عبود عبد الشفيع .. بقلم : محمد عاطف سلامة

(عبود عبد الشفيع)
لما كان التفكير على أَشُدهِ لدى الجهات المَعنية بالحكومةِ المِصرية، أيام فترة حُكم الرئيس الأسبق السادات، وما تلاها من فترة حكم طويلة للرئيس مبارك، في عمل ظَهير صحراوي لبعض المحافظات الصغيرة من حيث المساحة، فقامت هيئة المجتمعات العمرانية على ذلك وبقرار من الرئيس السادات نفسه، وكان من نصيب محافظة المنوفية التي تُعاني من كثافتها السكانية العالية، رغم أنها تمتاز بنسبة التعليم المُرتفعة بين أبناءها، مما يَكفُل لمعظمهم الانتشار والحصول على بعض المناصب المرموقة بالدولة المِصرية، إلا أن تلك المحافظة تعاني من النُدرة الشديدة في رقعة أرضها، فلقد تم التفكير في عمل ظَهير صحراوي لها وإعماره فَيُصبح امتدادً وحل لمشكلة التكدس السُكاني، من خلال إنشاء مدينة صناعية زراعية بِحضن الصحراء الجرداء، والتي لا نبت فيها ولا ماء وتم إطلاق مُسمى عليها “مدينة السادات”، إلا أن تلك المنطقة تقع بزمام محافظة البحيرة، تلك التي تُعد ضمن أكبر عَشرِ محافظات على مستوى محافظات الجمهورية والتي تبلغ سبعة وعشرون من حيث حجم المساحة الكبيرة، وبما أن المدينة المُزمع إنشاؤها تقع بالمنطقة الوسطى ما بين القاهرة والأسكندرية، وتمثل رِئةً ثانيةً وظَهيراً صَحراوياً و (إكستنشن) لمحافظة المنوفية لمتاخمتها لها، فلقد تم ضم تلك الأراضي الصحراوية لها إدارياً، مما أثار حَفيظة وغضب بعض الأهالي المُتاخمين لتلك المنطقة والذين يَتبعون لمحافظة البحيرة من الناحية الشمالية، فلقد اعتبروا أنه تم اقتطاع جزء من أرض محافظتهم لضمهُ لمحافظةٍ أخرى، رغم أن الأرض لهاتين المحافظتين تقعا ضمن أرض مصر المحروسة ……..
إلا أنه ومع مرور الوقت تبدد هذا الغضب نِسبياً، ولحسن حظ قريتنا وقُرى مُجاورة أن انتفعت بهذا الامتداد العُمراني، حيث تقع القرية على الخط الرئيسي الواصل لتلك المدينة الناشئة الناهضة من الجهة الشرقية من ناحية طريق مدينة شبين الكوم، التي تُمثل عاصمة محافظة المنوفية، فغادر إلى تلك المدينة بعض الناس من قريتنا أيضاً شأنها في ذلك شأن معظم باقي القُرى المجاورة لها من جميع الجهات، للحصول على فُرص للعمل بالمصانع، أو الوِرش أو العمل بالمزارع التي أقيمت أو تُقام، أو استصلاح الأراضي أو إنشاء مزارع للاستثمار من قِبل بعض المُقتدرين، ومن ثم السُكنى والعيش بها كمكان آخر أفضل بتلك المدينة .
وكان ضمن الذين هَجروا قُراهم وغادروها لتلك المدينة البِكر، المدعو عبود عبد الشفيع الذي كان مازال شاباً يافعاً صغيراً، فذهب نظراً لِضيق رزقه بقريتهم وانعدام فُرَصهُ المعيشية بها، غادرها ومن ثم استقر بتلك المدينة الناهضة، ولم يَعُد بعد لقريته الأم مرةً أخرى، وذلك نظراً لأن ظروف عبد الشفيع ليست على ما يرام مثل الباقين، فليس لديه مايملكه أو بالأحرى ليس لديه ما يبكي عليه، كما أنه لا يملك مؤهلات عِلمية أو حتى لديه مِهنةٌ يمتهنها، سوي أنه يُكترّىَ للعمل عن طريق العِمالة باليومية في البناء أو الزراعة أو الحَصاد، فلقد عمل وعاش واستقر، ثم تزوج وأنجب أطفاله الذين أصبحوا فيما بعد ثلاثة صٍبيةٌ، فدفع بهم للتعليم بالمرحلة الابتدائية ثم انقطعوا وتسربوا فلم ينالوا من التعليم نَصيباً مَوفوراً، مُبرراً الأب مَرجع ذلك أنه ليس لديه فائض مادي يساعده على أعباء التعليم، فمارسوا ماكان يمارسه أباهم، وهو الذهاب لسوق العِمالة اليومية يتم اكتراءهم، سواء لأعمال زراعةٍ أو حَصاد مَحاصيل، أو أعمال حفر أبار، بناء، تحميل، تنزيل بضائع بسوق المدينة ..إلخ .
ولقد ظل هكذا الأب يسرح، ومعه أولاده الصِبية يعرضون أنفسهم بسوق العمل، فيتوزع كلٌ منهم لحال سبيله، ومن ثَمَ يعودون في العَشِيَةِ ليجدون الأم وقد أعدت لهم الطعام والشراب، واستمر الوضع على هذا المِنوال، إلى أن مرت الأيام وكبر الأبناء الصِغار المُتلاحقين بالأعمار، والذين ساهموا في خوض غِمار المَعيشة، إلا أن الوالدين أثر عليهما سنوات الشقاء الممزوج بالغباء ، رغم أنهما لم يكونا طاعنين بالسن، فماتت الأم وربة البيت وعمودهُ، فيطرح الصِبية الثلاثة معاً على أبيهم فِكرة زواجه من أخرى لتخدمهم وتفتح البيت، فيرفض الأب مُعللاً ذلك بعدم رغبته في الاقتران بالنسوان وبغير أمهم بصفةٍ خاصة، وأنه يُفضل العَيش بمفرده، فطالبوه أن يَمكث ويظل بالبيت ولا داعي أن يعمل معهم وقد آن الأوان ليرتاح، فيقتصر عمله على إعداد الطعام والشراب للجميع.
وبعد أن أصبحت “مدينة السادات” ذات شُهرةٍ واسعةٍ، لمصانعها الكثيرة التي تنوع فيها الإنتاج ومزارعها الضخمة أيضاً، وكذلك جامعتها العلمية والتي ازدحمت المدينة بتنوع الكليات الجامعية بها، والتي يلتحق فيها الطلاب بشتى التخصصات الجامعية، حيث تقبل الجامعة بكلياتها الحاصلين على درجات أقل قليلاً نسبياً، عن تلك الكليات المُمَاثلةُ لها بعاصمة المحافظة والقريبةٍ من بيوت الطُلاب ومحل سُكناهم واقامتهم مع ذويهم، فجذبت تلك المدينة إليها طلاباً كُثر ومن مناطق شتى، ومن ثم بدأوا بالبحث عن أماكن للإقامة بها للدراسة فانتعش سوق السكن والشُقق والمحلات والمطاعم والكافيهات ، ….إلخ وأيضاً سوق العِمالة لمن يريد الحصول على فُرصةِ عمل بها .
وذات مرة تقابل أحد الشباب من طَلبةِ الجامعة من أبناء إحدى القرى المجاورة، وبسوق المدينة مع المدعو عبود عبد الشفيع ولم يكن له سابق معرفةٍ به، حيث كان يسأله قَدرّاً عن عنوان سكن معين، فتعرفا على بعضهما البعض وعرف أنه ينتمي لذات قريته الأم، فعرف عبود هذا الشاب مَن يكونَ أبواه وأهله وذويه، ثم أخذ يطمئن على أحوال قريتهم الأثيرة إلى قلبه، وبالتالي سأله الشاب مُجاملاً إياه عن أحواله، فأخبرهُ عبد الشفيع أنه بخير والحمد لله، شارحاً له كيف ارّتَقى ذُرَّىَ المجد فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا، فلقد أخبرني هذا الشاب، والذي ربطتني به علاقة عمل لاحقاً، أنه كان مَشدوهاً مُنصتاً له، وهو يعرف منه أنه بعد وفاة السيدة زوجته، لم يتزوج بعد المرحومة الغالية بالطبع، وفاءً منه لذكراها العَطِرة، فهى التي تحملت وكانت “تُكْتَرَّىَ” معه وعاشت على الحلوة والمُرة، حيث عانت آلام الغُربة بالصحراء وشظف العيش، قبل أن تُصبح المدينة على هذا الوضع من الأُنس والوَنس، فبالتالي لم يقبل بالارتباط بغيرها، ولم يُلَبِّي رَغْبَةَ أَبْنائِهِ في زواجه ومكث بالبيت يقوم على تدبير المعيشة، فيقوم على غسيل ملابسهم جميعاً بالغسالة الأوتوماتيك، والذهاب للسوق لِينظر ماذا يَرى لِيُعد لهم طَعام وطَبق اليوم، وكان اللهُ بالسِر عَليم ………..
فيأتي الأولاد بعد الانتهاء من عملهم، ثم صمت فجأة عن مواصلة الحديث، رافعاً أَكُفَ الضَرَّاعةُ للسماء داعياً الله عَزَّ وجَلّ أن يُبارك لهُ في أعمار أولاده ويحافظ عليهم ويحميهم لشبابهم، حيث لم ينسوا أباهم أبداً ببرهم وحنانهم وعطفهم عليه، فَيُحضرون له يومياً معهم عند عودتهم من العمل “علبة الدخان” السجاير بتاعته ومعاها بفضل الله تعالى “لفة البانجو” المُحترمةُ !!!!
ويتناولون الطعام مع الشاي المُعتبر ويَلِفْ هو والعِيال السيجارتين وخَلاص …..
فَرَّك الشاب أُذنيه لشعوره باِصْطِدَامُهُمَا، واِرْتِطَامُهُمَا بهذا الكلام وعَلت الإندهاشةُ جَبينهُ وأصاب الذهول باقي وجهه، وأصاب أنحاء جسده قشعريرة، كل ذلك وعبد الشفيع مَشغولاً بتقبيل كِلتاَ يديه من الوجه والظهر ويتضرع إلى الله ثانيةً، سائلاً المولى عز وجل أن يرضى عن أبناءه ويُكافئهم لبِرِّهم لأبيهم، فلم يَعُد له حاجة بتلك الدنيا الفانية، وبات قانعاً راضياً حامداً شاكراً وربنا يديم “كوباية” الشاي الثقيل ذات الخمس “ملاعق” سكر والنَفَسّ الدُخان و”تَعميرة” البانجو ، مُعتبراً ذلك ومُشدداً عليه أن الدنيا تبقى ” لسه بخير “، واللهم لك الحمد والشكر ………………..
من كتابي ( نبضات الذكريات )
الجزء الثاني
بقلم / محمد عاطف سلامة
كاتب وشاعر وقاص من مصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.