ثقافة وفنون

أشرف الريس يكتُب عن: ذكرى رحيل فريد الأطرش

هو ” مَلِكُ الْعوْد ” و ” موسِيقارُ الأزْمّانْ ” و ” مُطرِبُ العُروبّة ” و ” كَرَوانُ الْفّن الْحَزِين ” و أحَد أعْلَامِ الْفّنْ الَّذِى تَرَك بَصَماتً واضِحَةً فى الْموسِيقَى و الْغِناء الْعَرَبِى ذلِك الموسِيقار و المُطْرِبُ و المُمّثل السورى العِملاق ” فَرِيد فَهْد فَرْحان إِسْماعِيل الأَطْرَش ” الشَّهِير بِفَريد الأَطْرَش و الَّذى يُعّدُ أُسْطورَة القَرْنِ العِشْرِينَ الْموسِيقِيَّة فى الوَطَن الْعَرَبِىّ بِأَكْمَلِه .. ولِدَ فَرِيد الأطرش فى 19 / 10 / 1910م بِجَبَل الدُّروز بلُبنان و يُذكر أن كانَ وَالِدَهُ رجُلّاً وطَنيّاً مِنْ جَبَلِ الْعَرَب فى سورِيا ليس مشهور بكُرهِهِ للاحْتِلاَل الفِرنسى لِبِلاَدِه فحسب بل كان أيضّاً يُشجع و يُعاون كُل مَنْ يَعْمَلُ ضِدِّه أَمَّا وَالِدَتَه فَكانَت الأَمِيرَة ” عَلْياء حُسَيْن المُنذر ” تلك المُطربة ذَات صَوْت الجَمِيل و الجَيَّاش و يُذكر أن عانَى فَرِيد كثيرّاً مِن حِرمان رُؤْيَة والِدِه و مِن اضْطِرارِهِ التَنّقُل و السَّفَر مُنذُ طُفولَتِه مِن سُورِيا إلَى الْقَاهِرَةِ مَع والِدَتَه هربّاً مِن الفَرَنْسِيِّين المُعتزمين اعْتِقالِه و عائِلَتِه إنتقامّاً لوطنية وَالِدهُم فَهْدٌ الأَطْرَش الَّذِى قَاتلَ ضِدّ ظُلَم الفَرَنْسِيِّين فى جَبَل الدُّرُوز بسوريا و عاش فَرِيد حين وصوله الْقاهِرَة فى حُجرتين صَغِيرَتَيْن مَع والِدَتَه عَلْياء و شَقِيقَةٌ فُؤَاد و أمال الَّتِى أَضْحَت فِيما بَعْد مُطربة شَهِيرَةٌ بِاسْم ” آسمهان ” و الْتّحَق بِإِحْدَى الْمَدارِس الفِرنسيّة بحى الخُرنفِش إلى أن جاء يوم ليزور الْمَدْرَسَة الفَنَّان الإنجليزى ” هنرى هوواين ” فَأَعْجَب بِغِناء فَرِيد و راح الْأَخِير يَشِيد بعائلة الأَطْرَش الوطنيّة و نِضالها ضد المُستّعمِر الفِرنسى أمامَهُ و استَمَعَ أَحَدِ الْأساتِذَة الفرنسيين بتلك الإشادة فأبْلَغَ مُدير المَدرسَة ليَتِمَ طَرْدُه عَلَى الْفَوْرِ فيلتحَق بَعْدَها بِمَدْرَسَة البَطْرِيَرْكيَّة لِلرُّوم الكاثوليك و بَعْدَ أَنْ أَكْمَلَ دِراسَتَهُ الْتّحَق بمعهد الْموسِيقَى و إلَى جانِبِ الْمَعْهَد عَمِلَ فى مَحَلّ مانيفاتورا لِبَيْع القُماش ! مِنْ أَجْلِ إِعالَةُ الأُسْرَةِ و بَعْدَ عامٍ بَدأ بالتّفتيش عَن نَوافِذ فَنِيَّة يَنْطَلِق مِنْها حَتَّى الْتَقَى بالمُطرب ” إِبْرَاهِيم حَمُّودَة ” الَّذِى طَلَبَ مِنْهُ الِانْضِمامَ إلَى فَرَّقَتْه للعزف عَلَى آلِهِ العودِ ليتعرّف مِن خِلالها عَلَى الفنانة ” بَدِيعَةٌ مصابنى ” الَّتِى أَلْحَقَتْه مَعَ مَجْموعَةٍ المُغّنيين و نَجَح بَعْد جُهدٍ جَهِيد فى إقناعها بِأَن يَغْنَى بمُفرده و لَكِنَّ عَمَلَهُ هَذا لَمْ يَكُنْ يَدِر عَلَيْهِ الْمالَ الكافى فَبَدأ فى تَسْجِيل أغنياته المُسْتَقلة مِثْل ” يا ريتنى طَيْر لأطير حواليك ” و ” يا حُب مِنْ غَيْرِ أَمَل .. يُذكر أن اتَّجَه فَرِيد الأَطْرَش بَعْدَ ذلِكَ للسينما و مِثْل فى 31 فيلمّاً سينمائيّاً كان بطلها جميعّاً و قَدْ تَمَّ إنْتاج هَذِه الأفلام فى الْفَتْرَة المُمْتدّة منْ عَامٍ 1941م حَتَّى عام 1975م و يُعّدُ أَشْهر الأفلام عَلَى الْإِطْلَاقِ و الَّذِى جَنَى أرباحّاً طائِلَة فِيلْمه ” حَبيبُ العُمْر ” أَمَّا فِيلْم ” عَهْد الْهَوَى ” المُقْتَبس عَن ” أَلِكْسَنْدر توماس الصَّغِير ” عَن رِوايَتِه غادَة الكاميليا فَكان الفِيلْم الَّذِى تَرَك أثرّاً كبيرّاً فى ذِهْن الْجُمْهور و كانَ أيضّاً السَّبَبَ الرئيسى لشُهرة فَرِيد سينمائيّاً أَمَّا فِيلْم ” وَدّعَت حُبك ” و هو الفِيلم الَّذِى آثار ضَجَّة كَبِيرَة بعد عَرضِه و ذلِك بِسَبَب وَفاة البَطَل فى النِّهايّة بَعدما لَم يَقْنَع المُتفرجين سِوَى بخُروج فَرِيد فاتحّاً السَّتَّار لَيَقُول لهُم ” ها أَنا ذا لَمْ أَمِت ” ! و لَا ننسى فِيلْم ” رِسالَةً مِنْ امْرَأَةٍ مَجْهُولَةً ” و كَم تَقاطَعَتْ الأَحْداثِ مَعَ قِصَّة حَياة الموسِيَقار الْكَبِير فَرِيد الأَطْرَش و يُعّد هَذا الفِيلْم تحولّاً كبيرّاً فِى حَياة الفنانّة الَّتِى شارَكَتْه بِطولِة الفِيلْم ” لُبْنَى عَبْدِ الْعَزِيزِ ” مِن مُذيعة فى البَرْنامَج الأوروبى لمُمّثِلة سينمائيّة واعِدَة و مِنْ أَشْهَرِ أفلامه الْأُخْرَى ” أَحْلَام الشَّباب ” و ” شَهْر عَسل ” و ” مَقدرش ” و ” حَبِيب العُمر ” و ” بُلبل أفندى ” و ” عِفْرِيتَة هانِم ” و ” آخَر كِدبة ” و ” تَعالَى سَلِم ” و ” ماتقولش لِحَدّ ” و ” عائِز أتجوز ” و ” رِسَالَة غَرام ” و ” لَحْن الْخُلود ” و ” ماليش غَيْرِك ” و ” نَغَم فى حياتى ” و الآخير يُعد آخِر أفلامه .. اُشْتُهِر فَرِيد بِأَغانيه الْهادِيَة الْجَمِيلَة الَّتِى كانَ يَقومُ بتّلحينها و يُغنيها أيضّاً سَواء كانَتْ فى أفلامه أَوْ خارِجَها و مِنْ أشْهَرِها عَلَى سَبِيلِ الْمِثالِ ” أَنا و أنْتا لوحدنا ” و ” جَمِيل جَمال ” و ” الْحَياة حلْوَة ” و ” ماقلى و قولتله ” و ” حَبِيب العُمر ” و ” شاطِئ الحُب ” و ” مانحرمش العُمر مِنْك ” و ” زِينَة ” و ” ياحَبيبى طال غيابك ” و ” أَنا و أَنْت و لاحَد تالتنا ” و ” ياجَميل ياجَميل ” و ” لَا وَ عينيكى ” و ” عَيْش أَنْت ” و ” قَلْبِى و مُفتاحُه ” و ” لّكتِب ع أَوْراقِ الشَّجَرِ ” و ” زَمان ياحُب ” و ” دقوا المَزاهِر ” و ” يأْبو ضَحِكه جِنان ” و ” ياويلى مِن حُبه ياويلى ” و ” مَش كِفايَة ” و ” نُورا ” و ” ياقلبى يامَجروح ” بِالْإِضافَة لرائعتيه الخالِدتين ” أَوَّل هّمْسَة ” و ” الرَّبِيع ” و ذلك علاوة على تّلحين فَرِيد أغانى لعَددٍ مِن المُطربين و المُطربات كان أَشْهَرهُم ” فَتَحِيَّة أَحْمَد ” و ” نور الهُدى ” و ” سُعاد مُحَمَّد ” و ” نَجاة عَلَى ” و ” رَجاء عَلَى ” و ” صَباح ” و ” فايِزَة أَحْمَد ” و ” كَمال حُسنى ” و ” وَرَدَّه ” و ” شادِيَة ” و ” عادِل مأْمون ” و ” شَهْرَزاد ” و ” مُحرم فؤاد ” و ” شَرِيفَة فاضِل ” و ” فَهْدٌ بَلَّان ” و ” مُحَمَّد رُشدى ” و ” مَها صبرى ” و ” عَبْد اللَّطِيفِ التلبانى ” و ” نازك ” و ” طَروب ” .. يُذكر كذلك أن تَرَك أو على الأصح ” هَرَب ” فَرِيد مِنْ مِصْرَ لعِدَّةَ سَنَواتٍ و سافَرَ إلَى لُبْنان بِسَبَب حَجَز مَصْلَحَة الضَّرائِب عَلَيْه ! ثُم عاد مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ تصالُح الْمَصْلَحَة مَعَه بِأُغْنِيَّة ” يَوْم و يَوْمَيْن سنَّة و سَنَتَيْن “ و الحق يُقال أن فريد قد عَرِفَ عادات جَمِيلَة و عادات غَيْر مُستّحبة حيثُ كان عِشْقُه لِلَّعِب القِمار شَيئّاً مِنْ تِلْكَ الْعاداتِ السَّيِّئَةِ بعدما أَدْمَنَ عَلَى لَعِب الْوَرِق حَتَّى عَوّدَ نَفْسِهِ عَلَى الْإِقْلَاعِ عَنْهُ بِصُعُوبَة ! و السَّبَب الرئيسى فى إدمانِه لَعِب الْوَرِق هو مَوْت شَقِيقَتُه أسْمَهان فَذات يَوْم حيثُ كانَ فى مَيْدَان سِباقِ الْخَيْلِ و راهِن عَلَى حِصان و كَسَب الْجائِزَة و عَلِم فى الوَقْتِ نَفْسِهِ بِوفاة أُخْتُه أسمهان فى حادِثٌ سَيّارَة فَتَرك مَوْت أُخْته أثرّاً عَميقّاً فى قَلْبِهِ و خُيلَ إلَيْهِ أَنْ المُقامَرة المُتَواصِلَة سَتُنسيه ! لَكِنْ بَعْدَ فَتْرَةً طَويلَةً ! تأَكَّدَ مِنَ أَنَّ عِلَاجُه الْوَحِيد هوَ الْعَمَل و بَيْنَما كان يَكِدَ فى عَمَلِه فإذ به يسَقُط فَجْأَة عَلَى الْأَرْضِ فاقدّاً للوعى و اسْتَطَاع الْأَطِبَّاءِ أَنَّ ينقذوه و طَلَبوا مِنْهُ الِامْتِناع عَنْ الْحَرَكَةِ لِمُدَّة أُسْبُوع و لَكِن فى اللَّيْلَة نَفْسِها أَرادَ الدُّخولَ إلَى الْحَمَّامِ فَضَرَب بِنَصائِح الأَطِبَّاء عُرْضَ الْحائِطِ فَكانَت السَّقْطَة الثَّانِيَةِ لَهُ وَ كأَنَّها حَدَثَتْ لتُحَرِكَ قَلْبِهِ مِنْ جَدِيدٍ و تُسْتَرَدّ لَهُ الْحَياةُ ليَطَلَبَ مِنْهُ الْأَطِبَّاء الرَّاحَة و الرَّحْمَة لِنَفْسِهِ لِأَنَّ قَلْبَهُ يَتَرَبَّصُ بِهِ لَكِنَّه أَبِى ! و هَكَذَا بَعْدَ كُلِّ ما ذاقَهُ مِنْ تَجارِبِ و ما صادَفَ مِنْ عَقبات عَرِفَ حَقِيقَة لايَتَطّرَق إلَيْها شَك و هى الْمَوْتِ و هو ماتجسّد فى النِّهايّة بِوفَاتِه بمُستشفى ” الْحائِك ” فى بَيْروت إثَر أَزْمَةٍ قَلْبِيَّةٍ فى 26 / 12 / 1974م عَن عُمرِ ناهَز عَلَى الـ 64 عامّاً ليتَمّ نَقَل جُثمانِه إلَى مِصْرَ بَعْدَ أَنْ طَلَبَ فى وَصِيَّتُه أَن يُدفن بِها وَ جديرٌ بِالذِّكْر أَن فَرِيد قَبْلَ وَفَاتِهِ قَدْ تَأَكَّدَ أَن لَحْظَة رَحِيلِه قَد حانَت ( طبقّاً لما ذَكَرَهُ الصَحفى نَعيم المأمون فى مَجلة الشبكة اللُبنانيّة ) بَعْدَما تَعَرَّض لمَوقفين كانَ الْأَوَّلُ حِينَما حَلِمَ بوالدته السَّيدَة عَلْياء الْمُنْذِر ترتدى لَوْن السَّواد و هى تَحتّضِنه فى الْمَنامِ و أَيْقَن وَقْتِها أَنْ ساعَة رَحِيلِه قَدْ اقْتَرَبَتْ بِشِدَّة أَمَّا المَوقف الثَّانى حِينَما ضاعَ مِنْهُ المُصحّف الذَهبى الصَّغِير الَّذِى أَهْدَتْه لَه الفنانّة « سامِيَة جَمال » و الَّتِى كان يَعشقها حَتَّى الثُمالَة بَعْدَما ظّلَ المُصحّف مَعَه لمُدّة 25 عامّاً بجيبِ بِنطالِهِ لَا يُفارقَهُ مُطْلقّاً ! فَكان يُشْعِر بِأَنَّهُ يُعطيهِ قوَّة جُبّارَة حَتَّى ضاعَ مِنْهُ خِلَال تَمْثِيلِ آخَر أفلامه « نَغَم فى حياتى » و مِنْ وَقْتِ ضَياعِهِ و هو يشْعِر بِنِهايّةِ أَجَلِه حَتَّى رَحَل عن دُنيانا جَسدّاً فَقَطْ لِأَنَّ الفَنَّان الْأَصِيل مِثْل البَذْرَة الطَّيِّبَة لَا يُنْتَهَى عِنْدَما يوسد التُّراب بَل سُرعان مايُخرج فُروعّاً يانِعَة إلَى الْوجودِ و الفُروَع هى أعْمالَهُ الَّتِى لاتُدفَنَ مَعَهُ وَ لاتَموت بِمَوْتِهِ و لاتَنتهى بنِهايِتِهِ مُطلقّاً .. رَحِم اللهُ موسيقارنا الْكَبِير فَرِيد الأطْرَش و تَجاوَزَ عَنْ سَيِّئاتِهِ و أسْكَنَه فَسيحَ جَنَّاتِهِ .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى