كتاب وشعراء

الشاعرة السورية فخر هواش تكتب: أن تكون شاعرا!!

أنْ تكونَ شاعراً….؟!
يَعني….
أن تأكلَ روحكَ وتَقِفَ على الهاويةِ
منْ إزدحام الحياة وتسقطَ في قعرِ التِّيه…
وأن تدفنَ أحلامكَ بين كلماتٍ لا تفهمها
وأن تُبدعَ طريقاً آخر يوصلكَ إليك…

أن تكونَ شاعراً….؟!
يعني…..
أن تَتمسكَ بسرابٍ تعلمُ أنه لايُمطر
سوى رصاصاتٍ خلبيةٍ
وأنت بين رصاصتين محشوتين بالقهر ونزفِ الرُّوح..
و أن بكَ لوثةً من جنونِ العشق
لا تتفتحُ ورودها إلا إذا شربتَ دموعَ وَجعكَ…

أن تكونَ شاعراً….؟!
يعني….
أن يمرَّ بكَ الجميعُ ولا يرونَكَ وأنتَ ترى خلاياهم
الجذعيَّة كيف نَبتت….
وأنَّ الغَيمَ سَوفَ يَحملُكَ لتُمطرَ في صَحراءِ ذاتكَ ..
تَروحُ ملءَ العواصفِ باتِّجاهِ النَّوافذِ المفتوحةِ
تَنقرُها كعصفورٍ اعتادَ إلتقاطَ رزقهِ من يدِ طفلٍ….

أن تَكونَ شاعراً….؟
يعني…..
أن ترسمَ نَجواكَ لوحةً تعلِّقها في بهو عمركَ
وتُمضي
الأيامَ بحثاً عنها في قعرِ ذاتكَ..
ويعني أن تعيش غريباً وتموتَ غريباً
ويومَ البعثِ تأتي غريباً…..

أن تكونَ شاعراً….؟
يعني….
أنْ تتركَ للحياة وصيتَّكَ معتذراً
لأنَّكَ لم تعرف كيف تُدَوَّنُ الجراحُ
وكيفَ تُعرَبُ التنهيدة
ويعني أن تموتَ مرتين وتهيبَ بالعطرِ
أن يَتمسَّحَ بشاهدةِ الرِّيحِ في المقبرة …

 

الناقد سيد عفيفي

وقد قام الناقد سيد عفيفي بكتابة ورقة نقدية للنص  ويسعدنا نشرها

الشكل والمضمون.. السطح والعمق.. البنيوية والسيكولوجيا
ورقة نقدية مختصرة مركزة في نص الأديبة/ فخر هواش
تحدثنا سلفا في البحث الخاص بفن الخاطرة والمعنون ب..الخاطرة فيما بعد الحداثة، تحدثنا بإسهاب عن الشكل البنائي المتعدد لفن الخاطرة وعلاقته بالمعالجة الفكرية والشعورية لتيمة الخاطرة، وإذا أسقطنا هذا البحث على الخاطرة التي بين يدينا نجدها تنتمي لشكل الفقرات المنفصلة المتصلة، منفصلة شكلا بتمام واستقلالية الفكرة المطروحة، المتصلة ترابطا بما قبلها وما بعدها، خصوصا أن الكاتبة اعتمدت جملة ارتكاز ثابتة تعتبر مصدر الإشعاع الفكري والشعوري..
أن تكون شاعرا!
ومن البلاغة بمكان سبق المصدر أو التعليل على المُعَلَّل، فلو أخرنا هذه العبارة بعد الفقرة لاشتقام السياق أيضا، لكن سبقه يعد بمثابة قرع للذهن لينتبه مليا أن الكلام التالي على قدر كبير من الأهمية.
كذلك تجب الإشارة إلى أن هذه العبارة.. أن تكون شاعرا، لعبت دور العتبة المتكررة مع كل فقرة، مما يؤيد الرؤية بأن النص على شكل الفقرات المنفصلة المتصلة، وقامت العتبة بدور الرابط كذلك.
ومن ناحية المضمون..
أن تكون شاعرا.. جملة واحدة تتصدر كل فقرة، وهو ما يوحي بأن الكاتبة تنظر إلى مشهد واحد لكن من زوايا متعددة، في الفقرة الأولى نظرت إلى الوجودية في عين الشاعر..
تأكل روحك
تقف على الهاوية
تسقط في قعر التيه، تدفن أحلامك، تبدع طريقا يوصلك إليك
في الفقرة الثانية نظرت من زاوية الشعور،
قهر، نزف، لوثة من جنون العشق، شربت من دموع وجعك.
في الفقرة الثالثة نظرت من زاوية الاستبطان لذات الشاعر وتفريغ محتواه الذهني الذي لا يتشابه مع غير الشعراء، فللشاعر ملَكات وجوانب تفرد لا يشاركه فيها سوى شاعر مثله..
يمر الجميع بك فلا يرونك، في حين أنك ترى خلاياهم الجذعية، وهذا دليل على بصيرة ثاقبة يتميز بها الشاعر
تنقرها كعصفور.. ميزة الرقة والرهف
التقاط رزقه من يد طفل.. إسقاط على النقاء والبراءة
الفقرة الرابعة نظرت من زاوية الغربة والتغريب في مقابل فقدان الوطن، هذا التيه وإن كان مؤلما لكنه ضمانة لإبداع الشاعر
ترسم نجواك لوحة
تعلقها في بهو عمرك وتمضي الايام باحثا عنها في قعر ذاتك
تعيش غريبا.. تموت غريبا .. تبعث غريبا
في الفقرة الأخيرة نظرت من زاوية علوية على كل التفاصيل ثم جاء وقت إصدار الحكم
تعتذر في وصيتك كشاعر إذ لم تستطع بكل ميزاتك وملكاتك أن تعرف كيفية تدوين جراحك وجراح غيرك ممن أعطوك مهمة التعبير بلسانهم، وأنك أيها الشاعر لم تعرف كيف تُعرب التنهيدة، وكان يتوجب عليك أيها الخبير بالنفس واللغة أن تجد طريقة لإعراب العاطفة كما تعرب المفردة، وعلى ذلك فأنت تستحق أن تموت مرتين لا مرة واحدة بعد أن ملكت فلم تحسن التصرف فيما تملك، فمقبرتك شاهدتها على هيئة الريح، وقبرك قصيدة منزوعة العطر.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى