غير مصنفكتاب وشعراء

قراءة نقدية تطبيقية في قصة “سعيديتو” للقاص المغربي حسن أجبوه

قراءة نقدية تطبيقية في قصة “سعيديتو” للقاص المغربي حسن أجبوه
تحت عنوان: تقنيات كتابة القصة القصيرة بين السرد العمودي والاستحضار الأفقي.
بقلم: خالد بوزيان موساوي/ ناقد مغربي
1 ـ الكاتب: حسن أجبوه إطار تربوي مغربي شاعر وقاص وروائي. له حضور وازن على الساحة الأدبية العربية، وتواجد مُلفِت وإيجابي على قنوات التواصل الاجتماعي، وعلى ثقافيات العديد من المنابر الإعلامية الورقية والالكترونية.
2 ـ سينوبسيس قصة “سعيديتو”:
تمت صياغة “سعيديتو” عنوانا ، أي عتبة للنص، بتذييل إسم “سعيد” ببنية تصغيرأجنبية (إيطالية حسب اعتقادي) خارجة عن أوزان التصغير في اللغة العربية (“فُعَيل/ فُعَيعل/ فُعيعيل) بهدف إعطاء انطباع أولي يفيد الغرابة/ التّغريب، وربما أيضا شحنة من الهزل ستتحول عبر ربوع النص إلى كوميديا سوداء. “سعيد” (سعيديتو) بطل (لا- بطل) هذه القصة القصيرة إسم لا يدل على مُسمّاه؛ الشقاء حليفه الخائن في كل منعطف من منعطفات حياته تحت مُسَمّى الفَقْد. فهُوَ فاقد لمقومات الهوية باعتباره لقيطا عاش طفولته في جمعية خيرية. وهو فاقد للذاكرة إثر صدمة نتجت عن تلقيه ضربة على الرأس. وهو فاقد لخاصية الذكورة المتمثلة في القدرة على الانجاب لانه عاقر. وهو فاقد للإرادة بعد إدمانه للمخدرات. وهو أخيرا فاقد للأمل بعدما أُغلِقَت أمامه آفاق العودة للتمثيل في أفلام عالمية، ومن ثَمّ بعيد عن بحبوحة العيش الكريم. ومن هنا الاسم “سعيديتو” الذي يحيلنا على جنس “الميلودراما”/ أي إقحام الكوميديا في صميم التراجيديا.
3 ـ بناء النص:
أ ـ ظاهرة تعدد الأصوات وزوايا “التبئير”: اعتمد القاص حسن أجبوه منذ وضعية الانطلاق (situation initiale) تقنية تعدُّد الاصوات المُقحمَة في المشهد الدرامي: “يستفيق على أصوات متفرقة”‘، ومن ثم ثلاث مرجعيات وَوُجهات نظر مختلفة لتبين خلفيات وتداعيات مشهد بطله مُمَدّد على سرير يفتح عينيه ليرى من حوله “رجالا بجلابيب بيضاء وعمائم، ونسوة منقبات بلون أسود…”. خلفيات خطاب متعدد الأصوات يحيل على نظرية ‘التبئير” (focalisation)لَدى جرارد جونيت؛ “تبئير درجة الصفر” ويمثله الكاتب أو السارد الرئيس بضمير “هو” الغائب عن دينامية الأحداث، يكتفي بسردها بشكل “موضوعي” ولا يشارك كشخصية كما في قصص السيرة الذاتية(“لا يدري من هو…”)؛ و”تبئير داخلي” يغيب فيه الضمير المتكلم بصيغة “انا”، عدا عبارة (صرخة تُشكّل ما يُشبِه اللازمة على طول القصة) استعطاف واستنجاد “اين انت يا سكالوني؟ أين وعدك لي؟” (يقصد أحد المخرجين السينمائيين العالميين – ربما إيطالي من خلال الاسم ” سكالوني” او التحية ” برونطو سعيديتو! ” (وهو شخصية افتراضية في القصة). وبعض الردود مثل ” ام اولادي؟ أنّى لي بالعيال وانا عقيم؟”… تغييب شبه تام ل ” التبئير الداخلي” (أي السرد بضمير المتكلم “أنا”) يُحْسَب للقاص حسن أجبوه لأنّ من استيقظ بعد فقدان الوعي, لا يمكنه القيام بوظيفة السرد إلّا تدريجيا، أي خلال المدة الزمنية التي تستغرقها عودة الوعي كاملا. وهي الظاهرة السردية التي نستشفها من التصريحات التالية: “صداع صاخب يفقده التركيز”, و “لا يدري من هو، ولا سبب وجودهم”، و” بصعوبة شاقة يحاول تجميع الصور”, و” يتناهى إلى مسمعه، بعد ان خفتت تلاسنات الجمع…”. لذا كان القاص حسن أجبوه منطقيا لمّا أَسْنَدَ مهمة السرد الرئيسة للسارد الكاتب ليسافر بنا من خلال هذا المشهد الى زمكان بين الحلم والواقع (“فسيفاء لوحة سوريالية مبهمة”) ، بين بطل يستفيق من صدمة في الواقع، والشخصية ذاتها تحلم بتواجدها في استديو تصوير فيلم عالمي. سَفَر مع مفارقة غريبة: كيف يكون السارد الموضوعي خارج دائرة الأحداث، وعالم في نفس الآن بما يخالج الشخصية الممددة على السرير من افكار وخواطر وأحلام؟ مفارقة تجعلنا تتساءل عن مدى المسافة بين “التبئير درجة الصفر” و”التبئير الداخلي” التي تميز الكتابة القصصية السردية الدرامية عند حسن أجبوه؟ … أما بخصوص “التبئير الخارجي”، فلقد جعله القاص حسن أجبوه خارج خطاب السرد، على شكل حوار بين شخصيتين : “يتناهى إلى مسمعه، بعد ان خفت تلاسنات الجمع المحيط به، حوار بين اثنين،(“فينتبه المتحاوران لصوته…”).
ب ـ توظيف الحوار: يُشَكِّل الحوار في القصة القصيرة رغم قِصَر جُمَلِه تغييرا في إيقاع القصة بالخروج من روتينية السرد إلى حيوية التواصل المباشر بين الشخصيات، وغالبا ما يلجأ إليه القاص في إطار تعددية الأصوات واختلاف زوايا وجهات النظر للإجابة على بعض الأسئلة العالقة في تضاعيف المشهد الدرامي مثل: كيف يكون بطل القصة عاقر ولديه أولاد؟ أو الإجابة على السؤال المحوري للقصة: كيف صُدِمَ البطل حتى فقد وعيه؟… ولم تتم الإجابة على هذا السؤال إلا في الأسطر الأخيرة للقصة، أوْ ما يُطلَق عليه “القفلة: (“إلا أن عصا غليظة نزلت على رأسه، طيرت دماء أحلامه وهشمت عظام توسلاته، فأفقدته الوعي”.)
ج ÷ خصوصية الخطاطة السردية:
تقنية بناء هذه قصة “سعيديتو” لِ حسن أجبوه جعلت القفلة أو وضعية النهاية (Situation finale) تعود بنا إلى بداية القصة أو وضعية الانطلاق (Situation initiale)؛

بنية نصية “تمرّدَت” إلى حد بعيد على ما يُسمى ب “نظام بناء الحبكة الرسمية التقليدية”، والمعروف أيضًا باسم :”القوس الدرامي” (“هرم فريتاغ” نموذجا) المُكَوّن من خمسة عناصر تُظهر بنية الحبكة من حيث العرض ، والحركة الصاعدة ، والذروة ، والحركة المتساقطة ، والقرار، لأن القاص استغل المسافة الفاصلة بين وضعية الانطلاق والقفلة ،أي المُدّة الزمنية التي قضاها البطل لاستعادة وعيه تدريجيا، ليوظف تقينية “الاسترجاع الفني” (Flash back) لِيَتوِقف عند عدة محطات مختلفة من حياة البطل، وكأننا نقرأ عدة قصص في قصة واحدة تختزلها تقنية التكثيف (وهي من أهم عناصر بناء القصة القصيرة على الإطلاق) في أسطر قليلة: قصة البطل/ الطفل اللقيط (“البَوّال”) في الجمعية الخيرية؛ وَقصته مع التمثيل في فيلم عالمي إيطالي والحلم المجهض؛ وَقِصته مع الزواج والعقم؛ وَقصته كبائع مُتجوِّل مُطارَد من طرف السلطات؛ وَقِصته مع إدمان المخدرات؛ وأخيرا قصته مع الحادث العدواني الذي أفقدَه وعيه. بنية شبيهة بِتقنية كتابة “قصة الأدراج” (Récit à tiroirs) للقاص العالمي الأرجنتيني لويس بورخيص.
4 ـ خلاصة واستنتاج:
هي قصص مفتوحة لذائقة القارئ بصيغة الجمع، تخصّ شخصية قصصية واحدة لِتمتدّ في رقعة الواقع لِتَشمَل نماذج بشرية خارج عالم الافتراض تعيش نفس مآسي بطل هذه القصص داخل قصة واحدة. ولقد نجح القاص المتميز الأستاذ حسن أجبوه وبفنيات عالية في:
1 ـ احترام العناصر الضرورية التقعيدية لكتابة القصة القصيرة كجنس أدبي نبيل يختلف عن جنس “الحكاية” و”المقامة” و”الخاطرة” باعتماد وحدة القضية (لمّا يتبقى الحلم بعد فقدان كل شيء…)، ووحدة الزمكان (تواجدالبطل فوق السرير لحظة بداية استعادته لوعيه بعد الصدمة)؛ زمكان واحد رغم السفر عبر الذاكرة والاستحضار لأماكن وأزمنة عبر تقنية الفلاش باك، وتقنية “التكثيف” الضرورية التي اختزلت أزمنة وأمكنة وأحداث عدة في بضعة سطور، والبراعة في تصوّر “قفلة” جعلت القارئ يعيد قراءة القصة عموديا في الاتجاهين (من فوق لِتَحْت، ومن تَحْت لِفوق)، وأفقيا من خلال التوقف عند قصص فرعية وجمالية التركيب بنيويا ولُغويا وأسلوبيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى