نبيل حزين يكتب :اللمبة الكيروسين والفتيل

كان صاحبنا يتميز بالجد والنشاط والاجتهاد والسعي الدؤوب للتفوق والنجاح ، برغم قلة وضعف الإمكانيات المتوفرة له ،سواء أكانت مادية أو معنوية ، إذا ما قُرِن بأطفال هذه الأجيال والأجيال التي تعاقبت بعده ، و لو توفر له جزء بسيط من الإمكانيات المتاحة لصار في وضع مختلف عما هو عليه الآن .
فكان يسكن صاحبنا في منزل من المنازل العتيقة ،التي تفتقر للكهرباء والماء حيث كانت تعتمد على مصباح الكيروسين أو الفتيل ( العويل ) المستخدم في ذلك الوقت ؛هو مصباح الفتيل ( أبو عويل ) وهذ المصباح هو عبارة عن قنينة دواء فارغة أو ما شابه ذلك يوضع فيها غاز ثم تغلق بعويل داخل قطعة اسطوانية رفيعة من الحديد يكاد أن يمر منها شريط من القماش القديم أو فتيل من القطن أو الكتان وهو الذي يعطي الضياء وكان يقوم بصناعته سمكري ( وابور الكيروسين ) الذي كان يختص بالسمكرة وتصليح الأدوات المنزلية التي تستخدم في المنازل وقد انقرضت هذه المهنة واختفت . فصاحبنا كان يدرك أهمية انجاز ما يطلب منه نهارا ولا مفر له من إعداد واجباته التي تطلب منه في المدرسة نهارا وبسرعة قبل أن يدخل الليل لعدم توفر الإضاءة اللازمة للمذاكرة وانجاز الواجبات التي تطلب منه .
أما زملاؤه أصحاب الحظوظ العظيمة ، فمنهم فئة قليلة تتنعم بالاضاءة الكهربائية بمنازلها وهذه فئة قليلة جدا والبقية الأخرى كانت تمتلك مصباح بزجاجة يعطي إضاءة عالية يستطيع المذاكرة عليه .
أما صاحبنا لا يصنف من هذه الفئات ولا يحسب عليها بل كان من الفئة الأقل حظا ، فعندما يصل إلى منزله يجلس على أول عتبة الباب وهي كانت مصنوعة من الحجر الجيري الذي يشبه إلى حد ما الرخام ، ولكنها ليست رخاما ، وقد تكون قطعة من عمود أثري وجدت في هذه المنطقة الحبلي بالآثار كما يدعي بعض المولعين والمغرمين بالآثار بل يصل إلى حد الولع بهذه التكنولوجيا و فكان يجلس صاحبنا على عتبة منزله قبل أن يخلع زيه المدرسي ويضع كتابه ودفتره ويمسك قلمه ويبدأ يخط واجباته إلى أن ينتهي منها ثم يعودوا إلى جلدة الدفتر المدون عليه من الخلف جدول الضرب ؛كي يحفظه وخصوصا الأرقام التي تطلب منه وكان يرددها مرة بصوت منخفض وأخرى بصوت عالٍ أو يلجأ لأحد الأشخاص ؛ كي يسمع له أو يكتب ببقايا قطع الطباشير المتواجده في أحد جيوبه على جدران الحوائط وخصوصاً الملساء منها ،أو يكتب على الأبواب الخشبية المنتشرة في الحي الذي يقطنه أو يستخدم قطعة من الطوب الأحمر في حالة عدم تواجد بقايا الطباشير ، كي يكتب جدول الضرب بعد أن حفظ الجزء المطلوب منه عن غيب وبعد أن ينتهي يضع كتابه ودفتره وقلمه داخل حقيبته -الخريطة التي صنعتها له والدته من القماش القديم ويطمئن أن كل أدواته مستقرة بالحقيبة بعد ذلك يدخل منزله ، ليتناول وجبة الغداء المتوفرة التي كانت تتراوح ما بين العدس والبصارة والفول وإن كان ذا حظ سعيد في نهاية الأسبوع ينالوا مكافأة قطعة من اللحوم أو جنح من الدجاجه وكانت تفضله والدته على أخوته بوضع جزء من كبدة الدجاج له إذا حاز على علامات متقدمة .
أما الحلوى فكان يجلبها من الدكان عندما يقوم بشراء أي غرض لوالدته أو لأي أحد من الجيران ، فكان يطلب من صاحب الدكان ملعقة سكر -سفة سكر -أو قطعة من الحلاوة الطحنية وبرغم من كل هذه الظروف تجده حريصا شديد الحرص على المدرسة وعمل الواجبات ويكون في غاية السعادة عندما كان يكرم من معلمته بكلمة ثناء أو بطاقة شكر وتقدير ،؟وأكبر مكافأة له عندما يُطلب منه حمل دفاتر معلمته وأدواتها الكتابية ؛ لنقلها لغرفة المعلمين ؛كي تصحح وعند عودته من هذه المهمة تراه منتفخا كأنه طاووس بين زملائه يحكي ويتخاك ويتندر في كل موقف وجلسة له بالمدرسة والبيت بأنه نال شرف حمل الكتب لمعلمته
وللحديث بقية،،،،،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.