رحيل تحت المطر/المبدعة السورية حنان عبد اللطيف

*****
رحيل تحت المطر
لم تكن لتعلم عنه الشيء الكثير وعلى الرغم من انه محاط بأهله و أصدقائه إلا انها تدرك بعين باصرتها انه يعيش لوحده بعالم خيالي يفوق ترافة وجمالا هذا العالم المادي الذي يحيط به الممتلئ قبحاً و نفاقا .
لم تتحدث معه ابدا و لم تلتق به مطلقاً ولكنها كانت تراه من بعيد من شرفة منزلها المطلة على محطة القطار الباكية شوقاً و حنينا ، تلك التي يرتادها كل اول شهر ، ربما كان ذلك طقساً من طقوس حياته الذي اصبح جزءً من شخصيته الهادئة الرزينة والمتقدة جمالا ووقارا ، كما كل مرة يتأبط جريدةً او كتاباً وكأن اسرار العالم تتموضع تحت إبطه يجلس على المقعد الخشبي الموجود في استراحة المسافرين للمحطة ذاك المقعد الذي يحمل اسمه وبعضاً من رذاذ عطره إذ يجلس ساعات وهو يقرأ في كتابه تاركاً لنظره العنان لأن يسترق النظر إليها لحظة شرود .
توالت الشهور وذاك الرجل على نفس الحال إلى ان حدث ما يشبه الإعصار
ففي صباح تشريني بارد محملة غيومه بأمطار غزيرة ، أقبل ذاك الرجل من بعيد مستبدلاً كتابه بحقيبة سفر متوسطة الحجم رمادية اللون مؤلفة من عدة طبقات و في كل طبقة ارتسمت حكاية عمر امتد من عقود التعب إلى عقد الإنتظار و وحدة السفر .
مما تعلمه عنه أيضا انه من بلد غزتها الحماقات والبلادات الفكرية التي اشعلت حقول من مروا في هذه الأرض الطيبة المباركة .
كانت تخاطبه من بعيد وفي صدرها يرتجف الحرف و يسكت السؤال .
هامسته صمتاً لماذا سترحل أيها الرجل الطيب ؟!
لماذا تحزم قلبكَ الصفير بأوتاد العمر القصي لتسافر به إلى البعيد ؟!
كان يُحس بها من بعيد ومن خلف نظارته السوداء يمسح عن وجنتيه دموع أسئلتها .
حقيبتك هذه المتثاقلة حزناً كأنني الآن افتحها أرى فيها ذكرياتكَ المؤلمة المنقوشة على معطف الزمن البارد القسمات الممتدة من نكسة البرتقال حتى ارتعاش العوسج والحنظل في مساحات الأوهام .
ها انا الآن أرى بعض الأمتعة وقد ناهزت البكاء لكثرة الترحال ( قنينة عطر معبأة حتى منتصغها جمعتها اناملك الغضة من رائحة الخبز الطازج ، جدائل الأماني لعائلة بأكملها وقد قصتها يد الأيام ، صورة والدتكَ المرسومة على شغاف القلب و تميمة زرقاء معقودة بطرف شال احمر وضعتها الريح ذات هبوب ) يا لرائحة الحبق المتطايرة من هفوات عمرك يا صديقي .
كم اتمنى ان تخيب ظنوني هذه المرة وتكون مجرد صحوة على انقاض الذكرى لتقتلع من مخيلتلك فكرة الترحال .
ولكن يا لقسوة اللحظات هاهي الآن صافرة انطلاق القطار بدأت بالتعالي وقف ذاك الرجل بقامته الممشوقة بعض الشيء و بقلب أتعبه تقلّب المواجع و بلحيته البيضاء التي تحمل وقار العمر أمسك بالحقيبة بيده اليسرى و نظر إلى الشرفة ليودع صديقته البعيدة القريبة .
لوّح لها بيد مرتعشة و بروح مجعدة خوفاُ منه ألا ترد عليه امتعاضاً ، أومأت له بتلويحة خفيفة و كأنها تريد ان تقول له
اِبقَ هنا يا صديقي ليكون للصباح لون الفرح و للمقعد رائحة الخشب و للمحطات هديل الحمام .
اِبقَ هنا يا صديقي لتحمل الريح صوت مواويل الحصاد إلى بيادر الخير والعطاء .
اِبقَ هنا يا صديقي لأكبر من خلالك و اتعلم من طقوسك الحكمة و الفضيلة ،
وأقشّر من سماحة محياك كل آنات الأشرعة المسافرة في قلبي دون اغتراب .
ابق هنا ليبقى قاسيون شامخاً في قلبي وبردى يعزف على أوتار روحي ترنيمة البقاء .
فلتبقَ حمامة سلام تحط على كتف قصيدتي كل إصباح وإمساء .
بدأ المطر بالهطول بغزارة و اغلقت الجنة أبوابها في وجه توسلاتها و مع كل خطوة باتجاه الحافلة كان هطل المطر يرسم نشيد الوداع ، مشى خطوتين و التفت إلى الوراء
لوّح مودعاً و كأنه رد الجواب / سأرحل /
غاب بين الضباب و اتحد بحبات المطر المتجمهرة على ضفاف عينيها
اتشحت السماء بلون اللازورد و اكتست الأرض بلحاء الضجر .
و من يومها أصبحت صافرة القطار تطلق في الفصاء تراتيل انطلاقها
/ أنشودة المطر /
لتكون عنوانا للذكرى ساعة ازدحام
/ رحيل تحت المطر /

حنان عبد اللطيف / أنثى المطر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.