الثلاثاء , يناير 26 2021

محمد المحسن يكتب ….مساواة الصهيونية بالعنصرية..في ظل الصراع العربي الإسرائيلي

 
لقد لعبت الولايات المتحدة الأمريكية دور الدولة الأم(1)”بالنسبة لإسرائيل التي أسّست مشروعها الصهيوني على حساب المشروع الوطني الفلسطيني وما تزال تجري فيها عمليات الإستيطان والإستيعاب حتى اليوم،وهذا يعني أنّ وجود اسرائيل القويةهو مصلحة أمريكية تتلاءم مع استمرار وبقاء المصالح الأمريكية فيالشرق الأوسطويساهم بشكل محوري في صياغة المعادلات السياسية في المنطقة لصالح واشنطن،ذلك أنّ القوّة العسكرية الإسرائيلية مكوّن أساسي من مكوّنات ميزان القوى الغربي على النطاق العالمي،لذا يقول الكاتب الإسرائيلي شمشون ايرلخ:”الواقع أننا أشبه من الناحية العملية بالشرطي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط،يتمثّل دورنا في العمل كعنصر ردع نشيط ضد من يعرّض حقول النفط للخطر”(2)
وهكذا تبلورت العلاقة بين أمريكا واسرائيل وغدت-استراتيجية-خصوصا إثر توقيع اتفاق التعاون الإستراتيجي بين البلدين في الثمانينات حيث لم يعد-نزلاء البيت الأبيض-في حاجة لإخفاء نوعية علاقاتهم مع اسرائيل مثلما كان الحال قبل حرب 67.
ومن هنا نستشف طبيعة العلاقة البنيوية الإستراتيجية ذات النمط الخاص بين واشنطن وتل أبيب بما يعزّز القول بأنّ اسرائيل مختلفة في تركيبتها السياسية،الإجتماعية والتاريخية عن باقي نظم المنطقة بإعتبارها بنية كولونيالية استيطانية قامت غصبا عن إرادة شعوب المنطقة ومصالحها كنتيجة حتمية لتخطيط القوى الإستعمارية العالمية،ولذا لم تتورّع الأمم المتحدة في أواخر عام 91 عن إلغاء قرار مثير للجدل يضع الصهيونية في موقع العنصرية وقد جرى الإلغاء”بغياب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة وقت التصويت..وبحضور مساعد وزير الخارجية الأمريكي زمنئذ:لورنس ايفليرغر”(3).
وهذا الطابع الدراماتيكي الذي اكتساه-الإلغاء-يعكس بوضوح متانة التحالف الأمريكي-الإسرائيلي ويبرهن على الإنحياز الأمريكي الأعمى لإسرائيل بما يلغي مصداقية الولايات المتحدة تجاه العرب،ولذا لا عجب أن يرحّب البيت الأبيض بإلغاء القرار بإصداره بيانا مذكّرا فيه بأن أمريكاكانت قد رفضت القرار رقم (3379) منذ اعتماده لأنه يعتبر التطلعات القومية للشعب اليهودي ووجود اسرائيل القومي غير مشروعة”(4)!!.
هذه الدراماتيكية المؤلمة التي شهدها إلغاء القرار،قوبلت بالإبتهاج الأمريكي من ناحية وبالذهول العربي من ناحية أخرى.ذلك أنّ العرب كانوا وقتئذ يرفعون شكاواهم للأمم المتحدة حول السلوك الإجرامي والعنصرية العمياء لإسرائيل بحق العرب وقصفها العشوائي للجنوب اللبناني الذي كان على أشده أثناء-التصويت-هذا في الوقت الذي رحّب فيه الجانب الأمريكي وعلى لسان مساعد وزير خارجيته لورنس ايفليرغر الذي تراءى له إلغاء القرارشكلا إنسانيا راقيا ونفيا لإحدى آخر بقايا الحرب الباردة”!!.
إذن هل يكون الأمر مفاجئا إذا قلنا أنّ اسرائيل هي الدولة الوحيدة بين أعضاء الأمم المتحدة التي ليست دولة لمواطنيها،بل لليهود حيثما وجدوا،وأنّ الفلسطينيين في الأراضي المحتلة يتعرضون يوميا للتمييز العنصري من قبل القانون الإسرائيلي،بما يعني أنّ إسرائيل قد أقامت في الأراضي العربية التي تحتلها منذ عام 67 نظاما عسكريا يعتبر أسوأ من نظام الفصل العنصري الذي عرفته جنوب إفريقيا في السابق..؟
لا ليس الأمر مفاجئا،ولذا سأضيف:مع تفجر الإنتفاضة الفلسطينية الثانية عام2000 وما تخللها من دماء فلسطينية أريقت ومازالت تراق بآلة الموت والإقتلاع،وحيث لا تكافؤ عبثي بين الدبابة الإسرائيلية والحجر الفلسطيني،وبين الصمت العربي والصوت الفلسطيني المتصاعد في أفق المأساة وما يكتنف هذا وذاك من صراع بين الحق ونقيضه وبين العدل وما يلغيه”(5)فإننا قد استيقظنا جميعا من غفوتنا المريحة لندرك من جديد أنّ اسرائيل في جوهرها دولة محتلة لها ممارسة المستعمر،وترفض بعناد شديد الإعتراف بحرية ووجود من سلبت أرضهم،ولقد تعرّى القمع الصهيوني الهستيري الذي كشف الدّم الفلسطيني المراق بغزارة عن وهم ديمقراطيته المتحضرةوأسقط تبعا لذلك كل الأقنعة،فتوارت خلف تخوم الدّم،رموز الديمقراطية والإشتراكية والعلمانية التي تدثّر بها مؤسسو الصهيونية والمصفقون لها في الغرب،وتعرّت بالتالي اسرائيل بإعتبارها آخر المستوطنات البيضاء في بداية القرن الواحد والعشرين التي تسعى إلى حماية نقائها عن طريق نظام الأبارتهايد.
لذا،ألا يمكن القول والحال هذا،أنّ السياسة الإسرائيلية العنصرية بحق الفلسطينيين هي سياسة نابعة من روح النزعة العنصرية للصهيونية وتشكّل مخالفة كلية لنصوص القانون الدولي الذي تمّ وضعه والإتفاق عليه عالميا في إطار هيئة الأمم المتحدة والذي من أهم هياكله ما يلي:
ميثاق الأمم المتحدة،وبالخصوص الفقرة الثالثة من المادة الأولى منه التي تجعل من بين مقاصد الأمم المتحدة تحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والإنسانية،وعلى تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعا،والتشجيع على ذلك اطلاقا بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء.
اتفاقية جينيف الرابعة المؤرخة في 12/08/1949 المتعلقة بحماية المدنيين،وقد انضمت إسرائيل إلى هذه الإتفاقية بتاريخ:06/07/1951،وأقرّت الأمم المتحدة تطبيق الإتفاقية على الأراضي المحتلة.
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بتاريخ:10/12/1948.
ملحق اتفاقية لاهاي الرابعة المؤرخة في 18/10/1907 المتعلقة بالقوانين والأعراف وقت الحرب.
ورغم هذه الهياكل التي ذكرناها ورغم كل الشواهد الثابتة على عنصرية الصهيونية،فلقد ألغي القرار3379 وتمّت تبرئة الصهيونية من العنصرية وبأغلبية دولية مذهلة مثلما-أسلفت- في أواخر عام1991.
فماذا يعني هذا ! ؟
ألا يعني أنّ هناك شروخا في الصرح العربي أثرت سلبا علينا جميعا أمام العالم،وأنّ الذين جعلوا من أمريكا وسادة ريش يهرولون إليها كلّما داهمهم السقوط ما فتئت تجيئهم الخيبة من جديد!؟
ألم نكتشف بعد قوّة العلاقة بين أمريكا وإسرائيل بما يعني إبقاء الموقف مساندا ومدعّما للموقف الإسرائيلي!؟
 ألم ندرك أوّلا وأخيرا أنّ الإنحياز الأمريكي السافر حيال تل أبيب يهدف في جوهره إلى إزالة كل ما من شأنه أن يضع(شرعية!)اسرائيل موضع شك ونقض بعد أن تكاملت ملامح عنصريتها الكامنة فيها أصلا..؟!
أليس بإمكاننا الآن..وهنا..أن نلج ذواتنا في إطار مراجعة شاملة لواقعنا الأليم علّنا نرمّم ثغراتنا السافرة،ذلك أنّ التجارب أثبتت بأنّ كل انتصار تحقّقه اسرائيل هو مقدمة دراماتيكية لخسائر عربية متلاحقة في ظل معركة لاح طولها واستمرارها،وتعرّى طرفاها المضادان للعرب:الصهيونية والولايات المتحدة الأمريكية..!؟
 مادام ذلك كذلك فإنّ سلام”الشجعان”لن يتم عمليا إلا وفقا لما ترومه إسرائيل ويرضي نزواتها العدوانية،وطالما أنّ الذين يصنعون القرار في تل أبيب هم في جوهرهم نظائر لأولئك الذين يصوغونه في أروقة البيت الأبيض،فإنّ اللوبي الصهيوني سيظل مسموع الكلمة وقادرا بدهاء منقطع النظير على التحكّم في اجراءات و طريقة التفاوض بين العرب واسرائيل وسيتمكّن بالتالي من إلغاء أي قرار من شأنه المس بمصالح الدولة اليهودية..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: