رؤى ومقالات

أحمد العش يكتب :الاستدمار وليس الاستعمار :::

لا يروقُ لي بحالٍ مصطلح الاستعمار، الذي يلوكه بعض المؤرخين، ويصدح به أكثر المفوهين، ويصدع له جُل العالمين، فأما توصيفي له فيتمحور في الاستدمار والاستخراب، أو باللفظة الأخرى المتداولة الاحتلال، ولعلي أصبت بهذا الوسم كبد الحقيقة، بعد ترحالٍ دقيق في أروقة التاريخ الإمبريالي الغربي الدموي الغاشم، الذي مارسته أوروبا الصليبية، في أوصال بلاد المسلمين لقرون تترى، وكيف بدت لي سوءاتهم جميعاً، في النظريات والتطبيق وئاماً، فقد جعلوا بلاد المسلمين كسرابٍ بقيعة، أو كأنها خشبٌ مسندة لم يُبقوا فيها شيئاً ولم يذروا، ولما كانت فرنسا تتأهب للإحتفاء بالذكرى المئوية لثورتها التليدة، كانت تُجثم على صدور الجزائريين، في ذلكم البطش الفتاك الذي اقتطع ردحاً من الزمان طويلاً،،،
وقُبيل عام ١٨٨٩م داعب خيال الفرنسيين بعواطف مشبوبة، تشييد نُصبٍ تذكارىٍ يغازل إيقاع حريتهم، ويناغم تطلعاتهم التي كرستها ثورتهم المجيدة عام ١٧٨٩م، ففكروا ملياً في تشييد برجٍ شاهقٍ في الطول غرورا، فألقى الشيطان في أمنيتهم، سلب الحديد اللازم لإنشاء برجهم المذعوم من الجزائر، التي كانت آنئذ تحت سطوتهم المكينة، فمكثوا غير بعيد، حتى اقتحموا الأراضي الجزائرية بكل وحشية، لينهبوا ١٠١٠٠ طن من أجود مواد الحديد على ظهر الأرض، من جبل زكار ومدينة روتينه، مكونة ١٨٠٣٨ قطعة حديد، و٢.٥ مليون مسمار، ليتبلور بهم برج إيفل في ضاحية باريس، الذي بلغ طوله ٣٢٤متر، والذي استغرق بناؤه سنة ونصف، بقيادة المهندس جوستاف إيفل و٥٠ مهندساً و٣٠٠ عامل،،،
اهتبلت الدول الأوروبية ثروات العالم الإسلامي بعدوان مبين، وسخرت كل طاقتها لنهب ذخائر المسلمين بأبشع تمكين، بين ثروات طبيعية وموارد اقتصادية والإرث الثمين…..
وها هي فرنسا التي كابدت سنوات عجاف، من أجل أن يرتشف ظمؤها بقطرة من الحرية، ولما دانت لها الحرية الشاملة، وحان موعد ذكرى ثورتها العتيدة على ملوك البوربون ولويس السادس عشر وماري أنطوانيت، عتت في الاتجاه المعاكس على أرض الجزائر عتواً كبيرا، وعاثت فيها الفساد لنحو ١٣٢ سنة منذ ١٨٣٢ م حتى ١٩٦٢م…
وارتكبت من المجازر والأهوال ما يشيب له الولدان، من سحقٍ ومحقٍ للأخضر واليابس، وكان من جملة ما اقترفته أياديهم السوداء، ثروة معدنية شيدوا بها برجاً يلهجون به، ويبتهجون بهامة طوله، ويغتنمون من وراءه ملايين الفرنكات سنوياً، من جراء مريديه بنحو سبعة ملايين سائح من كل فج عميق….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى