ثقافة وفنون

أشرف الريس يكتُب عن: ذكرى رحيل إحسان القلعاوى

هى ” أمُ الدَكاتِرة ” و ” أمُ الطَّيبِين ” الفنّانَةُ الْكَبِيرَة و القَديرة ( إحْسان عَبْد الْحَلِيمِ القَلعاوى ) الشَّهِيرَة بِإِحْسان القَلعاوى تِلْك المُمَّثلةُ الرَّائِعَة الَّتِى عَرِفها الجُمهور بوّجْهِها البَشوشْ المُتّمَيز بِالْبَراءَة و الطَّيِّبَة و هو ما جَعَلَ النُّقَّاد يُلَقِبونها بـ ” أَم الطَّيِّبِين ” نظرّاً لِأَدائِها المَشاهِد التراجيديّة بِبراعةٍ شَديدة و التى اسْتَطَاعَت بها أَنَّ تَحجز لِنَفْسِها مكانّاً فى الأعمالِ الفنيةٍ سَواءٌ السينِما أَوِ التليفزيون و عَلَى الرغمِ مِن عَدم أَدائها أدوارَ البُطولة المُطلقّة ! إلَّا أَنَّها جعلَتْ المُشاهِد يسْتَّمتِع بأعمِالِها الفَنيَّة الَّتِى كانَ أغلبها دور الْأُمّ الحَنون أَمَّا لَقَب ” أَم الدَكاترة ” فَهو اللَّقَب الَّذِى كانَ يَعْشق أَهْلِها أَنْ يُنادونَها بِهِ بَعْدَما حَصُلت جَميع بناتِها الثَّلَاثَة مِن زَوْجِها الرَّاحِل ” مُحَمَّد أَبو يوسُف ( أَحَدٌ أَهَمّ كُتّاب السيناريو فى مِصر فى الخَمسينيات و السِتينيات مِن الْقَرْن الماضى ) و هُنَ عَلَى التّرتيب ” إيناس “على الدُّكْتوراه فى الْإِعْلَام و ” مايسة ” عَلَى الدُّكْتوراه فى عِلْم اللَّغويات و تَعْمل فِى أَمْرِيكا و أخيرّاً ” مَنال ” الَّتِى تخَرَّجتْ مِن كُلية السِّياحَة و الفَنادِق و حَصُلتْ عَلَى الدُّكْتوراة مِن قِسم الْإِرْشاد و الحَقُ يُقال أَن كَثيرّاً مِن الفَنّانِين و أيضّاً الفنّانات فى الزَّمَن الْجَمِيل لهُم و لهُنّ العَديد مِن الأسْرار الَّتِى لَا يَعرِفُها الجُمهور و كَثيرّاً منهُم و مِنهُنَ كانَت حَياته مَليئة بتَفاصيلٍ مُثيرَةٍ كالمَرَض العُضال أَوْ الْمَوْتِ فى الْحَوادِثِ أَوْ عَدَمِ اسْتِطَاعَتِهِم الْإِنْفاقِ عَلَى أنفُسِهم بسببِ عَدَم الِادِّخار طوالِ سَنَواتِ عَملِهم فى الوَسَطِ الفنى و مِنْ هَؤلَاءِ الفنانات كانَتْ مَعَ الْأَسَف الشَّدِيد إحْسان القلعاوى الَّتِى لَم تكُن تَستَحِق مُطْلَقّاً بَعْد تاريخِها الفّنى الحافِل بِأَنْ تَكُونَ نِهايَتِها تِلْك النِّهايَة المأساويّة المُغَلّفَة بِالْمَرَض الخَبيث لِتَعَيش حَياة مَلِيئَة بقليلٍ مِنْ الْورودِ و كَثيرٍ مِنَ الأَشْواكِ و هُما اللَّذَان رَسْما مُشوارها الفنى و عّوَضاها عَنْ الِاسْتِمْتاعِ بحياتها الْعادِيَّة الَّتِى حُرِمَتْ مِنْهَا بِسَبَبٍ بَريق الشُهرة الَّذى حَقَّقْته خلالِ سَنواتِ عُمرها الفّنى المُشْرِقْ .. ولِدّت إحْسان القَلعاوى فى 26 / 4 / 1932م فى حَى المِغربلين بمُحافَظّةِ الْقاهِرَة وَسَط عائلةٍ فَنية حَيْثُ كانَ والِدَها الفَنَّان الكوميدى ” عَبْد الحَليم القَلعاوى ” الَّذِى عَمِلَ عَلَى مَّسرح الريحانى فى العِشرينيات و الثلاثينيات مِن القَرنِ الماضى و انتقلَ بَعْدَها إلَى فِرقة رَمْسِيس ليُشارِكَ فِى العَديدِ مِن الأعمالِ ما بينَ السينِما والمَّسرح كان مِن أبرزها ” حُكم قَراقوش ” و ” عَلَى بابا ” و ” هُدى ” و ذلك علاوَةً على شَقِيقِها الفَنَّان الكوميدى ” مَحْمود القَّلعاوى ” و يُذكر بَعْدَ تخّرُجها مِن كُلية الْآداب قِسم اللُغة الفِرنسية أن الْتَحَقّت إحسان بمَعْهّدْ الفُنون الْمَسْرَحِيَّة دون رَغْبَة والِدَها ! حيثُ لَم يكُن يَرغَب أَن تَمْتَهِنَ ابْنَتَه مِهنة الْفَنِّ عَلَى الْإِطْلَاقِ ! بالرغم مِن امتِهانِهِ هو ذاته بها !! و ذلك بِسَبَبِ خَوفِه عليها مِن الانغِماسِ فى هذا الوَسط و لَكِنْ بَعْدَ إلحاحٍ شديدٍ مِن إِحْسان وَ وّعدٍ مِنْها لَهُ بِأَنَّها سَتَكون فنّانَة مُلتّزِمَة إقتنعَ الْوالِدِ عَلَى مَضَضْ بَعْدَما قالَ لَها ” موافِقٌ بِس بِشَرْط لَو خالِفتى وَعَدَك لِيا لَا انتى بِنتى و لَا أَعْرِفك و قَلْبِى و رَبى حايفضلوا غَضبانين عَليكى لِيَوْم الدين ” .. يُذكر أيضّاً أن كانت بِدايَة إحْسان مِن خلالِ مَيكروفون الْإِذاعَة فِى العَديدِ مِن المُسَّلسَلاتِ الإذاعِيَّة مِن خِلَال دّورِ ” زَنوبة ” فِى مُسَّلسَل ” عَودة الروح ” مِن إخْراج حُسَيْن كَمال عِلَاوَةً عَلَى تَجْسِيدَها العَديدِ مِن الْأَدْوارِ الْهامَة التى كَان أَشْهَرُهَا شَّخْصيّة عَزيزَة فِى آلمُسَّلسَل الإذاعى الشَهير ” عائِلَة مَرزوق أفندى ” و مُسّلسَل ” تَرْوِيض الشَّرِسَة ” قِصَّة الْكاتِب نَبِيل خالِد سِينارِيو و حِوار بسيونى عُثمان إخْراج مُحْسِن فكرى لتُقّدِم بَعْدَ ذلِكَ العَديدَ مِن المَّسرحيات العالَمِيَّة مِثْل ” هاملت ” و ” عُطيل ” و ذلِك عِلَاوَةً عَلَى عَمَلِها فى المَّسرَحِ الكوميدى و الْقِطّاع الْخاص و كانَت أَشْهُر أعمالِها المَّسرحيّة  ” هانِم ” أَمَّا أَشْهُر مُسَّلسَلاتها التِّلِيفِزْيونِيَّة فَكان ” ثَوْب الزِفاف الْأَسْوَد ” فى أوائِل السَّبعينيات مِن القرنِ الماضى مَع الفَنَّان ” مُحسِن سَرحان ” بَعْدَما أبدَّعت فى الْقِيام بدورِ المَجنونَة و مُسّلسَل ” قَضِيَّة نَسب ” أمَّا آخَر مُسَّلسَل شارَكْت فِيهِ فَكانَ مُسَّلسَل ” هيما ” مَع الفنّانَة ” عَبْلَة كَامِل ” و الفَنَّان ” أَحْمَد رِزْق ” أمّا أَبْرَز أفلامِها السِينمائية فَكانَت ” السِمّان و الخَريف ” و ” رَحْلِه مَشْبوهة ” و ” شَوادر ” و ” انتِحار مُدرس ثانوى ” و ” الْوحوش الصَّغِيرَة ” و ” لستُ قاتِلّاً ” و غَيْرِها مِنْ العَدِيدِ مِنَ الأفلام كانَ آخِرها ” لَيْلَة سُقوط بَغْداد ” و يُذكر كذلِكَ أَن قَدَّمتْ إحسان خِلَال مَسيرتها الفَنيَّة الكَثير مِن الْأدْوار الثّانَوِيَّة و أدْوار السّنيد و اشْتُهِرَت فى هَذِه الْأدْوار بالسّيدة أَوْ الْأُمِّ الطَّيبَة و رُبما لايَعلم الْكَثِيرُون أَنَّهَا كَانَتْ هىَ المُرَّشحة لدورِ الْأم فى فِيلْم الحَفيد لا ” كَرِيمَة مُختار ” لَكِنَّها رفَضَتهُ بِشِدّة بِسَبَبِ مَشْهَد تَرتدى فِيه لِقَمِيص نوم تَنام بِه بِجِوار زَوْجِها ” عَبْد المِنعم مدبولى ” فى الفِيلْم ! و قَد حاوَل المُخرج ” عاطِف سالِم ” إقناعَها بشتىَّ الطُرق و لَكِن باءت كُل مُحاولاتِه بِالرَّفْض حَيْثُ قَالَتْ لَهُ إحْسَان بالحَرفِ الْوَاحِد ( كَما صَرَّحَ عاطِف سالِمٍ فى أَحَدٌ الحوارات الصَحفيّة ) ” أنا ماقبلش أَن بَناتى يُشوفونى عَلَى سَرير مَع راجِل بقَميصْ النَّوْم و كمَّان أَنا وَعَدْت أبويا وَعَد و ماخالِفتوشْ و هوَّه عايِش عايزنى أخالِفه و هوَّة مَيت ؟! ” .. يُذكر أخيرّاً أن تَعَرَّفتْ إحْسان عَلَى زَوْجِها السينارست ” مُحَمَّد أَبو يوسُفَ ” أَثْناء عَملِها فى الْإِذاعَة و كان مُتّخرجّاً مِنْ قِسْمِ اللُغّةِ الإنْجلِيزِيَّة فى كُليَّةِ الآدابِ بِجامِعَة الْقاهِرَة فى الْوَقْت الَّذِى كانَت تخرَّجت فِيه إحْسان مِن قسمِ اللُغة الْفرَنْسِيَّة و فى إِحْدَى الْمَرَّات قالَ لَها “ما تيجى تِعلمينى الْفَرَنْسِيَّة و أعَلِّمك الإنْجلِيزِيَّة بِس أَنا مابَعلِمشْ حَدّ بِبلاش و مارضاش بَرضُة حَدّ يعَلمنِى بِبلاش و أنا شايف إِنك تِحددى بِسُرْعَة ميعاد مَع أهْلِك عَشان آجى أُكَلمَهُم فى حِكايَة التَّعْلِيم دَه ” و ضَحكتْ إحْسان بَعْدَما فَهِمَتْ مَغْزَى مُحَمَّد مِنْ ذلِكَ الحِوار و ردَّتْ عَلَيْهِ ” عُمومّاً أنا موافَقَة يا محَمَّد عَلَى الْجَوازِ ! أما مَوْضوع التَّعْلِيم دَه يَبْقَى ييجى عَلَى أَقَل مِن مّهْلُه ” و ضَحِك الحَبِيبَيْن و كان الزَّواج الَّذِى أثمرَ عَنْ ثَلَاثِ فتيات كَما نوّهْنا سَلفّاً فى فاتِحَة الْمَقال و قَد ظَلَّت إحْسان تُمتعنا بأدوارها الْجَمِيلَة حَتَّى رَحَلْت فى 31 / 12 / 2008م عَن عُمرٍ يُناهِز الـ 86 عامّاً بَعْد صِراعٍ طَويلٍ مَع مَرضِ سَرَطان الْمعدَة اللَّعِين تَخَلَّلَهُ نُكران جَميلٍ مِن النِّقابَة ( كالْعادَة ) و عَلَى إثَرِهِ تَمّ نَقَلَها لِلْعِلاج فى الْوِلَايات المُتّحِدَة الأَمْرِيكِيَّة لِتَكون بِرفْقَة ابْنَتِها ” مايسة ” إلَى أن لَفِظَّتْ أنفاسَها الْأَخِيرَة و تَمّ دَفَنَها فى مَقابِرِ المُسْلمين بِوِلَايَة نِيُو جيرسى الأَمْرِيكِيَّة ليَفقِدَ الْفَنّ المِصرى فنّانَة قَديرة أَمْتَعْتَنا بِفنِها الْجَمِيل بَعْدَما حَفَرتْ اسْمَها بحُروفٍ مِن نورٍ فى ذاكِرَة الْفَنّ المِصرى و أيضّاً فى قُلوبِ جُمهورهِا .. رَحِمَ اللَّهُ إحْسان القلعاوى و تَجاوَزَ عَنْ سَيئاتها و أَسْكَنَها فَسيحَ جَنَّاتِهِ .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى