غير مصنفكتاب وشعراء

قراءة نقدية لقصة (الفصل الأخير لحسّان )للأديب: حميد محمد الهاشم/ العراق. بقلم الأديبة: فوزية الكوراني/ سوريا

قراءة نقدية جديدة من إضاءات نقدية … .

النص بعنوان

” الفصل الأخير لحسّان”
في اللحظة تلك، تلك التي لا تطيق الوصف ولا الوصف يطيقها ، وقعت عيناي عليها، كنت مرمياً على ظهري ، أوجاع الندوب تصرخ في قفاي ، اختلط ما رأته عيناي مع صراخها، بعض الدماء تلطخ أنفي ، وما زالت بعض فقاعاته الساخنة تقرقر من فمي، كدمة قوية جعلت حاجبي يهبط منتفخا على عيني اليسرى ، بينما رفعتُ يدي مرتعشة لتمسح دمي؛ دون ارادتي التفتُ مائلا برأسي الملقى على الأرض ، حينها شاهدتها.
نعم، هي..هي.
الزنزانة رطبة الجدران ،والبلاط مغبر وبارد ، لا أعرف كيف استطعت أن أغفو في التفاتتي،في تساؤلي وفحيح أوجاعي ،أطبقتُ عيني بهدوء؛ لأدخل في نصف غيبوبة.
قبل خمسة عشر عاما كنت قد قرأت ” الجراح والملح” ، كي أكون صادقا ؛ قرأت فصلين فقط . أخذتني إلى الجراح ولم تُعِدني منها. لا ملح أبداً أخَذَتْني إليه، الحق أقول أنني لم أصل إلى طينهِ ،فيما بعد عرفتُ أن آخر فصل هو من سيتحول فيه الطين إلى الملح. وفي العشر صفحات ما قبل الأخير يكون الجرح قد توسط ما بين الطين وما سيؤول إليه.لم أكمل إلاّ فصلين، إذ جيء بجثمان صديقي من حرب حصلتْ عبثا أو سهوا.
مقطوع الساقين، وشظية أو حزمة شظايا غُرِستْ في أحشائه.
فأيّ جرح وأيّ ملح سأقرأ، ركلتُ الرواية بقدمي وتناثرت كل الفصول.
الحلم أحيانا يخدم جلالة الذات ، ينتفخ كإمرأة حبلى ، والوليد لا يعرف متى يغادر مشيمة الوهم، ربما شهور، ربماسنوات ، ربما تتغير الحياة فلا نوراً يرى،فيظل المرء يحمل ذاتا مكّورة تحمل جنينا لا يريد أن يأتي ، أو يريد لكنه لا يستطيع.
_ “ماذا تقول يا حسّان..بالله عليك كُفّ عن هذا الهراء ، في الجامعة كنت تهذي، نحن في الجيش الآن ،الجيش لا يناسبه هذا الهذيان ، أيامنا مثل البارود ، لا ندري متى تنفجر فينا أو علينا.”
أنا حسّان بالطبع ،وهذا صديقي ،يلسع وعيي بنصائحه البالغة الرشد.
_ “هل عدتَ الى هذه الرواية…ألم تقل إنك تكرهها،منذ إن جِيء بصديقك مقطوع الساقين ، فكيف عدت لهذا الهراء مرة أخرى.”
في شتاء قارس البرد ومجنون المطر ، طفحتْ بالماء حفرتي_ خندقي العسكري _ المحشور فيها ، طفتْ أوراقها أمامي، كنتُ قد أكملت نصف جراحها وملحها، لملمتها ووضعتها قُبالتي على الطين ،على حافة الموقع،قرب فوهة بندقيتي،و التي كانت برفقتي في ذلك الفجر ،مرة أنظر إلى فوهة القتل، ومرة أنظر إلى الأوراق المسجاة ،تغطيهما السكينة الباردة المبللة.
فوهة وأوراق متجاورتان معا.
كنتُ قد تناسيتُ كراهيتي.
هكذا، إني تناسيت، فالتهمتُ نصفها قبل المطر، وبعد المطر كنت عازما أن أصل إلى خاتمتها، خاتمتها فيّ، أو خاتمتي فيها.
وشُيتُ بهذا من قبل مُخبر سريّ،” حسان يترك البندقية وينشغل بالملح”.
_ ” سيدي هذا كذب.. أصلا أنني أكرهها..لكن الفراغ….”.
قلتُ هذا لضابط التحقيق.
أي فراغ هذا؟!
الفراغ كان كاملا ليومين في سجن الوحدة العسكرية، ” هَدْنِي بّلاش”.
لكن تُمَنعُ إجازته لثلاثين يوما.
أووففف.
مرة أخرى ركلتها، ومرة أخرى سحقتها بقدمي، حتى دفنتها في الطين، حتى كأني أسمع أنين أبطالها.
تجاوزتْ الوشاية الأولى سنتها الخامسة ، ليدخلني مُخبر آخر وشاية ثانية. وشاية مدنية، أنا بأنفي وفمي وحاجب عيني وخرائط ظهري شيء من تفاصيلها الآن.
حسان _ والذي للأسف هو أنا _ قال مرة:
أن رأس الأمة حين يعشعشُ فيه قمل الجبروت ،فان تلك الأمة لن تكون لها أقدام قادرة على السير بها..وعاجلا أو آجلاً، أنها ستفقد رأسها وأقدامها معا ،ولن يبقى إلاّ القمل.
لا أتذكر أن هذه الكلمات لي، لكنها وضُعِتْ لي.. أو ربما من هذيان لي لم يكن في خلوة لي،والتي أحياناً تلتهبُ فيها قريحتي.
خرائط قفاي أيقظتني، بألم ونعاس عيناي تنفتحان ، أنسللتُ من قيلولة الإغماء الاضطراري.
يختلط الأنين لعشرة من سكان هذه الزنزانة الموبوءة بتلك الجراح مع نظراتهم لي.
زحفتُ صوب الزاوية ،العشرة مع أناتهم يحدقون، ، عيونهم تتساءلُ عن مقصد زحفي، ” ماذا يفعل هذا المعتقل الأحمق”.
اقتربتُ منها..، هي..هي..!!
آخر فصل لم يكتمل.
كيف جاءت هذه الرواية إلى هنا ؟!
لا تفسير أقنعني أو سيقنعني بوجود هذا الصديق والعدو في زنزانتي هذه،
ولا تفسير أقنعني أو سيقنعني، لماذا هذه تلاحقني ؟! أم أنني الذي ألآحقها ؟
مليئة هذه المرة ببقع صفراء ،وبثور سوداء، قضت الجرذان والفئران وربما المعتقلون حاجتهم على أوراق صديقتي المزمنة.
كل ما في الزنزانة اللعينة من اللعنة واللعناء منشدّين نحوي.
دهشة..أرتياب.. علامات استفهام ، بينما رحتُ أتلمس وأقلّب بهدوء تلك الأوراق مع خرائها، وبيدي الأخرى المرتعشة أكرف الدم المتجمد بين أنفي وفمي،ممزوجاً بمخاط أولعاب معه، وكأنني أتهيأ لإتخاذ قرار ما.
ماالحكمة من بدايةٍ تبدأ من الطين،ثم الملح،ثم الجرح، لتنتهِ إلى القمل والخراء؟!
لابد أن أعرف.. أن أعرف ما تبقى. ضحكتُ مع نفسي وأنا أسمع نفسي:” الوقت مناسبٌ جداً لإكمال الفصل الأخير.”
حميد محمد الهاشم /العراق

القراءة بقلم الأستاذة فوزية الكوراني :

تحكي قصتنا جانب من صراعات الكاتب و هلوسات ما يعانيه جندي في ثكنة عسكرية، يعود دوما لها، يختلط الوعي باللاوعي، ويدور حوار ومونولوج داخلي بين شخصية الكاتب والجندي، فالرواية تحاصره بفصولها، عذاباته لم تنتهي و يحاول دوما الخروج من دوامة الحرب والخوف فكيف سيفلح، وكل ما حوله يشي بالموت والعجز صديق فقد ساقيه، يستيقظ مرة أخرى ليجد نفسه بزنزانة، و الجميع يحدق به، وأوراق الرواية جاثمة أمامه، ربما أراد الكاتب أن يصور وجه الحرب المعتم .. وكيف يكون للحرب وجه مضيء، للأسف ربما كانت مجرد ذكريات تعشعش بمخيلته منذ أن ترك أرض المعركة أو زنزانة تعفن فيها الدم والعرق و اختلط بمخلفات المساجين، هو لم يخرج من خياله ويحاول أن يدون الفصل الأخير لعله يستدل على باب الخروج، و يشفى من معاناته التي ستنتهي ما إن يكتب الفصل الأخير..

#التقنية

#الشخصية المركزية..

#الشخصية الثانوية..

#الزمنكية..

#الدراماتيكية..

#العتبات النصية..

#الانزياح الدلالي..

#الحبكة..

#الخاتمة..

الشخصية المركزية هي الشخصية التي تدور حولها أحداث القصة وهو بطل النص؛ االشخصية المركزية هي الشخصية التي تدور حولها أحداث القصة وهو بطل النص؛ الذي كان بمثابة تأثيث للنسيج القصصي.
الشخصية الثانوية جاءت هامشية: هي شخصية ظهرت قليلاً في القصة ولذلك قد لا تلفت نظر القارئ..
وأيضًا قد تربك القارئ؛ هي شخصية الصديق إذ تعلل البطل بانقطاعة عن الرواية بدخلولها .. ودمج الزمنكية بالحاضر والماضي..
فدفع ضيق المكان والزمان في سرده إلى الاعتماد في الأسلوب على التركيز والتكثيف والإيحاء فلا مجال هنا للتفاصيل والأوصاف
لكل أحداث الرواية التي كان يقراها في الماضي
فكانت أحداث الحاضر وتسلسل الاحداث مثل: الفلاش باك يختار الحدث الذي يريد تقديمه أو تأخيره لزوم التشويق ..
“الدراماتيكية”
إذ نجح الكاتب بإثارة عنصر التشويق لدى القارئ وهذا مهم جدا غير أن التنقل بين الماضي المعني به الرواية، وزمان قرأتها والحاضر الذي يعيشه أشبه بالماضي أضاف اللاوعي عنده بالاندماج بينهم وتبين أن عتبات النص هي جملة من الوحدات الأيقونية واللغوية والإشارية والرموز، المشكلة للخطاب عند الكاتب والمحاورة لأفق انتظار القارئ وإثارة اهتمامه للأحداث
“العتبات النصية”
وتعتبر المرفقات النصية المحيطة بالنص كالزنزانة مفاتيح أساسية لتجعل القارئ يستخدمها لسبر أغوار النص العميقة، وقصد استنطاقها وتأويلها، لتتكون لدية جهوزية الأحداث كاملة:
أي المداخل التي تتخلل النص من شرح البطل لمعاناته القديمة في الحرب ودمجها في معناته في الزنزانة، وتكمله وتتمّمه. فالعتبات تعتبر بمثابة البوابة الرئيسية للدخول قرائيا وإدراك مواطن الجمال فيها.
“الانزياح الدلالي ”
قام بإفراد الزنزانة بجعلها مسرحا للمتن وجاءت على هيئة تشبيهات بلاغية بتصوريها: القمل ..الخرائط.. الجرزان.. الدم المتعفن..
الحبكة
كانت الحبكة نازلة: بمعنى أن البطل واجه عدة اخفاقات اطاحت به حتى آخر النص..

الخاتمة الفانطاستيكية:
رؤية امتساخية سوداوية، تعبر عن انحطاط الإنسان كينونيا، وانبطاحه وجوديا في زنزانة وتشبيه الآلام بالخرائط “الأرض”
ويتطلع لنفسه، لم يعرف سر وجوده بين الملح والطين! ولا من يكون؟.الأشكال حوله لا شكل لها..
كلها اجساد مدونه بخرائط تعذيبة.

فوزية الكوراني/ سورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى