”، وإحداث التوازن الإيجابي للدور الروسي لصالح القضية الفلسطينية.
وفي الحقيقة لم تكن عودة العلاقات بين “حماس” والنظام السوري مفاجئة بالنظر إلى الاصطفافات الجارية في المنطقة ومنها توجه القيادة التركية للمصالحة والتقارب مع سوريا واستئناف العلاقة الطبيعية مع “إسرائيل”، وبالنظر إلى المساعي الجارية لإعادة تأهيل النظام السوري عبر الأردن ومصر تمهيدًا لإعادة سوريا إلى الجامعة العربية، وبالنظر أيضًا إلى الرعاية القطرية التي تمثل القناة الأميركية للحركة من أجل دمجها في الحل الإقليمي، وهذا بالإضافة إلى علاقة الأخيرة مع إيران وحزب الله الذي كشف أمينه العام حسن نصرالله سنة 2020 عن وساطة جارية لإعادة العلاقة بين حماس والنظام السوري وبشّر بقرب استئنافها. غير أن الجديد في الأمر هو التقاء المصالح الأميركية الروسية حيال هذه المصالحة وعودة العلاقات بين حركة حماس والنظام السوري. فلا يخفى أن القرارات الكبرى لحركة حماس نحو زيارة روسيا والاستجابة لها ولإيران بشأن المصالحة مع النظام السوري وفي ظل العزلة التي تفرضها الولايات المتحدة على موسكو لا بد أن تمر بضوء أخضر أميركي من خلال رعاة الحركة في قطر، وفي إطار سعي الولايات المتحدة لإعادة تأهيل النظام السوري بصرف النظر عن موقفها من بشار الذي يتطلع إلى إعادة سيطرته على أغلب التراب السوري بما في ذلك مناطق الأكراد في الشمال بتفاهم إيراني تركي روسي، وبصرف النظر عن موقفها من النظام الإيراني الذي تمادى في عناده حيال ملفاته العالقة مع أميركا.
ورغم ذلك فإن مصالحة حماس مع النظام السوري يوفر له الدعم من مؤيدي حماس في الداخل السوري والجوار الإقليمي، كما أن سير حماس في الحل الإقليمي يوفر للنظام السوري المبررات للتخلص من شعاراته السابقة ضد الكيان الصهيوني والانخراط في الحل الإقليمي في المستقبل، مما يمثل مصلحة أميركية سواء بقي بشار رئيسًا أو جرى خلعه واستبدال دمية أخرى به.
وبالتالي فإن عودة العلاقات بين نظام الأسد وحركة حماس، تسير وفق مخطط الحل الإقليمي الذي ترعاه الولايات المتحدة، والذي أفصح عنه جو بايدن في مقال له بجريدة الواشنطن بوست قبل يومين من زيارته للمنطقة، في شهر تموز/يوليو الماضي، تحت عنوان “لماذا أنا ذاهب إلى المملكة العربية السعودية؟”. حيث وصف زيارته للمنطقة بأنها تصب في مصلحة الأميركيين وقال: “إن شرقًا أوسط أكثر أمنًا وتكاملًا يعود بالفائدة على الولايات المتحدة من عدة نواحٍ، فممراته المائية أساسية للتجارة الدولية وسلاسل الإمداد التي نتكل عليها. ومصادر الطاقة فيه حيوية للتخفيف من أثر الحرب الروسية في أوكرانيا في الإمدادات العالمية. وحين تتجاوز المنطقة مشكلاتها من خلال الدبلوماسية والتعاون _بدلًا من التفكك بسبب النزاع_ تقل احتمالات إنشائها للتطرف العنيف الذي يهدد وطننا، أو للحروب الجديدة التي يمكن أن تفرض أعباء إضافية على أفراد القوات العسكرية الأميركية وعائلاتهم”.
وأما من جهة روسيا، فمن مصلحتها امتلاك أوراق للمقايضة والضغط ومحاولة التأثير على الجهات ذات العلاقة بقضية فلسطين، ومحاولة توفير الدعاية للنظام السوري، بالإضافة إلى الاستثمار في حماس لتحسين صورة روسيا أمام الرأي العام الإسلامي والأعراق المسلمة داخل الاتحاد الروسي في ظل حاجة بوتين للجنود من مسلمي روسيا للحرب في أوكرانيا تفاديًا لسخط العرق السلافي الذي أبدى تذمرًا بشأن إعلان بوتين للتعبئة الجزئية، وفي ظل التوتر الروسي مع الكيان الصهيوني بشأن الموقف من الحرب الروسية الأوكرانية. وعلى هذا الصعيد تلتقي المصلحة الأمريكية الروسية بشأن عودة العلاقات بين حركة حماس والنظام السوري.
واللافت أن الولايات المتحدة قد فتحت الطريق لحركة حماس باتجاه الدول العربية بعد معركة سيف القدس، التي تواطأت فيها إدارة بايدن على إسقاط نتنياهو وإظهار الحركة بصورة المنتصر، وتقديمها كممثل لإرادة أهل فلسطين. حيث جرى استقبال إسماعيل هنية في الجزائر ووضع في الصف الأول مع القادة بمن فيهم محمود عباس، نا يسهم في خطف حماس للأضواء من باقي الفصائل وإظهارها بمظهر الممثل الأقوى لـ”الشعب الفلسطيني”، تمهيدًا لإدماجها في حلول التصفية. ومن ذلك أيضًا زيارة اسماعيل هنية للبنان وظهوره أيضًا في عزاء سلطان عمان، ومساعيه لترطيب الأجواء مع الدول العربية كمصر والأردن، ونأيه بالحركة عن الإخوان المسلمين بعد أن تراجع دورهم بفعل “الثورات المضادة” بحجة إعادة الاعتبار لـ”القضية الفلسطينية”.
إن المقاربات البراغماتية لقيادة حركة حماس تكشف بما لا يدع مجالًا للشك والتبرير عن تفاهمات إقليمية ودولية حيال الموقف من الحل الإقليمي، واستعدادها للانخراط فيها. سيما بعد إعلان خالد مشعل عن وثيقة “المبادئ والسياسيات العامة” سنة 2017. وقد بدا موقفها أكثر وضوحًا في العدوان الأخير على غزة واستهداف حركة الجهاد ووقوفها موقف المتفرج. ولقد ظهر تماشيها مع الحل الإقليمي من خلال استنادها إلى الدعم السياسي من قطر والدعم العسكري من إيران، ومن خلال قرارها بالتقارب مع النظام السوري، وتقلبها في المواقف، غير عابئة برأي قواعدها الشعبية ومؤيديها وحتى الكثير من  كوادرها ، بالإضافة إلى تغيير ميثاقها وقبول حل الدولتين بدعاوى مرحلية بعيدة عن شعاراتها الأيدلوجية التي سقطت ، وبالإضافة إلى سعيها لدخول منظمة التحرير كإجراء ضروري في ثوبها العلماني الجديد ،  واتخاذها غطاء لقبول فكرة الأمر الواقع .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.