الانقسامات الإسلامية في الانتخابات الكويتية

المصدر كارينجي للابحاث

يسلّط تداول “وثيقة القيم” المثيرة للجدل قبل انتخابات أيلول/سبتمبر، الضوء ضرورة النظر إلى أبعد من تحليل الإسلاميين المتمحور حول المذهب السُني، بالإضافة إلى بروز انقسامات غير مذهبية.

 

قبيل انتخابات مجلس الأمة الكويتية في أيلول/سبتمبر، انتشرت وثيقة عُرِفت بـ”وثيقة القيم” في مختلف أنحاء البلاد. وقد دعت إلى منع الاختلاط بين الجنسين في التعليم، بالإضافة إلى تطبيق قواعد اللباس “المحتشم”، وتجريم الوشوم، وإعادة العمل بقانون يحظر “التشبه” بالجنس الآخر، وحظر ألعاب القمار. وُصفت الوثيقة التي نشرها الناشط الإسلامي عبد الرحمن النصار بأنها “ليست مشروعًا سياسيًا، بل وصاية أخلاقية ودينية على المجتمع”، ولكنها أثارت موجة سخط في أوساط الشريحة الليبرالية العلمانية في المجتمع. وقد دعا البعض إلى منع الموقّعين عليها من الترشح في الانتخابات، علمًا بأن 17 مرشحًا منهم فازوا بمقاعد في مجلس النواب.

تُظهر هذه الواقعة أهمية إيلاء الاهتمام للانقسامات في صفوف الإسلاميين بدلًا من الانقسام التقليدي بين السلفيين والإخوان المسلمين، وكذلك إدراج الإسلاميين الشيعة في التحليل. في حين توافق الأكثرية على أنه لا يجب أن يُنظَر إلى الإسلاميين بأنهم كتلة متراصّة، ركّز جزءٌ كبير من الأدبيات على الانقسامات في صفوف السنّة. وأولي اهتمام أقل بكثير للمجموعة الواسعة والمتنوعة من الجماعات الإسلامية الشيعية، على الرغم من أنه أُطلِقت دعوات مؤخرًا لتذكّر “الإسلاميين الآخرين”. في الوقت نفسه، يذكّر تداول وثيقة القيم كيف أن انقسامًا مذهبيًا في الظاهر ربما يُخفي انقسامات أخرى متجذّرة في التباعد الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي، وليس في الخلافات العقائدية أو الدينية.

تقدّم الكويت حالة مهمّة لدراسة التيارات الإسلامية الشيعية الناشطة سياسيًا. على الرغم من أن الأحزاب السياسية تبقى محظورة رسميًا، لطالما كان للإسلاميين حضورٌ قوي في السياسة الكويتية، ويحظى الإخوان المسلمون بالقبول، خلافًا لما هو الحال عليه في السعودية والإمارات المجاورتَين حيث وُضِعت الجماعة على قائمة التنظيمات الإرهابية. علاوةً على ذلك، لدى السلفيين في الكويت تقليدٌ طويل من المشاركة في السياسة الانتخابية منذ ثمانينيات القرن العشرين، حتى إنهم أصبحوا المجموعة السلفية الأولى في العالم التي تخوض الانتخابات في عام 1981. أخيرًا، لطالما انخرطت المجموعات الشيعية في السياسة الكويتية، حتى إنها شكّلت ائتلافات مع القوميين العرب تعود إلى السبعينيات، وفاز الشيعة بتسعة مقاعد من أصل 50 في انتخابات مجلس الأمة في عام 2022.

اللافت أن معظم الموقّعين على وثيقة القيم هم إسلاميون سنّة أوشخصيات قبلية. لذلك، وبدلًا من الانقسام الإخواني-السلفي، نرى تباعدًا بين الإسلاميين السنّة والشيعة في الكويت. يستدعي هذا السياق التفكير في طبيعة الانقسام الشيعي-السنّي في الكويت، وفي ما إذا كان يُخفي انقسامًا مجتمعيًا آخر. في الواقع، يُقيم معظم الموقّعين على وثيقة القيم في الدائرتَين الرابعة والخامسة اللتين تضمان أيضًا العدد الأكبر من المرشحين القبليين. تبعًا لذلك، وبدلًا من الانقسامات القائمة على أساس مذهبي، ربما تؤشر وثيقة القيم إلى انقسام مستمر ويزداد وضوحًا بين شرائح المجتمع المرتكزة تقليديًا على المناطق الحضرية وبين الإسلاميين القبليين – لا سيما السلفيين المستقلين – في المناطق النائية. يركّز الإسلاميون القبليون في حملاتهم على مسائل السياسة الاجتماعية من خلال ربط الدعوات لمنع الاختلاط بين الجنسين مثلًا بالحاجة إلى الحفاظ على القيم الكويتية التقليدية في مواجهة التركيبة السكانية التي تتألف بأكثريتها من وافدين أجانب. أما الشيعة، وعدد كبير منهم ينتمي إلى نخبة التجّار الحضريين، فقد يميلون إلى الترشح بناءً على جداول أعمال غير مرتبطة بالسياسات الاجتماعية المحافظة التي يتبنّاها عدد كبير من المرشحين الإسلاميين السنّة.

في نهاية المطاف، تُظهر وثيقة القيم وما أُثير حولها أنه من المهم الابتعاد عن التركيز على السنّة، وإدراج الإسلاميين الشيعة في النقاشات المتعلقة بالانقسامات في صفوف الإسلاميين في الكويت والمنطقة عمومًا. لكن هذه المسألة تسلّط الضوء أيضًا على أهمية النظر إلى الانقسام السنّي-الشيعي في سياقات سياسية واجتماعية واقتصادية محددة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.