كتاب وشعراء

السيميائية الخاصة في الشعر الحديث // نظرة شمولية في نص الشاعر السوري القدير أبو أيهم النابلسي ” الحافة الصعبة ” …… قراءة بقلم الناقدة السورية حنان عبد اللطيف

*****
/ السيميائية الخاصة في الشعر الحديث /
نظرة شمولية في نص القدير ابو ايهم النابلسي من سورية
_______________

تمهيد
______
يقول المبدع السوري ( أدونيس ) :
/ تزداد قيمة القصيدة عند بعضهم بقدر ما تقترب من سيمياء شِعر عرفوه ، اما عندي فإن قيمة القصيدة تزداد بقدر ما تبتعد عن هذه السيمياء بحثاً عن سيمائيتها الخاصة بها / .
إذاً كلما ذهب الأديب عموماً والشاعر خصوصاً بكتاباته حول منهجية خاصة به تحدد مسار شِعره فإن بصمته تكون واضحة جلية لمن قرأه .
فكيف إذا كان الشاعر ذو تجربة عميقة في الحياة عاصر اجيالاً و واكب أحداثاً صقلت شخصيته الشعرية وأضفت الناحية الإنسانية على مجمل شِعره زاده في ذلك فكر موضوعي فلسفي خاص به .

الدراسة التحليلية
_______________
سكب الأستاذ أبو أيهم فكره الشعري الحديث المستقى من واقع موبوء بالإنحلال القيمي على ورق الشعر ليكون نصه الأخير / الحافة الصعبة / خير شاهد للعصر .

العنوان عام فالحافة هي نهاية اي شيء ومنها يتحدد مسار الخطوة القادمة ولكن عندما نرفقها بكلمة اخرى لها دلالة فهنا حددنا الخطوة ( الحافة الصعبة ) وهو هنا حدد المكان من منظار بارع في اطار زمني متسلل الأحداث بعيداً عن العشوائية في الرؤيا والانفعال .
لتتضح نظرته السيميائية الخاصة من خلال تحديد ديناميكية المشهد وهما / حافة الوقت و حافة الجرح /
ففي الاولى يبين لنا حالة الضياع والجهل الذي وصلنا إليه في وضح النهار
والثانية يتوسع في الشرح والغوص بالحالة المستعصية التي وصلنا إليها وذلك واضحاً في عبارات شعرية بارزة مثل / انماط إعصارية _ ضوضاء تنزع أكفانها _ زهايمر ينفض أوهامه /
ليحدد مساره الشعري بخطوات تمشي على جسر الحقيقة مبينا أن ما وصلنا إليه ليس وليد اللحظة وإنما يعود الى ازمنة قديمة حيث قال :
/ منذ الف سنة و لعنة / ليشير إلى نقطة مهمة مستقاة من خاصية بعض العناصر الموجودة في الطبيعة ( كا لزئبق ) الذي لايمكن الإمساك به واسقاط تلك الخاصية على انماط سلوكية رسخت في اذهاننا
إذ يقول :
/ هاهو الزئبق يبدأ الإسراء /
ولكنه يحتاج إلى مساعدة من اشياء لاقيمة لها ليتحول المشهد النهائي إلى بؤس و شقاء إنساني وهنا رصد الشاعر صورة جلية لقتامة الواقع بكل أبعاده .

بعد ذلك يعود الشاعر إلى نزعته الوجدانية الإنسانية المثقلة بالمسؤولية تجاه مايدور حوله قائلاً :
/ كيف أدير ظهري لنفسي /
و هنا ارى ذوبان الجزء في الكل فالشاعر هو ابن واقع يرصد شجونه بكل المصداقية فكيف يدير ظهره له فالشاعر هو منطلق الوجع و مستقره وذلك واضح من عبارة :
/ هناك في يسار الصدر وجع سريالي /
فهو يرى وجعه بعين قلبه و بمنظار فكره المنفتح على كل الإحتمالات .
و عندما يشير الشاعر بسبابة شِعره قائلاً :
/ هناك و هنا /
يعني تحديد مكانيين مختلفين ربما في الاتجاه و الأشخاص في إطار زمني واحد ولكنهما يتشابهان بالأحداث والوقائع من خلال سيميائية خاصة تضيق و تتسع في بعض الجوانب .
و في تساؤل مبهم الجواب ينوّه الشاعر عن فكرة الموت و مابعد الموت في نظرة ماورائية مبهمة قائلاً :
/ ماذا يستفيد الميت من أسماء المارة /
وهنا اشار الشاعر إلى فكرة جوهرية ان الأموات من فقدوا صبغة الحياة بكل مباهجها أي اشخاص يتنقلون من مكان لأخر دون اي احساس بإنسانيتهم .
ليختم نصه الملحمي بمناجاة خاصة لبعض الأشخاص قائلاً :
/ يا قوم /
وهنا يعود بنا الشاعر إلى عهد الأنبياء فهذا المصطلح تردد ذكره في القرآن الكريم من خلال قصص الأنبياء عليهم السلام جميعاً .
ولكن هنا الشاعر لم يحدد ماهية القوم وإلى اي انتماء يعودون ولا هويتهم قائلاً
/ لا تقرأوا عليَّ الفاتحة
و لا تقرعوا الأجراس /
فهو ينهاهم عن فعل شيء لايرضاه العقل في زمن غابت فيه قيم المحبة والخير والسلام .
وهنا لوّح الشاعر لفكرة التآخي الديني بين الناس جميعاً من خلال القرآن واصوات الكنائس ليزداد إصراره بأنه سيبقى راكضاً نحو الحقيقة فالشاعر هو نبي امته .
فبعض الأمل موجود في داخل الشاعر مرفقاً بثالوث مقدس ( ذات الشاعر و الأرض و محمود درويش ) فلكل منهما رمزيته الخاصة في ذاكرتنا الجمعية
متجها في ذلك إلى الله عز و جل بأنه السبيل الوحيد للخلاص من الشقاء .

رأيي الخاص
___________
لست ممن يتناولون اي نص بالدراسة النقدية ولكن أدرسه دراسة تحليلية نفسية فقط .
النص طويل مبدع مليء بالأفكار والصور الشعرية الرائعة ملحمي المنهج تنقل فيه الشاعر بكل السلاسة و الوضوح جريء في بعض افكاره لم يتقيد الشاعر فيه بنمطية محددة له اسلوب ذرائعي واضح الرؤى .
له اطار زمني ومكاني تنقل فيه بحرية ليعطينا صورة واضحة لاتشوبها شائبة .
ادخل مصطلحات واقعية في شعره مثل / إعصار و زهايمر و الزئبق /
تداخلت بعض العلوم في نصه وانا اراها كلها ذات محتوى رائع لانها خدمت افكار النص .

وهنا اختم مع المبدع ادونيس ايضاً إذ يقول :
/ هل شعرك حديث
إذا هو قبل كل شيء ومن حيث التجربة و أشكال التعبير مختلف عما سبقه لا مؤتلف معه لكي نكون شهود عصرنا علينا أن نفتح الهاوية من كل مكان / .

وانا ارى بأن الأستاذ ابو ايهم فعل ماقاله الكبير ادونيس بكل المصداقية .

/ بقلمي حنان عبد اللطيف

النص :

🚣 أبو أيهم النابلسي/سورية

الحافـة الصعبـة
“” “” “” “” “” “” “”
علـى حـافـة الـوقـت ..
قنـاديـل تُشعـل أحـلام النـار
أفكـار تقفـز فـوق الـدهشـة
وتـزحـف مـن تحـت الحجـاب الحـاجـز
علـى حـافـة الجـرح ..
ثمّـة وجـع إضـافـي مبـاغـت
يتسـرب مـن صنبـور العـدم
أنمـاط اعصـاريـة
ضـوضـاء تنـزع أكفـانهـا
زهـايمـر ينفـض أوهـامـه
يمـرق مـن بيـن الـوسائـد الخـاليـة
للـدمـى المستعـارة
إنـه السفـر عبـر الـزمـن وبـوابـات الـوعي
يضـرم النـار فـي المحتـرقيـن
يجمـع الشمـوع مـن خصـلات الليـل
يقبـض علـى العتمـة التـي تتجـول
فـي عقـولنـا المطفـأة
منـذ ألـف سنـة ولعنـة
هـا هـو الـزئبـق يبـدأ الإسـراء
ينتظـر الطحـالـب والاشنيـات المقعـدة
أن تمـده بجـرعـة هـواء
لكـن الفقـاعـات تــزداد لـزوجـة وصممـا
يـااااا لـه مـن بـؤس بـائـس !!

كيـف أديـر ظهـري لنفسـي
وأكـون علـى مـا يـرام
كيـف أمـزقنـي كشـيء
وأنـا صـوت انتمـاء المكـان
واقـع يكسـر ظهـر المـاء
ومفـردات هـذا الـوجع
شتـاء يـرتجـف مـن شـدّة البـرد
ورائحـة الشـواء هنـاك نـاطقـة
ينـوء بهـا الهـواء الـزاجـل
وتتجـاهلهـا علـب الألـوان المـائيـة
السمـاء تتـلفـت نحـو ذاك الفضـاء الـوردي
هنـاك فـي يسـار الصـدر وجـع سـريـالي
وأنيـن يطفـئ الليـل ويضيء الضـوء
هنـاك علـى بعـد غصـة
غيـوم آكـلـة لحـوم البشـر
ودخـان ممتلئ بـالأنيـاب
هنـاك .. وهنـا
عشـوائيات مـرعبـة
وأقمـار تنطـح سكـاكيـن القهـر
تمـد ايـديهـا بـاتجـاه الأفـق القـريب
تنتـظـرنـا ان نـرتـب معهـا الفجـر
لـكـن الغبـار لا يسمـع
مـا أكثـر الـذين كـانـوا يضـرمـون العـواء
يقشـرون العتمـة بـألسنتهـم الحـادة
اختفـوا تحت فرقعـة أصـابعهـم
وتــدحـرجـوا بيـن اقـدام العـويـل
وتـاهـوا فـي لعبـة السـراب
يـاااا لـه مـن منعطـف سـام !

مـاذا يستفيـد الميـت مـن اسمـاء المـارة ؟
وكيـف يعـزّي المـرء نفسـه
اذا كـان هـو الميـت ؟
يااااا قـوم
لا تقـرأوا عليّ الفـاتحـة
ولا تقـرعـوا الاجـراس
فبعـض الكـلام يغتـالك وأنت ميـت
والآن انتفـض المـاء وطـار الحمـام
وسقطـت الحقيقـة مضـرجـة بخيبتهـا
انفجـرت كـل اللهجـات
ونحـن نـدهش المـوت بطريقة مـوتنا
سأظـل أركـض وظـلـي يأخـذ غفـوة
سـأبقـى واقفـا كفكـرة تطـل من عيني نبـي
مـازال فـي حقـلـي سهـوبـا للشمس
أتسـابـق انـا وعنـاقيـد ذاكـرتـي والأرض
وصـوت محمـود درويش
الـى المـلاذ الأخيـر
الـى اللــه ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى