* نص الكلمة التي أعددتها للندوة التي شاركت فيها أمس بمعرض الشارقة الدولي للكتاب.: المؤلف بين الواقع والروائي*

المؤلف بين الواقع والروائي*
ناصر عراق
بالنسبة لي، لا توجد متعة أكبر من ابتكار عوالم وأحداث وشخصيات تتفاعل مع بعضها بعضًا على الورق، إذ يعد الإقدام على كتابة رواية جديدة بمثابة الإبحار في نهر من الطرب والسرور، فما أجمل أن ينشئ الكاتب عالمًا يتكئ على بنيان من خيال… خيال جامح… ملتهب… متدفق… لكنه الخيال الذي ينهض على واقع ما، حتى لو كان كان هذا الواقع يطل علينا من شرفة ذكريات شاحبة أو أمنيات قلقة أو آلام غير مرئية.
يستجمع الروائي الجاد الموهوب في لحظة الكتابة ما مرّ بعقله ووجدانه من أفكار وآراء ووقائع أثّرت فيه وانفعل بها، كما يأتنس كثيرًا وهو يستخرج من ماضيه ما يكفي من أجهزة نفسية لشخصيات عديدة احتك بها أو تفاعل معها سلبًا وإيجابًا. هذا المزيج العجيب من الأفكار والأحداث والشخصيات هي المادة الخام التي يعكف عليها المؤلف بموهبته وخياله ودأبه ليشكّل منها عالمًا موازيًا، لا يمت للواقع بصلة مباشرة، لكن ثمة خيط رفيع قد لا يرى بالعين المجردة يربطه بهذا الواقع. والنجاح يتحقق فقط إذا استطاع هذا العالم الموازي (المُخترع) شديد التكثيف أن يشحن القارئ بطاقة مبشرة تجعله يقنع بأن ما يطالعه قابلا لإمكانية الحدوث فعليًا.
الأسلوب… القوة الكامنة
يجب أن نؤكد أن كيفية التعامل مع اللغة ستظل هي الحاكم الأخير في نجاح الروائي فيما يصبو إليه، وما يطرحه من أفكار ورؤى روائية، فالكاتب الفرنسي جورج بوفون (1707/ 1788) يقول عن حق: (الأسلوب هو الرجل)، والأسلوب، باختصار، هو معمار لغوي قابل للاحتشاد بالفكر والإيقاع والجمال، فكيف ينشئ الروائي المعمار اللغوي الخاص به؟.
في ظني أن من المهام الكبرى الرئيسة لأي روائي لديه مشروع خاص أن يبتكر أسلوبًا جديدًا قادرًا على إثراء العقل بقدر ما يهب القارئ المتعة المنشودة من كل نص مكتوب. وعليه يتعجب المرء عندما يطالع بعض الأعمال الروائية ذات الأساليب الباهتة الخالية من الشرارة المشرقة للأسلوب الطازج الثري، ويتساءل: لماذا لم يتعب الكاتب نفسه في استيلاد أسلوب خاص به قادر على الجذب والإمتاع؟.
أتخيل أن الأمر يعود إلى شحوب العلاقة بين بعض الكُتّاب وبين اللغة العربية الفصحى، وأذكر أن الروائي الراحل بهاء طاهر قال في ندوة خاصة بروايتي (تاج الهدهد) جرت وقائعها في مقر مكتبة ديوان بالزمالك عام 2012: إن على الروائي أن يمتلك لغته بشكل كامل ويطورها كي يستطيع أن يقدم لنا عملا مميزا، وأشار بهاء إلى أن النجّار لا يمكن أن يصنع منضدة جيدة دون أن يمتلك الأدوات اللازمة من مسامير وشاكوش ومنشار إلى آخره، ويتقن في الوقت نفسه استخدام هذه الأدوات بكفاءة.
استدعاء الروائي
هل يكتب الروائي نفسه أحيانا بقصد أو بدون قصد؟.
هذا سؤال مهم، وأتخيل أن بعضًا من (تراث) أي روائي مبثوث في ثنايا رواياته، حتى وإن لم يقصد أو يعي ذلك، والمقصود بـ(التراث) هنا يتمثل في تاريخ الروائي، طفولته وصباه وشبابه، وأفكاره وأحلامه وثقافته ومعارفه ومهاراته إلى آخره، فلا يمكن للمرء أن يتنكر لـ(تراثه)، أو يتجاوز أحداثه، حتى لو أطل هذا (التراث) من نافذة مهترئة في شقة عتيقة داخل بناية آيلة للسقوط! إذ سيظل (تراث) الروائي سوطا يطارده بأشكال شتى حتى تنسكب تلك الأشكال على الورق بصياغات خاصة، فقد يلوح هذا (التراث) في واقعة ما حدثت له أو أمامه، أو فكرة شغلته أو أرّقته، أو ينبثق ذاك (التراث) في سلوك شخصيات سمع عنها أو تعامل معها، ولكن على خيال الروائي أن يضيف ويحذف ويكوّن ويؤسس ويكثف ويبتكر من ذلك (التراث) نصًا منطقيًا محكم البناء قابلا للإقناع والإمتاع.
في كتاب (المنتمي… دراسة في أدب نجيب محفوظ) للناقد الدكتور غالي شكري يعترف صاحب نوبل 1988 قائلا: (أنا كمال عبد الجواد) وهو البطل الحائر في ثلاثيته الشهيرة، وبالطبع، فمحفوظ لا يعني أن شخصية كمال نسخة متطابقة منه، وإنما يشير إلى أن جوهر كمال عبدالجواد مستلهم من طور ما من الأطوار الحياتية التي عاشها نجيب محفوظ.
كما أن الروائي الكولومبي موفور الصيت جابرييل جارسيا ماركيز يقول في مذكراته (أن تعيش لتروي) إن شخصيات روايته الجميلة (الحب في زمن الكوليرا) مستوحاة من تاريخ أسرته شخصيًا. أي أن اثنين من أعظم من كتب الرواية في القرن العشرين أقرّا بأنهما افتبسا من ماضيهما، أو (تراثهما) ما يصلح لحياكة رواية عصرية آسرة وجميلة.
إذن، لا عجب ولا غرابة في أن تسيل مياه تاريخ الكاتب وتراثه بين سطوره وكلماته، وقد امتلأت بعض رواياتي بالكثير مما عبر بحياتي من أناس ووقائع وأفكار وأحلام وأوهام، بعد أن عجنت كل ذلك بخبرات الكتابة وخمير الخيال، طامعًا في أن أفوز بثقة القارئ وإعجابه، وهو فوز لو تعلمون عظيم.
 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.