الثلاثاء , يناير 19 2021

بيكادون … للقاص : عبدالكريم الساعدي

الفجر عابس على غير عادته، يمدّ ظلّه فوق ساعة حائط حجريه، عقاربها السوداء اتّخذت شكل مسخين، يشيران إلى الثامنة والربع صباحاً، يسوقان النظر تجاه الشرق، حيث مقابر الموتى، هالني خروجهما من قبو قبيح، ينبثق من أطرافهما أجنحة رمادية، يحلّقان عالياً، يجوبان الفضاء، يهويان، المسافة بين الأرض والسماء تتلاشى، الساعة الحجرية تسقط في حضن المدينة العاجّة بالحياة، صواعق من برق شديد تومض في لحظة واحدة، وميض كأنه مزيج من الأصفر والبنفسجي والرمادي والبني الداكن يشعّ في عينيّ، حرارة نارية تغزو جسدي، دوي انفجار يفزعني، يصمّ أذنيّ، يتبعه صوت راعد، هادر، متصل، مخيف، لا أعرف أيّهما أسبق، الوميض أم الصوت؛ فجأة يصفر الجو، غيمة كبيرة على هيأة قبة تشبه الفطر تغطي سماء المدينة، تمتدّ، تتناسل بسرعة مذهلة سحباً سود، الشمس تختفي، الكون ينزف مطراً من حمم؛ الحقول تحترق، النباتات النامية تغطّت بالطين والرمال المشعة التي أثارتها الرياح، المباني تتشكّل حطاماً، تتدثّر بتراب أحمر؛ علّه يستر عاهاتها. 
في الطريق إلى المشفى يسعى الخراب والخوف تحت قدمي، أجوس الرعب بعينين، يكادان ينطّان من محجريهما من هول المشهد، لا يسعهما غير الدمع، مخلفات الدمار، الشوارع، الجسور، جثث مشوهة، تسري بها إلى المجهول سيول جارفة، داكنة اللون؛ أحدّق في الفراغ، ألتفت حولي، أنظر إلى السماء، أتوسل إشراقة الصباح: 
– يا إلهي، هل سأراها من جديد، حاملة ضنى الروح؟ هل سنجري في الحقول فرحين كما الأمس؟
أفزّ مرعوباً على صدى صرخات ترتفع إلى السماء، الفارّون بجراحهم يتساقطون في النهر كجدار منهار، الجسر الذي احتضن خطواتنا بالأمس، يلوّح لي ببقاياه، أقترب منه، أسمعه يئن لفقد سوره، يتعكّز على جثث تطفو تحته؛ ثمة امرأة عارية ترقد في المياه الضحلة، القريبة من الشاطئ، ترنو ببصرها نحو السماء، تضغط على ثدييها النازفين دماً بكفين مرتعشين، أعبر النهر، أحثّ الخطى إلى المشفى، أصطدم بوجوه متورّمة لآلاف التلاميذ، شبه عراة، جلودهم مسلوخه، يرومون النهر، أكاد أجنّ ممّا أرى، أصاب بالغثيان، أتقيّء، أسقط أرضاً، يلفّني الغياب، تعانقني كوابيس مرعبة، أفرّ منها صوب الجحيم، أفتح عينيّ، منهكاً، عطشاناً، أتوكّأ على قلقٍ، ترافقني طرق موحشة، لم أرها من قبل، المسافة تمتدّ، تقطع أوصالي، يهدّني التعب، الليل يلقي بعتمته فوق ظلام المدينة، أبصر بيتاً في طرفها، ما زال يحتفظ بوجوده، أسند ظهري إلى أحد جدرانه، ينتصب أمام عيني منظر مخيف، أفواج من الجرحى يحاولون الهرب إلى التلال البعيدة، جلودهم تتدلى من أجسام محروقة، أنفاسهم ضعيفة، لا يسمعون ندائي اللاهث خلفهم، يلفّهم الأنين والصراخ، يمرّون أمامي طوال الليل، يسيرون كما النمل على خطّ طويل، أغفو بلا وعي منّي، أستيقظ صباحاً، يصفعني الاستغراب، وجدتهم متراصين على جانبي الطريق، لوثة جنون تلعق عقلي، أوشم آثار خطواتي فوق أجسادهم المتهرّئة، أهرول هلعاً، يطاردني صوت قادم من خلف التلال:
” رُدّوا لي البشر
ردوا لي أمي وأبي
جدي وجدتي
أبنائي وبناتي
ردوا لي نفسي
وأعيدوا البشر لإنسانيتهم
ما بقيت هذي الحياة
ردوا لي في هذي الحياة
سلاماً لا ينتهي”2 
بعد يومين ألتحق بفريق المساعدة في عمليات البحث عن الأهالي المحاصرين والمصابين؛ لعلّي أجد أثراً لزوجتي و طفلي الرضيع، لم أر غير أكداس من الجثث تُحرق في ساحة المدرسة، وطابوراً من أشباح رجال ينظرون إلى زوجاتهم وقد أصبحن زنجيات بعد إن شوت الحرارة وجوههنّ، وأطفالاً ذابت ملامحهم كما يذوب الشمع.
في اليوم الثالث يخالني أصبحت جزءاً من المدينة، تحاصرني الجبال من ثلاث جهات، والبحر من الجهة الرابعة، يجلدني الصراخ والأنين، يرافقني أحد الناجين، كان مشدوه البال، يداري جرحاً ينزف دماً في جنبه الأيمن، يزيح عن رقبته شظايا متناثرة من زجاج، شيء ما يشدّني إليه:
– هل من مساعدة أقدمها إليك؟ 
– شكراً لك، هناك من أحقّ بها منّي. 
تخزني شهقاته، تثيرني دموعه:
– ما الذي يبكيك؟ لقد نجوت.
– ما الفائدة، وقد حملت ألماً يحزن قلبي ما حييت؟
– ألم تر امرأة تحمل طفلاً؟ 
كان السؤال حجراً في الفراغ. يلتفت إليّ، يشهق وجعاً: 
– هو والله ما يحزن قلبي. 
الصمت يخيم بيننا، الدهشة تحتلّ ملامحنا، نمسح بقايا دموع، تنفرج شفتاه:
– سمعت صوتاً يتوسّل جرعة من ماء، كان الصوت ضعيفاً، لكنّه متواصل، اقتربت من مصدره، رأيت…….
تأخذه نوبة بكاء، أنفاسه تتقطّع، يسكت، يحدّق في وجهي، كأنّه يفتّش عن سرّ سؤالي: 
– ماذا رأيت؟
– امرأة مصابة بحروق شديدة في جميع أنحاء جسمها، تحمل رضيعاً بين ذراعيها، شفتاه تمسكان بحلمة أمه، ممّا زاد من ألمي رأيت الطفل ميتاً، والأم ما زالت ترضعه رافضة حقيقة موته.
– وماذا فعلت لها؟
– لم يكن بوسعي أن أقدم لها شيئاً، اعتذرت ومشيت بعيداً.
– ألا وصفتها لي.
– لم أنتبه إلى ملامحها، كنت مشغولاً بالنظر إلى الطفل؛ لكن هناك علامة فارقة لا يمكن نسيانها. 
– ما هي؟ 
– خال على طرف… 
لم أدعه يكمل حديثه: 
– أرجوك، لا تقل على طرف حاجبها الأيسر.
تنتصب علامات الدهشة على وجهه، يضغط على جرحه، يجهش بالبكاء، وقبل أن يمضي مع الناجين، تساءل مستغرباً: 
– وهل تعرفها؟
أصابني الخرس، لا أكاد أسمع صوتاً، ولم أر أحداً حولي… أنتبه لحالي، ألاحقه، أرسل خلفه آخر سؤال:
– وإلى أين مضت؟
– صوب النهر. 
كلّ شيء ينفرط، المكان يضيق بي، الهواء الكريه يخنق أنفاسي، قلبي الطاعن بالشوق يتوق إلى نبضه، أوقظ الخطى نكاية باليأس، الجنون يطير بي نحو النهر، أحسّ أنّ الموت يترصدني، أجلد قدمي بسوط الشوق؛ فالمعذبون، الموتى، ينتظرون:
” يا ترى من يسقي عينيّ دمعاً بعدما جفّت قنوات الدمع، ويمنح الشفاه المتحجّرة صراخاً عند اللقاء” 
صوت يأخذ بلبّ القلب، يصفع عقارب الساعة الحجرية المتوقفة عند الثامنة والربع صباحاً، يأتي من بعيد، من خلف الجبال، تحمله ريح المرافئ:
” أيّها الصغار
لا تصمتوا
تكلّموا
قاوموا الكبار في العالم كلّه
-أرباب الحرب-
اصرخوا فيهم
بأصوات ناصعة
وعيون تلمع
افتحوا أذرعكم
حرروها.. لتعانقوا الجميع”3
وقبل أن أصل إلى ضفة النهر، يُشيّع خطواتي ضوء آخر يسطع في السماء ناحية الشرق، على بعد مئات الأميال، هو ذات الوميض، مزيج من الأصفر والبنفسجي والرمادي والبني الداكن، ذات الصوت الراعد، ذات الرائحة الأولى الكريهة؛ حينها اكتشفت أنّي عاري تماماً.
__________________________________________________
1: بيكادون: اسم أطلقه اليابانيون على القنبلة التي ألقيت على هيروشيما، ويعني بريق لامع، يعقبه انفجار هائل.
2-3: الشاعر الياباني سانكيشي توجي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: