د. نيفين عبد الجواد تكتب :تعب القلوب

 

                                                                                          

 

إذا لم نحسن الاختيار ذات مرة فلا بأس، ففي المرة القادمة سنتعلم من أخطائنا التي وقعنا فيها لسببٍ أو لآخر، المهم أن نظل محافظين على قدرتنا على الاختيار ولا نحرم أنفسنا منها. فما دمنا قادرين على الاختيار بحرية تامة فليس علينا سوى إدراك ما ينفعنا وليس فقط ما نرغبه ونريده وفقًا لأهوائنا وشهواتنا؛ فذاك هو السر في حسن اختياراتنا أو في سوئها.

إننا أحيانًا نضطر إلى حجب صوت ضمائرنا وعدم الإنصات إليه رغم كل الضجيج الذي يحدثه بداخلنا؛ وذلك لأننا لا ننصت سوى لصوت شهوة ملحة علينا أو لِهوًى طاغٍ اجتاحنا بكل قوة. وما دمنا قد أعلنا أمام أنفسنا استسلامنا لنزواتنا فلن نستجيب لنداءات العقل أو لصيحات ضمائرنا التي سنخمدها عن عمد في كل مرة تثور فيها كالبركان منبهة إيانا أن نتيقظ من غفلتنا التي قذفت بنا في ظلمة حالكة قبل أن تتسبب في إهلاكنا.

وكم من مكانٍ خالٍ لا يجد من يشغله فيملؤه عن جدارة، ومع الوقت ومع طول أمد البحث عن الشخص المناسب قد يُخيَّل إلينا في لحظة ما يغمرنا فيها الضعف والإرهاق والوَهَن أننا قد وجدناه، ولكن مع ذلك لا نطمئن لحسن اختيارنا، فإذا بنا نريد لقلوبنا الراحة من فرط التعب فلا نجد سبيلًا إلى ذلك سوى عن طريق إيقاف عقولنا عن التفكير من أجل الحصول على هدنة نستريح خلالها من فرط حساب كل صغيرة وكبيرة تجنبًا لأي زلل أو أو خطأ أو زيغ.

ومع الاشتياق إلى البهجة التي غابت وإلى قليلٍ من الراحة التي لم تعد متاحة منذ وقتٍ طويل قد لا نجد مفرًّا من تقديم بعض التنازلات التي نعلم أننا سندفع ثمنها في المستقبل، وأنها لن تكون بدون مقابل بل ستسبب لنا الكثير من الضرر. وبسبب التعلق بالمتع العاجلة مثل الأطفال الصغار نتناسى أننا قد تخطينا مرحلة الطفولة تلك وأصبحنا ناضجين؛ ومن ثم علينا أن نتعلق بمنافعنا الباقية حتى لو ضحينا من أجلها بمتعنا التي تحمل لنا اللذة الظاهرة المؤقتة وتخفي لنا الندم والتحسر الدائميْن.

فإذا بلحظة الإفاقة تداهمنا مثل الصاعق الكهربائي الذي إذا ما أصابتنا صعقته فسترتجف كل خلايا أجسادنا دفعة واحدة كي تستعيد قوتها من جديد فنستأنف نحن حياتنا التي ربما كدنا أن نفقدها بسبب غفلتنا التي غرقنا فيها بمحض إرادتنا. فماذا لو لم تأتنا تلك اللحظة المنقذة والفارقة في حياتنا؟ وماذا لو أتتنا فتجاهلناها بكل حماقة ولم نستجب لها في الوقت المناسب؟!

إن الباطل قد قُدِّر له ألَّا يتفرد بالوجود وحده دون أن ينازعه الحق في كل مكان يوجد فيه، ومهما كان صوت الباطل مدويًا ونفيره مزعجًا فإن صوت الحق مهما كان خافتًا فلابد أن يُسمع له أي همس. وكذلك الخطأ يظل ينازعه الصواب في الوجود أمامه بكل قوة وعلينا فقط أن نميز صورة وصوت كل منهما. فهل تكفينا فقط رغبتنا الصادقة في تمسكنا بحريتنا الواعية في أن نحسن الاختيار من جديد فنقوى بذلك على الانتباه من غفلاتنا، أم إننا سنظل دائمًا في حاجة إلى هداية خالقنا الذي سوَّانا فعدلنا كي نميز بين الخطأ والصواب وبين الحق والباطل فنتغلب بذلك على أهوائنا ونزواتنا؛ ومن ثم تكون لدينا القدرة على الإنصات مرة أخرى لصوت العقل والضمير؟!

إننا في هذا العالم المليء بالأكاذيب والحيل والنفاق والخداع لا يمكن أن نكتفي بأنفسنا مهما كنا أقوياء أو أصحاب بصيرة وحكمة، بل لابد لنا من مُعين وسند نتوكل عليه في وقت ضعفنا كي نستعيد قوتنا، وكذلك في وقت قوتنا كي نحتفظ بها لأطول وقتٍ ممكن. وآنذاك لابد لنا أن نلجأ إلى بارئنا ومصورنا وأن نستعين بالقوي الذي لا يصيبه ضعف أو وَهَن كي نتمسك بحبله المتين فإذا ما أخلصنا في الاستعانة به وحده ولم نطلب العون والمدد من سواه فلن تتفلت أيدينا لأي سبب، ولن نسقط دون قدرة على العودة إلى الوقوف بثبات مرة أخرى.

لذلك مهما كان تعب القلوب مُجهِدًا لنا، ومهما كابدنا من معاناة وألم في رحلة الحياة فلا يجب أن نسمح بأن يشغل المكان الفارغ من هو ليس جديرًا بشغله؛ بل إنه بالرغم من وحشة ذلك الفراغ إلَّا أن ذلك سيظل أفضل كثيرًا من أن يشغله من لا يستحقه ومن هو غير كفءٍ له ولن يُقدِّر قيمته. فلنحافظ إذن على اختيار الشخص المناسب في المكان المُعَّد له، وحتى لو اضطرتنا الظروف إلى اختيارٍ خاطئ فهذا لا يعني ألَّا نصحح خطأنا في أسرع وقتٍ ممكن قبل أن نفقد قدرتنا على الاختيار بحرية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.