رؤى ومقالات

نسيم قبها يكتب :اشتباكات الهدنة وشبكة أمان نتنياهو

لقد بات واضحا في شأن صفقة تبادل الأسرى بين ( القسام) وإسرائيل مؤخرا  ،  أنه لن يطلب من “إسرائيل وقف إطلاق النار” بل هدنة طويلة، وأن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من قطاع غزة، ولكنه سيعيد تجميع صفوفه خارج مدن القطاع.
وكانت قد أشار معظم الإعلام الإسرائيلي إلى أن إسرائيل وافقت على صفقة أخرى مع (حماس) يمكن أن تؤدي إلى نهاية الحرب. إذ إن الاتفاق سيتضمن إطلاق سراح بقية الرهائن الإسرائيليين على مراحل، تبدأ بالإفراج عن النساء والأطفال الذين ما زالوا في الأسر، مقابل وقف الأعمال العدائية وزيادة المساعدات الإنسانية لغزة، وإطلاق سراح عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين. ومن جانبهم أكد مسؤولون في حماس ، لوكالة “رويترز” أن الصفقة من المتوقع أن تشمل ثلاث مراحل: في المرحلة الأولى سيتم إطلاق سراح المدنيين بمن فيهم النساء والأطفال والمسنين والمرضى، وفي المرحلة الثانية سيتم إطلاق سراح جميع الجنود، وفي المرحلة الثالثة سيتم إعادة الجثث.
ومن أبرز المؤشرات على احتمال تمرير صفقة التبادل والهدنة هو إبلاغ نتنياهو عائلات الأسرى أنه سيُقرُّ صفقة تبادل لا تضر بأمن إسرائيل وإن أدت إلى انهيار حكومته. ومن ذلك أيضًا تأكيد رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن، ومنسق الاتصالات الإستراتيجية بمجلس الأمن القومي الأميركي جون كيربي أن تقدمًا يجري إحرازه في المحادثات بشأن التوصل إلى اتفاق لإطلاق سراح “الرهائن”، وهدنة طويلة الأمد في غزة، بالإضافة إلى زيارات بلينكن المتكررة .
ولعل أبرز المعطيات التي أعطت دفعة للمضي في الصفقة وإنزال نتنياهو “عن الشجرة”، هو عرض زعيم المعارضة يائير لابيد مشاركة نتنياهو في الحكومة، وتوفير “شبكة أمان” تعصمه من محاذير تفكك ائتلافه الحكومي المقيد بالقوى اليمينية الرافضة لوقف الحرب. حيث كان نتنياهو قد شدّد طوال الوقت، وحتى أثناء المفاوضات حول الصفقة في باريس قبل أيام قليلة، على أن قوات الجيش الإسرائيلي لن تنسحب من قطاع غزة حتى تحقيق أهداف الحرب، وأبرزها القضاء على حماس، وإعادة جميع المحتجزين في القطاع. ورغم هذا التشديد الذي يريد به نتنياهو عدم إثارة شركائه في الائتلاف الحكومي لكنه أكد أن الجهود مستمرة من أجل التوصل إلى صفقة جديدة لتبادل الأسرى. وبالتالي فإن المؤشرات والمعطيات المستجدة تدل على أن الصفقة ماضية في طريقها من خلال المراوغات ، ولا سيما أن قول نتنياهو  “نحن نعمل لإطلاق سراح مختطفينا والقضاء على حماس وضمان ألا تشكل غزة تهديدًا بعد. ونعمل على تحقيق الأهداف الثلاثة معًا ولن نتخلى عن أي منها”، ينطوي على الفصل بين مسار التفاوض حول صفقة الأسرى والهدنة التي تؤول إلى وقف الحرب وبين هدفي “القضاء على حماس والترتيبات الأمنية في غزة”.
وكما يبدو أن الصفقة قد عالجت محاذير حماس بشأن استمرار الحرب ومحاذير نتنياهو بشأن وقفها من خلال تجنب صيغة “وقف إطلاق النار”، ووصفها بـ”هدنة طويلة”، ومن خلال عدم التصريح بانسحاب “الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة” ووصفه بـ”استعادة تجميع صفوفه خارج مدن القطاع”؛ وهو ما من شأنه أن يقدم الصفقة بصورة تحفظ ماء وجه نتنياهو، وتُسكت المتشددين في حزب الليكود وقوى اليمين المتطرف “الصهيونية الدينية الجديدة” و”القومية المسيحانية” ومجلس المستوطنات في الضفة الغربية، الذين سارعوا لإقامة مؤتمر “العودة للاستيطان في قطاع غزة والتهجير الطوعي للفلسطينيين”.
والحقيقة أن هذه الصيغة حتى وإن احتوت ضمانات مصرية وقطرية لحماس بوقف الحرب في وقت لاحق، لكنها تعطي نتنياهو “المأزوم” طوق نجاة ومساحة للتلاعب واستئناف الحرب عند الضرورة، وتمنحه هامشًا للمماطلة بشأن الترتيبات الأمنية في غزة بعد الحرب، وتوحي للرأي العام الإسرائيلي أن الحكومة قد حققت أهم مطلب شعبي آني، وأن العمل ما زال جاريًا لتحقيق باقي الأهداف، ولا سيما وأن بقاء حماس في غزة سيشكل ذريعة لنتنياهو للتمسك بالترتيبات الأمنية وإعاقة المسار السياسي والاحتفاظ بتحالفه مع اليمين المتطرف حتى لو ضمن “شبكة أمان” المعارضة.
ولا يخفى أن الحرب على غزة كانت تمثل فرصة لنتنياهو لتنفيذ مخطط التهجير للفلسطينيين ، ووسيلة لترحيل أزمته الداخلية وصرف أنظار الداخل إلى خطر خارجي، والمحافظة على تماسك ائتلافه اليميني؛ ولذلك كان يقاوم الضغوطات الخارجية حيال وقفها. وقد كشف عرض زعيم المعارضة يائير لابيد المقرب من أميركا “شبكة أمان” لنتنياهو من أجل إبرام الهدنة الطويلة وصفقة تبادل الأسرى أن ثمة حاجة ملحة لإدارة بايدن لوقف التصعيد ووقف الحرب بالتدرج لتجنب آثارها على الانتخابات الأميركية المرتقبة، وإعادة ترتيب الأولويات الدولية وفي مقدمتها الحرب الأوكرانية، وخفض التصعيد في الشرق الأوسط وضبط تجاوزات أذرع إيران في العراق واليمن لقواعد الاشتباك وحدوده، وبخاصة بعد الهجوم على البرج 22 في شمال شرق الأردن قبل أيام ، والذي اضطر أميركا للرد على الفصائل العراقية في وقت حرج يتعلق بوجودها العسكري في الأردن وتداعياته على النظام الأردني، ويتعلق بملف الوجود الأميركي في العراق، والذي تضغط إيران على الحكومة العراقية وإقليم كردستان لأجل الإسراع به حفاظًا على نفوذها وعلى أذرعها في المنطقة، بالإضافة إلى تداعيات تحركها العسكري على قواعدها في سوريا، وبخاصة بعد الضوء الأخضر الذي منحته لأردوغان لإبعاد قوات قسد عن حدوده لقاء موافقته على ضم السويد إلى حلف شمال الأطلسي مؤخرًا.
وأما سبب تعامل نتنياهو مع هذه الصفقة المحتملة التي ما تزال قيد المفاوضات فيكمن في كونها تلبي المطالب الآنية للجناح المعارض في الشارع الإسرائيلي، وتعطيه فسحة للتصدي لمحاولة أميركا دمج الحلول السياسية لما بعد الحرب بصفقة الأسرى، ولا سيما وأن التيار الصهيوني الديني الرافض لوقف الحرب قد بدا متماهيًّا مع إرادة نتنياهو حرصًا على بقائه في الحكومة، حيث صرَّح وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير في وقت سابق ، بإسقاط الحكومة في حال التوصل إلى “صفقة سيئة” لتبادل الأسرى، وفق تعبيره، لكنه لم يعارض الصفقة من حيث المبدأ كما دأب طوال الوقت. ورغم كل هذه المعطيات والمؤشرات على اقتراب صفقة تبادل إلا إنه لا يُستبعد أيضًا أن يكون تعاطي نتنياهو وشركائه مع الصفقة هو استمرار لتخدير الشارع المعارض، ومواصلة الحرب عبر المرحلة الثالثة التي تشي انسحابات الجيش من شمال غرب غزة بتعمقها، سيما وأن نتنياهو ما يزال يُناور ويضع العراقيل لتحميل حماس مسؤولية فشل الصفقة وتبرير موقفه إذا رفضتها.
ومن أسباب تحول موقف نتنياهو النسبي حيال الحرب أنه يعلم بأن هدف القضاء على المقاومة غير واقعي، وأن كسر عزيمة أهل غزة تستعصي عليه في ظل صمودهم ، ويعلم أن استمرار الحرب بالوتيرة الحالية في ظل النزاعات الداخلية ودون رؤية واضحة لمسار الحرب (كما أشار رئيس الأركان هرتسي هاليفي) ودون تحقيق أي إنجاز سوى المجازر والدمار بات يرفع كلفة الحرب على الحكومة وعلى الكيان وقيمته الاستراتيجية من جميع النواحي، وأهمها الناحية الاقتصادية، وقدرة الردع وتآكل السردية الصهيونية عالميًّا، وارتفاع منسوب الضغط الدولي نحو تلويح الولايات المتحدة وبريطانيا بمراجعة الخيارات المتاحة للاعتراف بالدولة الفلسطينية عندما تنتهي الحرب في غزة، وارتفاع مستوى الضغط الداخلي وتشكيك المعارضة بأهدافه، إلى جانب تشكيك الولايات المتحدة بجدوى الحرب، وهو ما جاء على لسان قائد هيئة الأركان المشتركة للجيش الأميركي تشارلز براون في تصريحات سابقة حيث قال: إن أهداف “إسرائيل” المعلنة من حربها على قطاع غزة كانت “كبيرة جدًا”، في إشارة إلى استحالة تحقيقها، مشددًا على أنه كلما طال أمد الحرب، زادت صعوبتها ، وهذا الجزء المهم من زيارة بلينكن حاليا.
وأما موقف فصائل المقاومة فإن حجم الجرائم الصهيونية وحجم السلبية العربية والتواطؤ الدولي في المجاعة ومعاناة أهل غزة غير المسبوقة ،  والتي ستبقى صفعة سياسية للمنظومة العربية كلها   ، كل ذلك يشكل ضغطًا لقبول الصفقة وتبادل الأسرى والعودة إلى المربع الأول والكفاح الفصائلي من أجل البقاء.
إن الرؤية الأمريكية التي تم الإعلان عنها صراحة  “حل الدولتين”  والتي تؤسس إلى الإستقرار الإستراتيجي  المصلحي للولايات المتحدة في المنطقة ، هي الرؤية الرسمية التي تعمل عليها الولايات المتحدة ، من أجل ضمان حماية ( إسرائيل) والتي باتت لا تستطيع الدفاع عن نفسها بمفردها حسب التقارير الأمريكية ، والتي تعني أن القوة  لا تجلب الأمن لإسرائيل بمقدار تجلبه الإتفاقات.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى