الخميس , يناير 21 2021

محمد فخري جلبي يكتب ….توجهات البيت الأبيض في عهد دونالد ترامب

على وقع الخطى تكون النوايا ، وأستنادا لهذه المقولة تتصدر تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منصات الأعلام العالمية ، وتغزو الفضاء  الأفتراضي بموجات كهرومغنطيسية من القلق الهستيري والخوف المبرر للمعنيين بشؤون العالم . 
فلقد بات جليا خروح المارد الأمريكي من قمقمه حيث وضعه الرئيس المنتهية ولايته باراك أوباما وماخلفه ذاك الرئيس من أرث ثقيل يقع على كاهل الرئيس الجديد . فسياسة أوباما على سبيل المثال بالنسبة للمأزق السوري كانت تتسم بالأكتفاء بالتصريحات والأسنتكار على تعدي بشار الأسد الخطوط الحمراء في كل مرة ، وترامب قلب المعادلة وأعاد شرطي العالم إلى الواجهة مدجج السلاح مشبع العزيمة بفرض سياسة واشنطن على العالم .

كما أن تداعيات الهجوم الصاروخي الأميركي على قاعدة جوية سورية قد يشعر  بشار الأسد بدنو الأجل ، وبالأخص بعد أرتفاع سقف المحظورات ليتخطى أستخدام الأسلحة الكيميائية إلى ألقاء البراميل المتفجرة ( سلاح الأسد الوحشي ) ، كما تعد هذه هي المرة الأولى التي تستهدف فيها واشنطن بشكل مباشر حكومة الأسد  منذ أندلاع الحرب في سوريا منذ ست سنوات . ودفعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الإعلان عن أن واشنطن ما زالت تريد إبعاد الأسد عن السلطة مهما كلف الأمر من ممارسة ضغوط دبلوماسية وضربات عسكرية لاحقة ( في حال زوال الدعم الصهيوني عن الأسد !!! سوف نتطرق لهذه النقطة ضمن سياق المقال )  . 

وعبر نافذة الأحداث لم يعد الحوار هو الكفيل بتجاوز المشاكل الظرفية المطروحة في الوقت الحاضر مالم يكن الحوار يعبر عن الأرادة الأمريكية وتطلعات الدولة العميقة في واشنطن . 

فالرئيس الأمريكي الجديد زج دول العالم في فوهة المدفع ، وأعاد برمجة القوى الفاعلة على الساحة الدولية بما يتلائم مع أستراتيجيات الولايات المتحدة الأمريكية ، مما يتيح له في المستقبل القريب بأدارة دفة الأحداث وفرض شروط مسبقة على الحلفاء والخصوم على حد سواء !! وهذا مايبرر تراجع اللهجة الصينية الحادة تجاه واشنطن وعدم أستخدام بكين حق النقض (الفينو ) بوجه قرار يدين حكومة الأسد بأستخدام الأسلحة الكيميائية في مدينة خان شيخون ، مما أضعف موقف الجانب الروسي في مجلس الأمن ودفعه لأختلاق الأعذار الوهمية للتنين الصيني عن عدم أستخدام حق الفيتو . 

كما يتضح لنا بالسياق ذاته ماتعكسه تصريحات ترامب من أنحراف العربة الأمريكية عن سياسة النأي بالنفس والمراوحة في المكان أمام شراسة الدب الروسي وتفشي النزعة الإيرانية على حدود حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط ( دول الخليح ) . 

حيث وجه الرئيس الأمريكي تصريحات تحمل رسائل معينة للأسد ومن يقف خلفه ، وذلك في مقابلة تلفزيونية وصف فيها الرئيس السوري بشار الأسد بالحيوان على خلفية الأتهامات بأستخدام حكومته أسلحة كيماوية في محافظة إدلب السورية الأسبوع الماضي . وقبل أن يتمكن حلفاء الأسد وعرابو القطب العالمي الجديد (روسيا ، الصين .. الطامحين بتوزيع كعكة المكاسب الدولية مع واشنطن بشكل متساوي ) من تقييم الضرر إزاء تلك التصريحات قام دونالد ترامب بتعميم الضجيح من أجل نسف حزمة الأحتمالات حول توجهات واشنطن في المستقبل !! وذلك من خلال “أم القنابل” التي ألقاها الجيش الأمريكي على مخابئ لمسلحي تنظيم الدولة الإسلامية (فرع خراسان) في أفغانستان . 

وعقب نعت الأسد (بالحيوان ) ، وأستخدام أم القنابل في أفغنستان ، وقيام الجيش الأميركي بأختبارا لقنبلة نووية تكتيكية تم إسقاطها فوق موقع للرمي بولاية نيفادا، الجمعة، حسبما أورد الموقع الرسمي للقوات الجوية الأميركية ،  فلم يعد يرقى إليه الشك نوايا البيت الأبيض في تدوير عجلة الأحداث العالمية بحسب الرؤى المسبقة لمآلات الأمور عبر منظار المصالح الأمريكية العليا ، حيث أن أدارة أوباما كانت تخفي خلف زخرف القول بأنهم سيبحرون في الأجواء الدولية بقدر كبير من الصراحة والوضوح ، بيد أن دونالد ترامب جعل لغة العضلات تسبق بأشواط لغة الحوار والتفاهم . 

نحن إزاء سيناريو أمريكي جديد تجري صياغته بعناية  ويتم التركيز فيه على أستنزاف الحلفاء ، ودب شعور الخوف في قلوب الأعداء . ولعل أستخدام ( أم القنابل ) وتطوارات الأحداث في كوريا الشمالية وماأعقبه من تحركات لقطع البحرية الأمريكية في تلك المناطق ، خير دليل على ماتخفيه الولايات المتحدة لدول العالم . 

ومن المفيد تسليط الضوء على تغير وجهات النظر بالنسبة للقوى الدولية بالتعاطي مع اللهجة الأمريكية الجديدة .

– فعلى الصعيد الروسي ، أعلان لافروف وزير (الخارجية الروسي) أن الرئيس بوتين وافق على إعادة تفعيل الأتفاق الأمريكي الروسي للسلامة الجوية فوق سورية الذي “جمده” كرد على تلك الضربة، وأحتجاجا عليها .

– أما بالنسبة للتنين الصيني ، فقد بات واضحا لبكين ضرورة كبح عداد السرعة في مواجهة واشنطن ، وممارسة سياسة الترميم مع الرئيس الجديد الذي تخلى عن أرتداء الأطقم الرسمية مقابل بدلة المارينز الأمريكية !! 

ومن خلال تعويم لغة الليونة مع الجانب الأمريكي حذر وزير الخارجية الصيني (وانغ يي) من “نزاع يمكن أن ينشب في أي لحظة” في كوريا الشمالية، بعد تهديدات جديدة أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد بيونغ يانغ، مؤكدا أنه “لا أحد سيخرج منتصرا” من نزاع كهذا.

وقال وانغ في مؤتمر صحفي مع نظيره الفرنسي جان مارك آيرولت في بكين، الجمعة، إن “الحوار هو المخرج الوحيد” للأزمة، بعدما صرح ترامب أن “كوريا الشمالية مشكلة ستتم معالجتها”. 

وهنا يتضح لنا بأن كلمات الرئيس الأمريكي لم تعد مجرد أخبار عادية تظهر في ذيل الشاشة بل على العكس !! فمجرد ذكر ترامب بأن المشكلة الكورية الشمالية سوف تتم معالجتها كافية لأشعال حرب عالمية جديدة . 

ويجدر التنويه هنا بأن الأزمة السورية تدخل مرحلة جديدة، وما قبل الضربة ليس مثل ما بعدها .

وعلى الرغم من تفاقم الأوضاع وتردي المعطيات القادمة من الأراضي السورية على وقع تواجد أغلب جيوش العالم هناك ، وأن كان قيام واشنطن بأشعال حرب عالمية مع الجبهة الروسية الصينية ضرب من الجنون ، ولكن أن رغبت واشنطن بذلك فأن الشرارة لتلك الحرب لن تخرج من دمشق بل ستأتي من بيونغيانغ (عاصمة كوريا الشمالية ) !!

فالأسد مازال يحظى بحماية أستراتيجية قوية تفوق تلك الصادرة عن موسكو . ولعل من المفيد هنا ذكر تصريح  الجنرال دان حالوتس رئيس هيئة أركان جيش الأحتلال الإسرائيلي الأسبق عام 2015 حيث قال : إن الإبقاء على نظام الأسد بات يمثل مصلحة صهيونية أمريكية من الطراز الأول، على أعتبار أنه يمثل “سدا منيعًا أمام إمكانية تحول سوريا إلى نقطة للأنطلاق في تنفيذ عمليات ضد دولة الأحتلال الإسرائيلي والغرب. كما أعرب “حالوتس” -في مقابلة مع القناة الصهيونية الأولى- عن أرتياحه لأن الولايات المتحدة والغرب باتا يدركان حجم العوائد الإيجابية الناجمة عن الإبقاء على نظام الأسد، مقارنة بالمخاطر الناجمة عن “سقوط سوريا في قبضة الجهاديين السنة ”  !! 

وبعيدا عن التكهنات والمناكفات السياسية فينبغي بنا التأكد بأنه لولا الغطاء الأسرائيلي لنظام الأسد لأندثر منذ عدة سنوات . 

ولكي نزيل الشك باليقين فيتوجب علينا أيضا ذكر تصريح إسحاق مردخاي ( وزير الحرب الصهيوني الأسبق ) حيث عبر عن رؤية الصف السياسي الأول للعدو الصهيوني حول الأسد بقوله (إنه على الرغم من علاقة النظام السوري القوية بكل من إيران وحزب الله، إلا أن مخاطره تبقى أقل بكثير من مخاطر الحركات الجهادية السنية ) . 

وتلك العلاقة المستترة بين العدو الصهيوني  والأسد تلقي بظلالها على ردات الفعل الأسد القوية من خلال تشغيل مطار الشعيرات في اليوم التالي للضربة الصاروخية الأمريكية على المطار ، كما تدفع تلك الحقيقة الجلية بوزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف بطمأنة وزير خارجية نظام الأسد وليد المعلم بأن لقاءه مع وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون تضمن أتفاقاً على عدم تكرار الضربة لأميركية لمواقع النظام . 

وتعقبيا على ماتم ذكره في أطار المقال فأن الخطر الحقيقي يكمن في الملف الكوري الشمالي ، حيث لا يتمتع زعيم كوريا الشمالية بالدعم الصهيوني المتحكم بمفاصل الولايات المتحدة ، كما لاتملك كوريا الشمالية حدودا مع فلسطين المحتلة ، بالأضافة للنقطة الأبرز بأن ضرب كوريا الشمالية يعد ضربة من العيار الثقيل لحلفائها الأستراتيجيين ( روسيا ، الصين ) !! على حسب مبدأ ضرب الطفل الصغير ليتألم الوالدين دون أمكانية الدفاع عنه بسبب سوء تصرفاته  . 

وضمن هذا المحور فلقد أصدر زعيم كوريا الشمالية (كيم جونغ أون) أوامر بإخلاء فوري للعاصمة بيونغ يانغ، بسبب الخلاف المتصاعد مع الولايات المتحدة الأمريكية . وأمر أون سكان العاصمة بيونغ يانغ بمغادرة المدينة على الفور، ما أثار مخاوف من أستعداده لحرب قريبة، حسب صحيفة “ديلي أكسبرس” البريطانية” . 

ومن خلال خطر أشتعال الجبهة الكورية فقد أظهر الجانب الصيني عدم أرتياحه لمجريات الأمور ، فبادرت شركة الطيران الصينية “إير تشاينا” الوحيدة في بكين التي تملك رحلات منتظمة إلى كوريا الشمالية – الجمعة بإيقاف رحلاتها بين عاصمة كوريا الشمالية #بيونغ_يانغ  ونظيرتها الصينية بكين، وذلك أعتباراً من الاثنين القادم .

وفي غمرة التباكي بحرقة على الأوضاع العربية وعبر التمعن في المشهد القاتم ، فأن الأمور ستزداد سوءا مع عودة الشرطي الأمريكي إلى الساحة الدولية ، وسوف تعاقب واشنطن جميع الدول التي راهنت على علاقاتها مع موسكو مقابل الأنصياع لأوامر البيت الأبيض . وعبر النظر من خلال المجهر الأمني للأحداث سوف نشهد تأرجحا خطيرا في مؤشرات السلم العالمي قي عهد ولاية دونالد ترامب . 

وبالنسبة لأوضاع العرب فلايحق لهم سوى الأنتظار في خضم مساعي معظم الدول العربية للأنطواء تحت الجناح الأمريكي أو الرضوخ لنزوات الدب الروسي ، فمن أسلم رقبته للبائع لايحق له التذمر عند البيع !!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: