يحيى حسين عبد الهادى يكتب :سلامٌ على القائد المظلوم فى ذكرى انتصاره

كل عامٍ وأنتم بخير .. هذا يومٌ من أيامنا الخالدة، علينا أن نُلِّح فى الاحتفال به احتفالاً حقيقياً مستمراً يليق بجلاله .. يستحضر معانيه ولا يُختصر فى احتفالاتٍ مُمَسرَحةٍ مُبتَذَلةٍ تحتفى بالحكام أكثر من احتفائها بالأبطال، وتحتفى بالهزائم أكثر من احتفائها بالنصر (!).
الأمم كلها تُنَّقِبُ فى تاريخها عن نصرٍ كنصر أكتوبر لتحتفى به .. وإن لم تجده لاخترعته .. وتَذْكُرُ هزائمها تاريخاً لا احتفالاً .. كل دول العالم تعرضت لهزائم عسكريةٍ كاسحةٍ ومهينة .. لكننا ننفرد عن الدنيا بأن بيننا من لا تنقطع احتفالاته على مدى أكثر من نصف قرن بِ (عيد ٥ يونيو) لثأرٍ خَلَّفَه صراع السلطة مع عبد الناصر .. وهم لا يختلفون كثيراً عن من قَلَّلُوا من نصر أكتوبر نكايةً فى السادات .. يُضاف إليهم اليوم بعضٌ ممن خلطوا بين غضبهم من السيسى وبين الجيش (الذى هو جيشُهم مِن قبلُ ومِن بعد) .. هذا نصر مصر .. ومصر أكبر من حُكَّامِها وأبقَى منهم .. أكبر وأبقَى من عبد الناصر والسادات ومبارك ومرسى والسيسى طبعاً.
تسعةٌ وأربعون عاماً تَمُّرُ على واحدٍ من أنبل أيامنا .. يومٍ امتَّد ستة أعوامٍ بدأت مساء التاسع من يونيو ١٩٦٧ بنزول الملايين فى لحظةٍ واحدةٍ، يُحركهم ضميرهُم الجَمْعى، يرفضون الهزيمة ويُكلفون أسَدَهُم الجريح بتحقيق النصر .. شئٌ مذهلٌ لا تفعله إلا الشعوب العظيمة .. ونحن شعبٌ عظيمٌ يُخبئ تحت سلبياته الكثيرة تحّضُراً وشموخاً .. كان يوماً طويلاً ولكنه كان يوماً عظيماً .. تخطيطاً وأداءً وإبداعاً وصبراً واحتمالاً ومثابرةً وبذلاً.
فى ذكرى النصر العظيم .. طوال فترةٍ امتدت حتى ثورة يناير ٢٠١١، اعتاد الإعلام المُوَّجَه أن يتذكر أسماء بعض القيادات التى أسهمت فى النصر، مع تضخيم دور مبارك، والتعتيم تماماً على دور واسم رئيس الأركان (مايسترو المعركة) .. بل إنَّ الأمر تجاوز التعتيم إلى سفالات النعال الإعلامية واتهامه بالعمالة والخيانة (تَخَّيَلُوا !!!) .. ولَم يُنصَف البطلُ الأسطورى إلى أن لَقِىَ رَبَّه .. لذلك وَجَبَ على كل مصرىٍ وعربىٍ أن يرفع كفيّه فى هذا اليوم بالدعاء (اعتذاراً وامتناناً) لحبيب مصر وبطلها وابنها المظلوم والرأس المُدَّبِر لهذه المعركة العظيمة .. الفريق سعد الدين الشاذلى رئيس أركان القوات المسلحة فى حرب أكتوبر.
إن بطلاً واحداً لمعركةٍ واحدةٍ من معارك مصر، يستحق منا أن نضعه فوق رؤوسنا إكليلَ غار، وفوق صدورنا وساماً للفخر .. فما بالنا وبطلنا الأسطورى هذا لم يكن بطلاً لمعركةٍ واحدةٍ .. وإنما كانت حياته سلسلةً كاملةً من معارك الوطن المقدسة .. انتصر فيها جميعاً بنا ولنا .. هو أيقونة العسكرية المصرية ونموذجها وعنوانها المُشَّرِف .. وهو الضابط المثالى المقاتل عن عقيدةٍ (لا كوظيفة) وكما قال هو عن نفسه فى كتابه الممنوع (لقد أمضيتُ عمرى كله فى خدمة بلادى) .. هو كذلك بالفعل .. لم يَظلِم ولَم يسرق ولم يزوّر ولم يُفَّرِط ولم يكذب ولم يلعنه شعبه فى يومٍ من الأيام .. وإنما غَدَرَ به وحبَسَه مرؤوسُه الذى أصبح بالمصادفة رئيسَه (حُكْمُ الخسيس) .. شارك فى معارك مصر كلها بدءاً من حرب فلسطين ١٩٤٨ التى كان أصغر ضابطٍ شارك فيها .. وانتهاءً بحرب أكتوبر المجيدة، وهو بعدُ فى الحادية والخمسين من عمره.
انتصر الشاذلى فى كل معاركه .. حتى فى ١٩٦٧ كان أداؤه طاقة نورٍ وسط الظلام الحالك .. إذ كان فى وسط سيناء على رأس وحدة القوات الخاصة المعروفة بمجموعة الشاذلي (وكان قد أسّس سلاح المظلات قبل ذلك)، ومع انقطاع الاتصالات بينه وبين قيادة الجيش، وبينما الجيش الصهيونى يتقدم فى سيناء اتخذ الشاذلي قراراً جريئاً فعَبَر بقواته الحدود الدولية وتمركز فى عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة يومين كاملين .. إلي أن تم الاتصال بالقيادة العامة التي أصدرت إليه الأوامر بالانسحاب فورا، فنفّذ انسحاباً احترافياً نموذجياً، في ظروفٍ غايةٍ في الصعوبة وفي أرضٍ يسيطر العدو عليها تمامًا، ودون دعم جوي، وبالحدود الدنيا من المؤن، وعاد بقواته ومعداته سالماً بخسائر لم تزد عن٢٠٪؜.
هذا عن بطولته فى قلب النكسة .. أما دوره فى نصر أكتوبر فلا ينكره إلا جاحدٌ .. ويعرف كلُ من شارك فى هذا النصر العظيم اهتمامه بكل التفاصيل الصغيرة التى قادت إلى هذا الانتصار المبهر فى الإعداد والتنفيذ .. لدرجة أن القيادة العامة لم تكن بحاجةٍ لإصدار أى أوامر لأي وحدةٍ فرعيةٍ فى الأربع وعشرين ساعة الأولى من القتال .. إذ كانت القوات تؤدي مهامها كما خطّط الشاذلى بالضبط بمنتهى الكفاءة والسهولة واليُسر وكأنها تؤدي طابور تدريبٍ تكتيكياً.
ليس هذا مجالَ سردِ تفاصيل بطولات الشاذلى فى ساحات المعارك فالمساحة تضيق بها .. لكن المرءَ يتذكر بأسىً كيف خاض هذا الجندى المُحترف معركته الأخيرة بعد أن أُبعد عن ميادين القتال .. لمجرد اعتراضه على سلامٍ، وجد أنه يُهدر ما تَحَقَقَ بالسلاح والدماء .. فتعرّض للظلم والجحود والخِسَّة على مدى سبعةٍ وثلاثين عاماً .. فكان هو الوحيد الذى لم يتم تكريمه بأى نوعٍ من أنواع التكريم وتم تجاهله فى الاحتفالية التى أقامها مجلس الشعب لقادة الحرب، وأُزيلت صورته من صور غرفة عمليات الحرب ومن بانوراما حرب أكتوبر فى تزويرٍ فاضحٍ يُدين فاعلَه .. وتم تجريده من نجمة الشرف وأُوقف معاشه المستحق عنها وعاش على إيرادات قطعة أرض ورثها عن أبيه .. وظل هذا القائد المصرى الأسطورى الشريف يستمع إلى أكاذيب الإعلام وهى تُعيد التأريخ لهذه الحرب وتطمس دوره فيها وتُعلى من أدوار آخرين .. بل إنَّ مبارك حَبَسَه عاماً ونصف (يا عارَنا جميعاً) .. وكأنَّ فى سجون هذا البلد مكاناً محجوزاً دائماً للأنبياء والشرفاء .. حتى فى معركته تلك مع الخِسَّة والنذالة، انتصر الشاذلى بصموده على ظالميه، ولم يخذل حُسنَ ظنِّنا به .. فلم يلتمس عفواً من مبارك .. ولم يَحنِ هامتَه إلا لخالقه .. وكان كعهدنا به جبلاً شامخاً صبوراً عزيزاً أبياً .. وتحمّل بروحه العذبة، وابتسامته التى تختصر روح مصر الضاربة فى عمق الزمان .. تحمّل سفالات ورذالات الصغار وخِسّتهم .. إلى أن صعدت روحه إلى بارئها فى توقيتٍ مدهش (١٠ فبراير ٢٠١١) .. ما أجمل أن تنتهى رحلة العمر دون أن تحنى هامتك ولو مرةً واحدةً رغم طول الرحلة ومشقتها.
وفى اليوم التالى (١١فبراير ٢٠١١) كان الجسد الطاهر يُشَّيَع إلى قبره مصحوباً بدعاء المصريين ومحبتهم .. بينما ظالِمه يُشَّيَعُ مصحوباً بلعنات المصريين هارباً من قصره الرئاسى إلى شرم الشيخ.
فيا حبيب مصر وقرة عينها وبطلها الكبير سيادة الفريق/ سعد الدين الشاذلى .. جزاك اللهُ عن وطنك خير الجزاء .. وسامِحْنا .. ولتهنأ روحك فى سلامٍ بعد رحلة العمر القاسية، فى مكانها الطبيعى مع النبيين والصديقين والشهداء .. وحسُن أولئك رفيقاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.