أشرف الريس يكتُب عن: ذكرى ميلاد استيفان روستى

هو ” بارون السينما المِصرية ” و ” الكوميديان الشِرير ” و ” الاُرسْتُقْراطى المُتَمّيز ” و ” الشرير المُْبتَسِم ” و ” إبن القُنصل ” الفنان الكوميدى الكبير و القدير ( استيفانو دى روسيتى ) الشَهير باستيفان روستى ” ذلك المُمّثِل خَفيف الظِل الرائِع الذى احْتار كاتِب هَذه السُطور أشّدْ الحيرة فى تّقْديمِه بِمُقدِمةٍ تّعْريفيةٍ له تَليق بِه فمّن الذى لا يَعرفُ استيفان روستى الذى أصْبَحَ واحدّاً مِن أبناءِ كُلِ اُسرة و بيتٍ و شارع بعدما أضحى اسمَهُ يَجرى على شِفاهِ و لِسانِ كُلِ الناس بِسَهولةٍ مُذهِلة لما أداه مِن أدوارٍ سينمائية خالِدة وَصَلتْ بِه الى قِمة الصِدقِ و العَطاءِ و النَجاحِ مِن البِداية الى القِمة و مِن مِنا أيضّاً يَنسى « الشرير الظريف » أو « الكونت دى روستى » الذى أشاعَ الابتِسامَة على مَدى سَنواتٍ عَديدةٍ بعد أن جَمَعَ بين أدوارِ الشرِ و أدوارِ الكوميديا فكان يُقّدِمَ اللّونين مَعّاً فيَمْزج ما بينَ الشَرَ و الكوميديا فاستحقَ لقبَ « الكوميديان الشرير » بعد أن أضحى أحد مَشاهير سينما الأبيض و الأسود المِصرية و أحد أيقوناتِها فى الفَترة مِن أوائل عِشرينيات حتى مُنتَصف ستينيات القَرنِ الماضى بعد بَراعتِه فى تّقْديم أدوارِة بطريقةٍ كوميدية عَشقها الجُمهور ليّصنعَ لنَفسِه بّصمةً مُمّيزة لا يُنافِسه أحد فيها حتى الآن و الحقُ يُقال أن استيفان روستى كان صاحبَ تّركيبة فنية خاصة به يَصعب أن تَتَوافَرَ فى فنانٍ آخر حَيث امتلك سِر هذه الخّلطة و أبدعَ فى تّقديمها للمُشاهِد الذى لا يُمكن أن ينسى تَعبيراتَ وجْهِه و تّقَمُصَهُ لأدوارِ الشرِ بِشكلٍ مُختلفٍ تماماً عَن أى شِرير فى السينما فهو مّدرسة خاصة فى السينما المِصرية و كان مِن ضِمن الأجانب الذين أكرمت مِصر وفادتهم حَقَ التّّكريم و أكَرَمَ هو مِصر بِفنه الجَميل الذى تَمَثّلَ فى أدوارِه الرائِعة التى كانت و مازالت و سَتَظلَ مُتّربِعّة فى قُلوبِ الجُمْهور إلى يومِ يُبْعّثون .. وُلد استيفان روستى مِن أمٍ إيطالية و أبٍ نِمساوى فى 16 / 11 / 1891م و كان والده دِبلوماسيّاً يعمل سَفير النِمسا بالقاهِرة و انفصل عن والدة روستى بِسَبَبِ المَشاكِل التى قابلَت عَمَلَهُ الدبلوماسى فإنتقل روستى للعَيش طِفلاً مع والدتِه الإيطالية و التّحَقَ بمّدْرسة رأس التين الإبتدائية إلى أن تَزّوَجت والدته مِن رجلٍ إيطالى كان يُعامل روستى مُعامَلةََ جافة ما جَعَلَهُ يترُك المَنزل فاراً مِن هذا الرجُل المُتَعّجرِف حيث عَمِلَ لفترة بائعاً للتين الشوكى ! كى يستطيع مُجابهة أعباء الحَياة و ذات مّرة أثناء سَيره فى أحد الشَوارع التى كان يَهيم فيها بَحثاً عَن عَمَلٍ آخر شاهَد إعلاناً عَن حَفلاتٍ سَوف تُقيمها فِرقة عَزيز عيد المّسرحية و تّطلُب فيها الاسْتِعانة بمُمّثلين جُددْ فراحَ روستى يَسأل عَن عَزيز عيد لعلُه يجد لديهِ عَملاً و دخل المّسرح و ظلَ يُحاول إلى أن تَمْكّنَ مِن مُقابلتِه و اُعجب عَزيز عيد بشجاعَتِه و إتقانِه للُغة الفرنسية ثم إزداد إعجاباً به عندما إكتشف أنه يُتقن الإيطالية أيضاً و يتحدثها بطلاقِة فَقّرَرَ أن يَضُمه الى فِرقته و يتعّهده برعايته و مِن هُنا بدأت رِحلة استيفان روستى مَع المّسرح بعد أن حَظىَ برعاية كامِلة مِن عَزيز عيد جَعلتهُ يَحتلَ مَكانّة مُتمّيزة بِسرعة لكن آماله و طُموحاته لم تكن تتوقف عِند هذا الحَد فحاولَ الانضِمام الى فِرقة نَجيب الريحانى لكنهُ لم يجد بها الفُرصة المُناسِبة فقرَرَ بَعدها أن يُسافِر إلى النِمسا بَحثّاً عن والده ثم إلى فرنسا و ألمانيا و أثناء ذلك عَمِلَ راقصّاً فى إحدى ملاهى برلين و بالمُصادَفة التقى بالمُخرج ” محمد كريم ” الذى كان مازال يَدرُس الإخراج السينمائى فى ألمانيا و تَعرّف على الفنان ” سراج مُنير ” الذى هَجَرَ الطِبَ ليتّفرغ لدِراسة الفن ! و قرر روستى أن يّلتحِقَ بِنفس المّعهد ليدرِس التّمثيل دراسة أكاديمية و بَعد أن أكمَلَ دِراسته عاد إلى القاهِرة و التقىَ بالمُنتِجة ” عَزيزة أمير ” التى انْبَهَرّتْ بِثقافته السينمائية الكَبيرة و أسْندت إليه مُهمة إخراج فيلم ” ليلى ” كما التقى روستى بالمُخرج السينمائى ” إسلام فاروق ” و قّدّمَ مَعه فيلمين فقط لينطلِق قِطاره السينمائى حتى وَصَلَ عَدد الأفلامِ التى شاركَ فى تّمْثيلها و إخراجِها إلى 380 فيلمّاً سينمائيّاً على مَدى أربعين عامّاً و هى عُمره الفنى كـله كان مِن أشهَرِها ” البَحر بيضحك ليه ” و ” عنتر أفندى ” و ” إبن البلد ” و ” جمال و دلال ” و ” إنتصار الشباب ” و ” سَلامة فى خير ” و ” نشيد الأمل ” و ” ليلة مُمطرة ” و ” حُب و دموع ” و ” عاشق الروح ” و ” طريق الشوق ” و ” حلال عليك ” و ” كدبة إبريل ” و ” أبو عُيون جريئة ” و ” المليونير ” و ” ليلة الحنة ” و ” فيروز هانم ” و ” عنبر ” و ” غزل البنات ” و ” المَجانين فى نعيم ” و يُذكر أن إشتهر روستى فى جميع الأفلام بأدوارِ الصديق النَذل و الأفاق المُغامر الشرير و البِرنس و المعلم و زَعيم العِصابة الذى لا تَفوته صَغيرة أو كبيرة مَع كُلِ مَن حَولهِ و يُذكر أن روستى مِن أكثر الفنانين الذى أمْتَعَنا بأفيهاتِه الكثيرة فكان فى مجموعة أفلامه يُكرر لزَماتٍ شَهيرة جداً فمن منا ينسى دوره الثانوى فى فيلم ” غَزل البنات ” الذى إحتشدَ فيه نُجوم السينما المِصرية و مع ذلك لفتَ الأنظارِ اليه أثناء القائِه بعضِ عِبارات الإعجابِ مثل ” اشتغل يا خويا اشتغل ” و ذلك عندما كان العاشِق النَصاب ( محمود المليجى ) يَنسج خُيوط الخِداع على بنت الذوات ( ليلى مُراد ) و كذلك الإفيه المّشهور لهُ فى فيلم ” سيدة القصر ” عندما قالت له فاتن حَمامة بدهشة ( أنت بتشتغل ايه فرد عليها مُسْتهزئاً بصوتٍ خافت « مُهندس » ) و فى الفيلم ذاتِه مّشهدٍ آخر عندما قالت له زوزو ماضى ( الله يِخرب بيتك فرد عليها « و بيتك يا مَلك هانِم » أما فى فيلم « حبيبى الأسمر » فهُناك العِبارة المّشهورة جدّاً « نشنِت يا فالح » عندما أصابَه محمد توفيق برَصاصة عن طريقِ الخطأ و غيرها مِن اللّزَماتِ التى لا تزال تُرّدْدْ على الألسنة و تَتَداولَ فى الأعمالِ الفنية حتى يومنا هذا .. يُذكر أيضّاً أن كان روستى يُغدِقَ على مّظهرِه الكثير فأصبحَ « دُنجوان » شارع عِماد الدين بعدما اشْتَهَرَ بخِفة دَمه و نقاءِ سَريرته و صِدقِ نيته و بالرغم أن اسمَهُ قد اقترنَ بالعَديدِ مِن المُغامَرات العاطِفية فانه قَطَعَ كُلَ علاقاتِه النِسائية فجأة عام 1936م بعد أن التقىَ بفتاة إيطالية فى احتفالِ كبيرٍ بمدينة بور توفيق و نَظَرّاً لأن الفتاة كانت يتيمة و مريضة ما جَعَل قلبه يَرِق لها و أحبها و تزوجها لكِنها أرْبكّتْ حياته بِشكل مُستمر ! بعدما اتضحَ أنها لن تُنجب له بسبَبَ مرضها الشديد و لكن يَشاء السَميع العليم و بعد طلب روسى مِن كُل أصدقائه الدُعاء له بأن يكون له ابن أو ابنه إلا أن تُنجب له زوجته بعد أن بلغ الخامسة و الخَمسين مِن عُمره و لكن للأسف جاء ابنه مَريضّاً مِثل أمه و توفى بعد ثلاثِ سنوات و قد مَثّلَ ذلك لروستى صّدمَة عَنيفة فساءت حالته النّفسية و اشتد عليه المَرض فبدأ يَرفُضُ كل ما يُعرَضْ عليه مِن أعمالٍ سينمائية و ظل على هذا المِنوال حتى أوائلِ عام 1964م حين تَسَرّبَتْ فى الأوساط الفنية اشاعَة حَوَلَ وفاتَه التى تصادفّت مع تواجُدِه وقتذ فى مَدينة الاسكندرية لزيارة بعضِ الأصدِقاء و هى الزِيارة التى طالتْ لعَشرة أيام ما ساعد على إنتشارِ الإشاعة بِشكلٍ كبير و تأكيدها لدَرجة أن نقابة المُمّثلين أقامتْ له حفل تأبينْ !! و تبارى الخُطَباء فى ذِكرِ مَحاسنِه و أثناء ذلك التأبين إذ بالجُمهور يَتفاجئ بروستى و هو يَدخُل عليهم و يقف بينهم بنفسه ! فسقط كثير مِن الحُضورِ مُغشيّاً عليهم بينما إنطلقت الزَغاريد بلا وعى خاصة مِن الفنانة ” مارى مُنيب ” التى أعقبت الزغاريد بالبُكاء الشديد مِن شِدة الفَرح و كذا مُعظم زميلاتِه و أقبل الجَميع يُقّبلونَه و يُهنئونَه و لكن يبدو أن هذه الإشاعة الكاذبة كانت المُقِدمَة للنبأ الحَقيقى حيثُ لم تمضْ أسابيعٍ قليلة حتى فارقَ روستى الحَياة فى 12 مايو عام 1964م عَن عُمرٍ ناهز على الـ 73 عامّاً غير تاركٍ وراءه ثروة رَغَمَ ما كان يَنْعمَ به مِن ترفٍ فى حَياته بعدما لم يُعْثرَ فى بَيته الا على ثلاثة جُنيهات و شهادة إستثمار بـ 300 جنية مِن بنك مِصر كانت كل ما يّملك و ذاقت زوجتة الأمرين مِن بعده حتى تَتّمكنَ مِن صَرفِ مَعاشه مِن النقابة و زاد الطين بلة بعد أن سُرقت سيارته بعدَ يومٍ واحدٍ مِن وفاته ! لكنه تَرَكَ ما هو أغلى و أقيم مِن المالِ بعد أن أهدى إلينا 380 فيلمّاً شارك فى تمثيلها و اخراجها على مَدى 40 عامّاً كان آخرها فيلم « آخِر شقاوة » مع ‘‘ مُحمد عوض ‘‘ و ‘‘ زيزى البّدراوى ‘‘ و ‘‘ أحمد رمزى ‘‘ و ‘‘ حسن يوسف ‘‘ و تَرَكَ أيضّاً حُبّاً و عِشقّاً خالدّاً فى قلوب الجُمهور مِن النادِر أن يَتَكّرَرَ لفنانٍ آخر .. يُذكر أخيرّاً أن قالت عَنه الفنانة ليلى مُراد أثناء حوارٍ صَحفى اُجرته معها مجلّة المُصَور فى ذكرى رحيلة الأولى عام 1965م أنه كان شديد الطيبة بدرجة لا مُتناهية و عَطوفّاً على الفُقراء و حَنونّاً على الأطفالِ علاوة على تمّيُزه بخِفة ظل كبيرة أما الفنان الكوميدى إسماعيل ياسين فقال عنه فى برنامِجٍ إذاعى فى ذكرى الأربعين له ” إستيفان روستى لما مات ماتْتْ معاه 50% مِن ضِحكتى ! و كان الله يرحَمه بيحب مصر جدّاً لدرجة إنه كان ساعات يُخرج مِن بيته و يروح السيدة زينب و الحِلمية و يفضل يمشى فى شوارعهم و يُقعُد على قهاويهم و يهّزر و يَتَباسَط مع اللى رايح و اللى جاى و لما أقابله يقولى إنه كان حاسِس إنه ماشى فى بلدُه و فى وسْط أهلُه و ناسه لدَرجة إنه وّصى لما يموت يندِفن فى مصر مِش فى النِمسا و لا إيطاليا اللى مَدفونين فيها كُل قرايبه مِن ناحية أبوه و أمه ” .. رحم الله استيفان روستى و تجاوز عن سيئاته و أسكنه فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.