كتاب وشعراء

قصة قصيرة (سكة سفر ) بقلم الكاتبة سمية جمعة /سوريا

سكة سفر

كان السوادُ يغلفُ المكانَ كما يغلف القلوبَ، تحركتِ الحافلةُ، ببطءٍ شديدٍ لكثرة ما حملَتْ من أجساد بشريةٍ، الضجيجُ يعلو، صوت الأطفال يعج بالمكان، احتشدَ الناسُ في مكان واحد، رغمَ أنهم لا يعرفونَ بعضهم، فقد كانَ قرارُ الخروج صعباً من البلدة التي ضمَّتْ طفولتَهم وأحلامهم، ولكنَّ قسوةَ البقاء أشدُّ قسوة. لفّتْ جراحَها… حاولتْ أن تغمضَ عينيها، وإذا بصوت من بعيد ينادي:
– آنسةُ سمر تعالي إلى هنا.
لم تستطع تمييزَ ذاكَ الوجه الذي ابتسمَ لها معبِّراً عن فرحه بوجودها، رغمَ ظُلمةِ المكان.
إلَّا أنَّ إشراقَ ذاكَ الوجه بدَّدَ كلَّ سواد. هنا أسرعتِ الحافلةُ وتدافعَ الناسُ، ولم تكن لهم وجهةَ محددة… كلٌّ يريد الثباتَ. مضى الوقتُ بطيئاً. أنزلتْ حقيبتها من على ظهرها لتريحَ نفسَها. تقدَّمَ منها أحمدٌ، وأخيراً تذكرتهُ.
أحمد هوَ الوجهُ الذي كانت تحبُّهُ، كانَ يجلسُ في الصف الأمامي، نشاطهُ كانَ يلفتُ انتباهها، إلى أن جاءها يوماً، طلبتْ منه أن يحضرَ أهله من أجل التكريم. هنا دمعت عيناهُ.
– “ستحضرُ أمي.” قال بحرقةٍ.
-” لا عليكَ.” ردت عليه.
حاولتْ في تلك الثواني استرجاعَ الماضي، وأحمد لا يزالُ محدِّقاً فيها. لم تصدقْ أنهُ كبرَ، وبدأ يعبِّرُ عن مشاعرهِ. جلستْ بحواره، وصارتْ تسأل عن أحواله.
تراءتْ لهُ صورةُ أمهِ بابتسامتها العريضة، كانَ يحملُ الابتسامةَ نفسَها، حتى النظرةَ نفسَها… بدأتِ الشمسُ بالشروق، بعد ليل طويل مضى وهما على الحافلة. كانتِ الصحراء بكل اتساعها، قد ضاقَ بها المكانُ… نزلت للاستراحة، ونزلَ معها. جلبَ لها كأسَاً من الشاي، فقالتْ:
– أَنسيتَ يا أحمد أني أحبُّ القهوةَ؟ أنسيتَ جلساتنا مع أمك؟ كم كانت شهيةً تلك القهوة! رائحتُها تطيب الروحُ بها، وتضفي على المكان الفرحَ والسرور.
تبسم قائلا:
– ربما تغيرتْ عاداتُكِ بمرور الوقت.
ردَّتْ عليه:
-” يا بُـنَـيَّ… الأشياءُ التي نحبُّها تبقى عالقةً بذات المكان وأهله، القهوةُ سحرُ الوقت تلازمني، تثيرُ الحرفَ في نبضي.”
هنا تنهَّدَ أحمد قائلاً:
– “يا آنستي، أعدتِ لي أمي التي غابتْ عني ولم تغبْ عيناها، ترافقني في كلِّ خطوة.”
اجابتْ:
– “احكِ لي كيف ماتت؟”
– “وجودي خارجَ البلدة قطعَ أخبارها عني.”
هنا دمعتْ عيناهُ… وبكى.
– “آسفةٌ يا بُـنَـيَّ.”
– “لا …لا… أحبُّ أن أتحدثَ عنها لمنْ كانتْ قريبةً منها، في ليلةٍ ليلاءَ، كانُ الهدوء يعمُّ المكان، انقطعتِ الكهرباء، تكوَّمنا جميعاً في زاوية واحدة، أنتِ تعرفينَ أننا نسكنُ في طرف البلدة، حيثُ لا وجودَ إلا لقلةٍ من الناس.”
أكملَ حديثه:
-“في لحظة شعرنا بضجةٍ خارج البيت، أمي أول الأمر لم تستطع أن تخرجَ. خبَّأتْـنا كلَّنا في غرفة واحدة. ثم تشجعت وخرجتْ لتستطلعُ الأمرَ. فجأةً سمعنا صرخةً هزَّتِ المكانَ، لم نستطعِ مغادرة مخبئنا، إلى أن لاحَ الفجرُ. فتحنا بابَ الغرفةِ فإذا بأمي متكومةٌ عندَ عتبة البيت تسبحُ في دمها، والبيتُ كلهُ في فوضى. الخزانةُ التي كانت تحتوي النقودَ قد فُـتِّشَـتْ، ولم نجد شيئاً بداخلها، ماتتْ أمي.”
قالها بغصةٍ وكأنه يستحضرُ الموقفَ…أمسكتْ سمر منديلاً، مسحتْ دموعَهُ. حاولتْ بكل عاطفتها أن تضمَّـهُ لصدرها وهي التي لم تعتد أن تكونَ عاطفيةً لهذه الدرجة، لكنَّ مشاعرَ الأمومة المكبوتة قد تحركتْ داخلها، سألتهُ:
– “والآنَ ما هو وضعُكَ؟”
– “أنا أدرسُ الطبَّ كما وعدتُ أمي، لكنَّ الحربَ الشنيعةَ قد غيَّرتْ كلَّ أهدافي.”
– “حقاً، لم أسألكَ عن والدك؟”
ضحكَ قائلاً:
– “والدي الغائبُ دائماً، حضورهُ الذي أربكَ كل حياتي، فقد تزوَّجَ وأصرَّ أن نعيشَ معه. أختي ريم أصبحتْ خادمةً لزوجته وأولاده. أخي الأصغرُ صار يعملُ لتلبية طلبات أولادها. أنا الوحيدُ الذي نجوتُ من ظلمها بحكم انقطاعي عنها للدراسة.”
نادتهُ سمرُ بكلّ حبٍّ.
– “أحمد، يا بُـنَـيَّ عليكَ أن تكملَ ما بدأتَ.”
– “وأنتِ يا آنستي؟”
– “ماذا يا بُـنَـيَّ؟”
– “ماذا فعلتْ بكِ الحياةُ؟”
بسرعةٍ غريبةٍ التفتتْ، حين فاجأها صوت متردد خلف ظهرها مألوف لديها.
– “آنسة سمر؟”.
استغرقت سمر لحظة لتدرك أن الصوت هو لصديقها المفقود منذ سنوات.
– “عمر؟” قالت بدهشة وهي تستدير لتواجه من اشتاقت لرؤيته.
“- نعم، أنا هو.” أجاب بابتسامة واسعة.
بدت عيناه ممتلئتين بالحنين والشوق. فقررت سمر أن تجازف وتطرح السؤال الذي طالما كان يثقل قلبها:
– “لماذا غبت كل هذا العمر دون سابق انذار؟”
– “أعتذر، لقد كانت موانع قاهرة. هذه طفلتي.”
-” يا أللّٰهُ كم الدنيا صغيرة! أتعرفين؟ لقد كنت أحاول الاتصال بك لمدة طويلة، لأخبرك أنكِ إن قبلت لن تكوني وحيدة بعد الآن. لديكِ عائلة تنتظر لترحب بكِ مرة أخرى في حياتنا.”
احمرَّ وجهها وأشاحت بوجهها، كانَ أحمد يقرأُ كلَّ تفاصيلها، يستكشفُ عذابَ عمرٍ أمضته في انتظار هذا الماثل أمامه. لعله كان يقول في نفسه متعجبا:
– “يا لوفاء هذه السيدة!”

سمية جمعة//سورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى