حين يتحول الشاعر إلى قديس قراءة في قصيدة ‘ موت تجريبي ‘ للشاعر التونسي وليد عبد الحميد العياري بقلم / خديجة مسروق ( الجزائر )

حين يتحول الشاعر إلى قديس
قراءة في قصيدة ‘ موت تجريبي ‘
للشاعر التونسي وليد عبد الحميد العياري
بقلم / خديجة مسروق ( الجزائر )
تعودنا من الأدب ‘ شعره ونثره ‘ معالجة الواقع . و القصيدة العربية في عصر الحداثة تجاوزت الوضوح الذي لا يبعث في القاريء التخييل كما يقول أدونيس.
موت تجريبي عنوان القصيدة التي نحن بصدد قراءتها و الوقوف على مواضع القلق التي يعلن عنها الشاعر وليد عبد حميد العياري يجنح فيها للرمزية . والقصيدة كان قد نشرها الشاعرفي عدة صحف ومجلات عربية وتونسية و هي ضمن مشروع ديوان شعري لم يكتب له الولادة بعد .
موت تجريبي عنوان يثير الدهشة في القاريء و يدفعه للتأمل . فكيف يتسنى للواحد منا أن يجرب الموت . و التجريب هو محاولة لاجتيازمشروع ما يخرج صاحبه منه بنتائج معينة . فهل الموت يمكن أن يكون مشروعا تجريبيا كما يعلن الشاعر من خلال عنوان القصيدة ؟
اختار الشاعر وليد العياري الموت كرحلة تجريبية تمكنه من البلوغ إلى مرتبة القداسة ليتدثر بثوب الزهد مستنشدا كل معاني الفضيلة و الأخلاق الحسنة .
يقول نزار قباني ‘ الشعر انقلاب بالكلمات يحاول تغيير وجه العالم ‘ و هنا نجد الشاعر في موت تجريبي يحاول بخياله تغيير العالم بما فيه من بشاعة و خلق عالم آخرفيه من الجمال ما يجعله مثاليا .نجده يقول في هذا المشهد ‘ لعلي أسيح في فلك النور
و غرقي في نور الحق هدفي
أكحل بالتأمل جفني ..
و ثوب الطهر كفني ..’ في جو روحاني يتأمل عالم الفضيلة و الأخلاق .و كأنه يعترف أن العالم الذي يعيش فيه يخلو من المثل و لاوجود فيه للفضائل التي ينشدها .
يعلن الشاعر وليد العياري في هذه القصيدة عن أزمة عميقة امتدت و تغلعلت داخل المجتمع العربي في هذا العصر , و هي أزمة متعلقة بالأخلاق بانتشار الرذائل و غياب القيم و انعدام الضمير الانساني . .
لقد بدا الشاعر في قصيدته متأسفا عن غياب المباديء التي شب عليها . فيعلن عن قراره ‘ قريبا سأعلن موتي
ستنبثق الكلمات
من خاصرة صمتي ..
ستبلل دموعي نعشي ..
و سيبنون لي قبة ..
للتبرك بكراماتي ..’ . يسيح الشاعر بخياله فتصبح القصيدة بالنسبة له جنة تسكن إليها روحه ليتخلص عن طريقها من رواسب الدهرو يتحول هو إلى قديس . .
الشاعر وليد العياري يظهر حبه للجمال و يبدو متأصلا في شخصه من خلال بحثه عن القيم و الفضائل بانصرافه إلى الروحانيات و عالم الزهد ‘ أنتظر الريح لعلها تنبئني
بالمبشرات
أو تهجر بساطي نحو فلك التجلي ..
رأيت في منامي غيمة بيضاء
و رهط يتسابقون للقاء الضيف
وآيات الرحمان تقرأها أمي
فيكشف سر المعاني .. و ينطق من ثغر التقوى الحق ..و أتدثر بعباءة الزهد ‘ تنطلق العبارات من ذات الشاعر في وقار , مرتديا بذلك عباءة الزهد وكأنه قديس تراهن الناس على نبوءته .
برؤية استشرافية يتحسس الشاعر العياري اقتراب عودة الوعي و الاستفاقة من الغفوة التي غشيت عقول الناس , وتتلو أمه التي يقصد بها أمة الأمة العربية آيات القرآن و تشرق شمس الحق على سمائها من جديد .
كان الشاعر في موت تجريبي قلقا تائها يبحث عن مرفأ للنجاة في فضاء المطلق لتبديد الغياب و الوصول إلى الممكن ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.