قراءة في نثرية الشاعرة مرشدة جاويش بقلم الناقد التونسي حاتم بو بكر

قراءة في نثرية الشاعرة:
مرشدة جاويش

بقلم الأستاذ: حاتم بوبكر
النثرية:

#عُش_الوَهم

كلّمَا اغْتَصَبَكَ قَلْبِي بَعِيْداً..
فِي أَرْوِقَةِ الْذَات التَوّاقَة للْفَجْرِ
عَاقَبَنِي الحُزْنُ بِارْتِكابِ الغِيَابِ المُرّْ
نَعِيْباً..
يُدَمْدِمُ فِيْ سُرَادِقِ رُوْحِي..
وَفِي تُرَابِها السَحِيْق
شُرُوْدٌ مُعْتِم النَظَرَاتِ
(لِوَطاوِيْطِ) نَعْشِ الذُكُوْرَةِ
الْمُعَلّقَةِ عَلى جِدَارِ وَجْهِي..
كَشِتَاءٍ طَوِيْلٍ يَشْوِيْ كَسْتَنَاءَ الْحَقِّ بِنَارِ الْوَاجِبْ..
يُعَرّي سُكُوْنَ أَيّامِي مِن احْتِلالِ وَجْهِكَ
لِخوَاءٍ عِنْدَ مَثْوَاهُ الأَخِيْرْ..
دُوْنَما ذَنْبٍ سِوى عُشْقِي تُرَابَاً..
مِنْهُ نَزَّ الْقَلْب نَبْعَاً مِنْ حَنِيْن..
وَنَخِيْلٍ أَحْنَتِ الأَيّامُ هَامَتَهُ
حَتّى انْكِسَارِ الأَرْض..
لاثَأْرَ جُرْحٍ
إِنْ كَانَ أَحْدَثَهُ الْعَدَم
إِلاّ الصُرَاخَ وَغَيْرَ تَجَلّدِ الْآهَاتِ
فِيْ عُشِّ الْضُلُوْع
يَغْتَالنِي جُنُوْنٌ يَعْجِنُ رَمَادِي بِوَهْوَهَةِ الْنَار..
فَتَنْتَشِي الأَبَاطِيْلُ
وَحَدِيْثُ الْحَرِيْقِ الْطَاعِن بالْسِنّْ
وَزُهُوْرُ الشِعْرِ تُدَاسُ
بِأَحْذِيّةِ الشَوْكِ الْمُثْقَلِ
بِفخَاخِ العُمرْ
تَبْتَهِلُ لِنَزِيْفِ العِطْرْ
تُكَفّنُ شَمْسِي بِالإنْكَارِ
لِيَرِفَّ سَرَابِي فِيْ غَابَاتِ اليُتْمِ الأَحْمَر مَمْسُوْحِ الْقَسَمَاتْ
كَفرَاش (العثِّ) بِلَيْلٍ دَوْنَ نُجُوْمٍ أَوْ طُرُقَاتْ
يَتَسَاقَطُ ظِلّي عَلى قَشِّ الْوَهمِ نَحِيْباً يَسْأَلني:
أَيْنَ ذُكُوْرَةُ فَجْرِكِ
فِيْ مَاهُو آتْ

مرشدة جاويش

القراءة:

في العتبة:
العنونة مركبة من مدلولين متنافرين لا يجتمعا في الدلالة، مفهومين لا يتناسقان إلا عبر انزياح يهرب بك من المباشراتية زاجا بك في الحقول الهارمانوطيقة وفي منطق الحيرة والدهشة.
دهشة قصيد أو زلزلة شبه الهبة التي تصيب الشعراء لحقتني وأنا أقرأ واعيد . استوقفتني العنونة وحملتني على التأويل إذ كيف للوهم او للتشويه الذي تحدثه الحواس و يشوه الحقيقة أن يبني وكرا أو ان يجعل الذات تقيم فيه وهو يقيم فيها حد تلاشي الأنا و انصهاره فيه وتماهيه معها؟ ألا يصير الوهم كما في الفلسفة الهندوسية غير واقعي و في الحين ذاته مزيفا وغير حقيقي، وهما يكف عن أن يكون وهما ويصير واقعا رغم كونه مزيفا ؟ أليس هذا كشفا لحالة ذات يؤرقها أنا آخر / وطن صارت ترى فيه الوهم واقعا رغم زيفه، وهما بنى وكره ومقاما له واستوطن ذاتا تحاول نزعه والفكاك منه وهو يأبى، وهما استحال واقعا حد انكسار الشاعرة وانحناء النخيل، انزياحا يلقي بك في أتون دهشة، يُدهشك ويؤرقك ويستفزك ويحفزك، فماهي تجليات هذا الادهاش ومسوغاته وهل تحقق ذلك في مستوى الكلمة والصورة والمعنى؟

في النثرية:
تستهل النثرية برابطة منطقية تحيل على اصرار الشاعرة على محاولة انتزاع الغير / الوطن من الأنا و الأنا تأبى وتعجز والغير يثب ويقفز فوق الأنا بما يتركه فيها من أثر سوداوي، بدت سيزيفية تنازع وجود الآخر / او غيرية حميمية وتعمل على استئصالها قصد الظفر بالراحة في المكان البديل غير أنها بقدر ما اغتصبت الغيرية الحميمية منها بقدر ما عرّس الحزن في جوانيتها، في عمق الذات و في حديقتها السرية. إنّ تقصد تغييب الغيرية الحميمية خطيئة يُعاقب عليها القلب والقاضي هنا هو الحزن و الحكم هو النعيب. تستحضر هنا شاعرتنا مشهد محاكمة ذات تناست وطنها دون أن تنساه، تعمدت تناسيه ولكنها لم تفلح، إن فعل التناسي خطيئة وعصيانا وأقل ما يعاقب به المرء هو النعيب وهو شدة البكاء. لفظة النعيب عادة تطلق على صوت الغراب و البومة، بومة لا تأتي إلا في الليل لنعي عالم/ او وطن او ذوات حزينة تعاقر الحزن خمرة وتشرب ثمالته.
إن تعمد تغييب الغيرية الحميمية ينجر عنه استيطان الحزن بالذات وإلتذاذ الإقامة أي تسودها التريستيسيا وتغادرها الألتيسيا أو المتعة فماهي تمظهرات الحزن والألم في النثرية؟
إن هذه الوضعية النفسية الإحراجية المأزقية ألقت بالذات في أتون من الغربة الروحية حيث التململ والتوجع والشرود المظلم ولعله يُحمل هنا على معنى الاستلاب وفقدان الذات لذاتها وسكونها، علة هذا الشرود “الوطاويط” وهي حيوانات سوداء لا تخرج او لا تغير إلا في الظلمة والخفاء وهنا يتجلى الوجه النقدي للنثرية. تتبدى شاعرتنا حاملة لغيرة على وطن هي منه، وطن حلت به جماعة لا تعرف من الأكسية غير الحزن ومن العناوين غير الكراهية والموت، وطاويط تقول عنها ” علقت على جدار وجهها” لأنها صارت بلية لها ولكحل هي منه، بلية تمنعها من الحلول والتماهي مع الوطن وتذهب شاعرتنا في تأكيدها على أفاعيل هذه الوطاويط إلى أنها التبست بوجهها وصارت بمثابة السواد الحاجب لزينتها وفرحها، وطاويط تخفي الحقّ و تستره بواجب من صنعها، هنا تتجلى براعة شاعرتنا وانتقائها للمفاهيم ذلك ان الحق هو ما يقره العقل ويرتضيه أما الواجب فهو ذلك القيد المفروض الذي ليس بمستطاع الذات الفكاك منه وعادة ما يرتبط بما هو أخلاقي لكن هنا يرتبط بما هو ديني صنعته وطاويط هذا الزمان ، وطاويط نتأت من ليلها وحولت النهار إلى ليل دامس مات فيه الحب والجمال والفن واكتوى فيه الوطن بنار الفجيعة ففقدت السكينة والسكون واستحالتا اضطرابا بل وهلوسة وتشيؤا للذات حد الغربة عن ذاتها وعن وطنها.
إن الهالة السوداء المقيتة التي استوطنت شاعرتنا وقطنتها لم تكن مسؤولة عنها بل فُرضت عليها فرضا وباتت تعانيها وتألم منها، لا ذنب لها فيما يحصل ولا خطيئة ارتكبتها سوى عشقها لتراب او لكحل ووطن رأته كل أناها ومحور وجودها وكينونتها إذ من ترابه كان دمها ومن طينها كان جسدها ومن عريشه كانت رائحتها.
نثرية فائحة بحب الوطن رغم الغربة وبالوفاء والولاء رغم انتشاء الاخلاف، المعاناة والانهمام والاهتمام تبرج على دوال شاعرتنا والألم والسواد والجراح ساحت على مفردات الجراح النثرية، حزن على وطن انكسرت كبريائه وترنحت عذريته وحضارته حتى لامست الأرض بل واستوت معه، وجع على وطن انكسر بعد انتصاراته ، وضع جعل القلب ينزف جراء حالة انتشت فيها العدمية والعبثية ولا ثأر ممكن منهما… لم يتبقى لها سوى النزيف ونزيف القلم.. لم يتبقى لها غير الصراخ والعويل. صارت الأنا رمادا يكتوي بنار الاحتراق وضع زج بها في سرادق الجنون وشدة الاضطراب.

تجند الشاعرة الصراخ الداخلي والصبر كآليات للتصدي إلى عدمية الموجود المتصابي ولمأساوية وضعها وللحرائق التي طالتها من الغيرية حدّ ان الفرح والانتشاء انتفى من كلِمها وباتت شحنة السواد طوفانية تخزل الحروف بل تُصّعد وتحول الحزن والألم العَمِيمين اللامبصرين عبر انزياح فريد إلى أحذية تدوس أكاليل أيامها وبهاء وجودها وزينة دوالها، أحذية منتشية بمصابها وحالها وتعمل على ستر نورها وإخفاء هالتها بما تُحيكه من دسائس وما ينثرونه من شوك وحسك وهنا تحضر صورة المرأة الموزّعة بين الواجب والحق، والمضمّخة بأوجاع وطن سكنته الوطاويط وازدحمت على شفاهه معربدة حاملة لعناوين الموت وألم طال شاعرتنا والتبس بها حتى استشعارها أن حلمها بالغيرية حلما في عالم يتيم و هو اليتيم الفريد، حلمها بات كفراش العث أو البق تتغذى على دماء القلب، فراش فقد ألوانه و صار يعاشر الظلمة والسواد حتى صار سؤال الذكورة سؤالا ملحا وكأن الأفجار صارت أنثى وفقدت العناوين الذكورية وصار المستقبل محل تساؤل وهي التي لم يتبقى منها سوى بقية باقية من إنسان.
اوفت النثرية بالتساؤلات التي فرضها الازياح القائم في العنوان بلغة راقية كانت فيها الشاعرة قادّة للحرف وللكلم ، زانتها انزياحات مارست من خلالها فعالتي الاظهار والاخفاء كما تخللتها صورا جميلة رغم قتامتها وتشبيهات دقيقة، نص يجمع بين الواقعية السحرية وبين الخيال المفرط تمظهر في الصورة، كشفت عن ذات تعاني الغربة والغرابة وتتقيأ الوجود حد الغثيان والسواد ورغم هذه الصورة المأساوية نلمح تجلدها وصبرها على عناءات الموجود ووقفتها الشامخة امام الآخر الجحيم وأملها في الفرح والامتلاء. النص ماتع، طغت عليه مسحة استيطيقية تذهب بك إلى لغة العرب القدامى حيث الاختزال والابلاغ ووفاء اللفظ مع زيادة حداثية كمنت في طرافة وبلاغة الانزياحات الموظفة.

حاتم بوبكر
تونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.