الكاتبة المغربية نعيمة بنصالح تكتب :”قراءة في رواية “سيرة حمار” تحت عنوان (رحلة اكتشاف الذات في صراعها بين النزوع الإنساني و الحيواني)

 

قراءة في كتاب (رحلة اكتشاف الذات في صراعها بين النزوع الإنساني و الحيواني)
في رواية :
سيرة حمار للكاتب المغربي: حسن اوريد
-130 صفحة من الحجم المتوسط
منشورات دار الأمان الرباط

_ أولى عتبات المتن عنوانه، وهو تركيب إضافي من نكرتين مضافه خبر لمبتدإ حذف لأنه من قبيل المصدر الذي يؤدي معنى فعله “السيرة سيرة حمار” ، ومضاف اليه نكرة دالة على شيوع الاسم في الجنس دون تخصيص واحد بعينه .فهي إذن سيرة يمكن شيوعها وإطلاقها وإلصاقها بجنس الحمير.
من المعروف جدا ان استحضار الحيوانات كان بدوافع أمنية تحمي الكاتب من مغبة التورط في المساءلة بسبب خطابه الذي يبغي به انتقاد سياسة من السياسات، فيربو بنفسه ليبلغ على لسان الحيوان مأربه. ومن المعروف أيضا حظوة الحمار في هذا الخضم، والاسماء الدالة على ذلك كثيرة جدا منذ القدم ( “الحمار الذهبي” ل أفولاي و “حماري قال لي” لتوفيق الحكيم و غيرهما…).لكن الظاهرة فعلا استوقفتني امام الآيات الكريمة التي ذكر فيها الحمار: قال عز وجل :” مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا” الجمعة الآية 5 . وقال أيضا :” إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا” الأحزاب 72.وكأني بالإنسان الفاشل في حمل الأمانة ، في وضعية جهل الحمار الذي تعلو ظهرَه أسفار ،لا يفقه في أمرها شيئا في الكثير من مواقف الحياة التي يغيّب فيها ملكة العقل والمنطق.
ولا تعدم الصفحة الأولى مؤشرات بملامح بارزة ممثلة في اسم الكاتب الذي يتصدرها بكل خلفياته الفكرية،الثقافية،التاريخية و السياسية بل وحتى الفلسفية ، وفي صورة -بشكل حلزوني يختزل شكل تسلسل الأحداث في المتن – حمار بأذنين طويلتين إمعانا في تعريفه إن ذهبنا مع القول:( إذا رأيت أذني الحمار فقد رأيت الحمار) . ولعل في ذلك إشارة إلى قدرته الكبيرة على إدراك جميع الأصوات من حوله والتي وظفها الكاتب بشكل ملحوظ من خلال جعلها أداة مهمة في التقاط مؤشرات كثيرة من المحيط وهو في حالة مسخ.أضف إليها عينيه الكبيرتين بنظرتهما الجانبية المملوءة توجسا بدت دلالته في صلب الرواية.
عاش ” أذريال” حياة الطبقة الوسطى في ” أليلي” عاصمة موريطانيا الطنجية حيث مسقط رأسه ، بين اصحاب النفوذ والجاه والسلطان وحياة الدهماء من أصحاب الحرف اليدوية.أبوه ” بوكَوديوليوس” المحاسب بالبلدية ، وأمه ” إيزة” تنحدر من الملاكين الأصليين ، متعلقة بأصولها وثقافتها الامازيغية حريصة على استمراريتهما في حياة ابنيها، عكس الأب الذي عشق قالب روما واشرأب لحياة نبلائها التي لم يجد في ارضها لرجله موطئا .. لكن امله تعلق بولديه:’باعل’ الذي وجهه للجندية التي ستمكنه من القتال مع روما ، و”أذريال” البطل الراوي، نحو الدراسات القانونية للانخراط في القضايا السياسية او الجنائية والمدنية .
أتقن اذربال اللسان اللاتيني والإغريقي ناهيك عن اللسان الأمازيغي ليتوجه إلى ” قيرطة”، المدينة التي تعرف حراكا معرفيا وثقافيا ، لاستكمال دراسته الحقوقية الصرفة، ثم لينتقل بعدها الى ” قرطاج” مركز الحضارات المتحلقة حولها وفي صلب حياتها: حضارة الإغريق وفلسفة اليونان ومعارف روما ومعتقدات الفنيقيين وعوائد تجارتهم وطب القبط وهندستهم وحكمتهم.عشق الفلسفة ومعها “هيباتا” التي ملك حبها شغاف قلبه وفتحت عليه ما استغلق من علوم الإغريق لكنه حب قصير حبله انقطع برحيله نحو “روما”.. ثم الى مسقط راسه ” أليلي” عاصمة موريطانيا الطنجية وقد احكمت الفلسفة قبضتها على عقله وحولت اهتمامه نحو البحث عن الحقيقة، غير مكترث برغبة ابيه الدفينة .
لعل بيت ” ثيوزيس” المرأة الأربعينية ، زوجة ” أوكتافيو” عضو مجلس الشيوخ وأحد أثرياء المنطقة وصاحب اشهر مصانع الزيتون التي تصدر لكل ارجاء الامبراطورية الرومانية والغائب عن زوجته في الغالب بين احضان روما ، هو المسرح الذي سينطلق منه البحث عن الحقيقة بكل أسئلته الوجودية.
عرفت المرأة بجمالها وحظها الوفير من المعرفة والفلسفة وحضور البديهة وإشعاعها من خلال مجالسها المقامة للشعراء والفلاسفة بحضور كبار شخصيات موريطانيا الطنجية من الساسة والمفكرين . صفات تقلص بريقها بسبب وفاة ابنها الاصغر فغدت المنتديات مجالس مصغرة مغلقة لبعض الشعراء والفلاسفة الذين كان بطلنا واحدا منهم. انبهر ” أذربال” بشخصيتها وحديثها المستفيض عن الافلاطونية وفلسفة الأغريق ، ودون شك هو استمرار لحب وعشق مضى ل ” هيباتا” وتبحرها في علوم الفلسفة والمنطق .. بل هو في نظري انتصار حسن اوريد للعقل والمنطق ودفاع عنه، ليغوص معها في حياة حميمية طعّمها إحساسها القاتل بالحزن والوحدة ،فينتهي المشهد في المخدع تحت منظر الغروب المسكر .
تملكته عقدة ذنب لم يجد للفكاك منها سبيلا غير اللجوء لأمه ميولا منه طبعا لحكمتها عبر مخزونها من التجارب والثقافة الامازيغية التي تعود صحبة اخيه ” باعل” تلقيها من خلال سرد ها حكايات ما قبل النوم.لكن السيل العاطفي الذي يجرفه إلى بيتها وقت كل غروب سد منافذ عقله ليفتح اخرى على اقتراحات معشوقته بالهرب ليلا خارج الاسوار الذي ما استطاع إليه سبيلا أمام توجسه من غوائل قبائل البربر الشديدة المدراس، و التي يمكن ان تفتك بهما لانهما من اتباع روما، لتتوقف دورة العقل وينتصر مقترح “حاتبوت” خادمة السيدة ذات العينين النجلاوين ، والتي نال من حبها قسطا لم تظهره خوفا من مولاتها. حل المازق في نظرها ابسط من ان ينال منهما كل ذلك الجدل. هو مجرد مشروب يحولهما إلى طائرين يستطيعان التحليق بعيدا عن “أليلي” وسلطان روما إلى الاسكندرية عاصمة القبط. اجزم انه سلطان الخوف يقزم التفكير ويلوي ذراع المنطق ويتحول إلى قوة عمياء جامحة تجرف الإنسان نحو سرعة التخلص من شباك المازق ،في مشهد تعتمل فيه عوامل الصراع بين العقل والتفكير الأسطوري ..ودون شك هو مبدأ انبنت عليه اسس الفلسفة منذ سقراط وافلاطون وارسطو:”” إن الكثير من الحماقات مصدرها العقل حين يخضع للهوى نحكّمه لتسويغ ما تهوى النفس وتبريره” ص 20، وهكذا: ” اكببت على الشراب حتى اتممته ، وطلبت قدحا آخر ، ثم شملتني غشاوة …”ن .ص 21. لم يحوله الشراب طائرا وإنما مسخه حمارا أثار استغراب المرأتين بل ضحكهما .حالة مسخ بدأ حسن اوريد تجلياتها بانفجار ازرار سروال ” أذريال” تاكيدا على الجانب الغريزي الحيواني الذي سيكرر في مشاهد عدة من الرواية.مسخ ارتبط بالكثير من الاسئلة الوجودية المطروحة خلال المتن الروائي: ” نظرت في مرآة ، فإذا انا حمار كامل الاوصاف ، لا اختلف عن الحمير إلا في شيء أضحى مصدر معاناتي هو قدرتي على التفكير” ص 22.ناهيك عن عدم تمكنه من التعبير عما يجيش بصدره من احاسيس.مسخ بإشكالات بل اطروحات تعكس وضعية متازمة يستحيل فيها الدمج بين صفات ظاهرة لحمار وتفكير إنسان . وضعية لا تخلو من سهام الكاتب النقدية الموجهة للكثير من الوضعيات المجتمعية التي يعيش فيها الانسان مسخا يفقده القدرة على المسايرة.مقطع سردي يدفعني إلى استحضار نقطة التقاطع التي ابرزها القرآن بين وضع الحمار تعلو ظهرَه أسفار لا يفقه من أمرها شيئا ووضعية الإنسان حين يعطل وظيفة عقله.
بقي وحيدا وسط المنزل في غياب المرأتين الهاربتين تحت جنح الليل امام حشود الناس من الخدم وغيرهم، ممن يستغربون وجوده هناك في ظل الاحداث المحيطة ومنها غياب إبن المدينة البار ” أذربال”.أصبح الحدث خبرا رسميا اقيمت بسببه الدنيا ولم تقعد لانه في نظر حاكم المدينة ومساعديه مؤامرة اختطاف من عصابة خارجية والحمار اهم ادواتها، واهم اهدافها في نظرهم إضعاف سلطة “اكتافيو” الذي اصبح ذا نفوذ ويريد الترشح لولاية اخرى ،بخيوط معقدة التشابك لم تظهر بعد.الماساة ان المشهد بكامله مثلت ادواره امام ” اذربال” دون ان يمتلك القدرة واللسان على الاعتراف بالحقيقة.وكأني بصورة المسخ بوجهين : مسخ جسدي هروبا من واقع مستحيلة مواجهته ، وآخر خفي تفرضه مصالح السلطة والسياسات لتحول عبره القناعات والمعتقدات.:” والحال أن شخصا ،عفوا، حمارا ، يدرك الحقيقة كلها ..ولو كلفت المدينة عناء الاستماع إليه لأبلغها الحقيقة .. ومن ذا يستمع للحمير؟” ص 28. حقيقة مفجعة تسائل عقل الإنسان وترهنه بين الاستسلام للمسخ ثم التحقير الممارَس جراءه.
أقيمت ل “أذربال” جنازة ضخمة في موكب مهيب بحضور والديه والحاكم الذي القى خطبته العصماء في مناقب الرجل وصفاته وعلمه وغير ذلك مما لم يطق تقبل سماعه وهو في مربض حيوانات المدينة.. ليرسل نهقاته التي ازعجت الحارس فانهال عليه ضربا مبرحا افقده الوعي، حاملا إياه عبر اللاوعي إلى قوس النصر يستبدل ما قيل، بإقناع الناس بأن لا منطق تآمر موجود ، إنما هي الإنسانية تتكامل وتترابط. ولعلي أرى هنا الكاتب الامازيغي المؤرخ الذي يسلم بتكامل كل الحضارات الإنسانية دون غلبة لإحداها أو نسف لأخرى:” هناك شيء ما يجمعنا ، إخوتي، هناك سدى حضاري نشترك فيه ، تتحول بؤرته من مكان إلى آخر ..كما ينتقل القمر في دورته ، يختلف في شكله ومداره ، لكنه نفس القمر ، وهو مصدر الضياء في الليل البهيم..”ص38 . لم يكن موقف الكاتب خفيا في انتصاره للنزوع الإنساني بمكسبه العقلاني والعاطفي معا ولو عبر استنطاق اللاوعي المصاحب لسرد الأحداث: ” لنا ذهنية عقلانية تربط بين الأشياء وتقيم بينها علاقة سببية ..وتميل إلى التحليل المتأني الموضوعي.تحب الحياة وتعشقها..” ص 39.
سؤال وجودي لازم البطل وأرق كينونته :أأنا إنسان أم حيوان؟
عاش الراوي البطل انفصاما بين حالتين: إنسان يفكر وحيوان عاجز عن الجهر بما في خلده.معاناة وجودية ألقى الكاتب بظلالها على الواقع الحي الذي نعيشه:” أليس الإنسان حيوانا من نوع خاص ؟ فما يميزه عن الحيوان هو التفكير. وقلة من الناس هي التي تفكر، والذي يجعل الإنسان إنسانا هو تعاليه عن مصالحه ومواساة الآخرين والتضامن معهم..”.
حمار يحمل البضائع ويباع ويشترى ويتلقى من كل أنواع الإهانات ما يعذب نفسيته التي يبصمها الإحساس بالذات الإنسانية .
تتوالى الأحداث في تسلسل مفصل سردا ووصفا دقيقا للكثير من المواقف والوضعيات.
اختبار حقيقي ولحظة عسيرة تلك التي عاشها يوم تحرشت به الأتان وراودته عن نفسه وحركت غرائزه لكنه ما استجاب :” فكرت في الأمر . وكيف لي أن أنزو على أتان وانا لست من الحمير ولو أن شكلي من الحمير . أو عوان بينهما. وكيف تعيش ذريتي بين الحمير ولها جانب من الإنسانية ورثته مني..” . مخاض وجود يتأرجح بين نزعتين يغالب فيها صراعا مؤرقا يضع البطل أمام تحدي الاختيار بين ان ينجرف لشكله الممسوخ أم لنواة الإنسانية بداخله. بل هي حرب ضروس يخوضها -ويجب أن يركبها كل إنسان في الوجود- بين تواجده الإنساني ونزوعه الحيواني، حتى وهو في أفضل وضع عاشه معبودا لقبائل بني ” سنوس” تبز بقدرته الخارقة قبائل بني ” ييس” التي تتخذ الخيل إلها.
سفر يعنونه التعب والوهن لكنه يركن إلى السكينة احيانا كتلك التي شعر بها ” سنوس” أو “أذربال” لحظة التقى بالشيخ الجليل الوقور صاحب الحكمة ب’العين’ إثر مغادرته من ألّهوه ثم أهانوه :” سيأتي يوم سأفنى أنا وأنت وتبقى هذه العين..اقترب أيها الرفيق أحب غرتك هذه البيضاء ..ثم ربت على شعري.. هيا نمشي ..لن أركبك ما دامت قدماي تحملني..”.ملامح الشيخ ومعتقداته ترسيخ وإمعان في الإنسانية بكل مظاهرها التي من شأنها بل يجب أن تسود حلبة الصراع في ذهن البطل كما في مسرح الحياة . كان الشيخ مدرسا للأطفال يعلمهم اللغة اللاتينية والإغريقية وفنون الخطابة ويترجم كل هذا إلى اللسان الأمازيغي ، إضافة إلى الحساب والمنطق وتذوق الموسيقى:”:” إني لا أومن بالعرافة ، ولا بالكهانة ولا بلعب القدح ولا بالرجم..أومن بالتوليد المعرفي كما عند سقراط . المهم هو السؤال وليس الجواب. والمهم يا رفيقي هو أن تحفظ عني الأشياء ، أن تنقلها إلى الأجيال المقبلة.”
حالة إنسانية محضة وجريئة تعمد الكاتب ربطها بالحب وهو قمة الشعور الإنساني الذي اعتمل بداخل صاحبنا حين التقى أتانا وهو يسرح بجنبات مكمن الشيخ أعلى الربوة ، أتان بشعر أسود وعينين نجلاوين .اقتربت منه ولم تقدم على إثارته بشكل الأولى الفج ، ليحس تجاهها إحساسا شبيها بإحساس الإنسان. تنبؤ بالانفراج وإخبار بوجوب الانتصار على الحيوانية بداخلنا.
موقف توجته قدرته المندفعة على توظيف عقله وذكائه للتغلب على السبع في حلبة سيرك صاحبه الذي كان يجزم بخروج الأسد منتصرا .لحظة صراع حقيقي بين العقل وجبروت القوة والغريزة الحيوانية في شتى تجلياتها .لحظة حرية بأن تحسسه بشعوره الإنساني المنجرف ليقرر بضرورة الرجوع إلى بلدته . إحساس بالانتصار أحس معه باسترجاع ذاته ، إذ لم تكن الرحلة ملتصقة بالتنقل الجغرافي فقط بل بدوامة تسكن ذاته وقد عبرت عنها الصورة كعتبة في شكلها الحلزوني المستدير.
طار خبر انتصاره إلى كل الحمير رغم ما أصابه من جروح أكبر دلالة واعمق :” أما الخدوش الغائرة فهي هذه المعاناة التي أعيشها وهذا التمزق بين وضع حيواني وآخر إنساني .” وفي كل أزمة هناك منفرج . حظي بزيارة ” دونا” الفتاة المناهضة لتعذيب الحيوانات- الأمازيغية الأب الوندالية الأم- التي خامرها شعور بأنه ليس حيوانا . :” أخلصت لما تراه غايتها في الحياة ، التخفيف من معاناة الحيوانات ،وكانت ترى قسوة الإنسان على الإنسان ، وقسوة الإنسان على الحيوان.” رقت لحاله وأت فيه ما لم تره في حيوان :” أشعر أن لديك هذا الذي يميز الشعراء والفلسفة ….. تراودك نفسك بالرحيل..لن أمسكك ولو أني لسوف أجزع لهذا الفراق ..أنا واثقة أن سوف تجد ما تبحث عنه. سوف تجد نفسك.”.
انفلت ليلا عبر طريق وعر مختلفة التضاريس والحيوانات المتوحشة التي ربأ بنفسه عن الدخول معها في معركة قد تغير مجرى توجهه، ليجد في أسراب الطيور التي لازمته أنيسا لطيفا مغردا.تراءت له أليلي من بعيد لترجعه ذاكرته في نوستالجيا إلى كل ما مضى.استسلم للنوم والراحة ليستانف المسير عبر مجرى النهر مستسلما لطاقة ماء العين الجاذبة يتخلص فيها من كل أدرانه في عملية تطهير كان لزمنها قبيل مطلع النهار دلالة رمزية:” نظرت إلى جسدي فإذا هو يحمل ندوب مرحلتي الحمارية ..إنسان أنا يولد من جديد.إنسان يولد ذاته من ذاته .”
لا يحتاج الإنسان لمبارزة جنوحه الحيواني إلا لمساءلة نفسه بل وخوض تلك الحرب الضروس من أجل ذلك.
رجع لموطنه وقد توفي الأب ليجد الأم وفي حضنها طفل صغير عثرت عليه في حضن أتان تيقن بأنها التي نبض لها قلبه في ربوع الشيخ ليكتشف انها ” حاتبوت” التي تجرعت نفس المشروب بعد الهروب وتحولت أنثى حمار.
سرد ذاتي بضمير المتكلم أعطى الكاتب لنفسه من خلاله الحق في التلميح للوضع الراهن أو حتى المستقبل :” تفكرت في ذلك كله ، وقدرت أن لو أتيح لي الكلام لتغيرت أشياء كثيرة في موريتانيا كلها..” ص 34. نسج فيه الراوي البطل الأحداث في سفر جغرافي وزمني مؤرخ لفترة من التأريخ تقاطعت في صنعها عدة عوامل.فعل ماض -كثيرا ما أعلن فيه الخبر عن حالة اسمه باستعمال الفعل الناقص” كان” – دال على سفر جغرافي وذاتي أُفعِم حركية وحيوية وسرعة وتبدلا وتغيير.. بل وامتلأ بمشاعر وأحاسيس الخوف والقلق والعطف والتضامن والرفض وغيرها من المشاعر التي أكسبت الأحداث حياة:” تأهبت ..نادت ..آلمتني..استزدتها..سألتني..كنت أعتزم..” سرد تخلله حوار جنح إلى المنولوج وكأني بالكاتب معرض عن حوار خارجي لا يرى فيه نفعا يمكن أن يخلق مفارقة ترقى إلى قناعاته الراسخة بأن لا مساومة في مبدإ الإنسانية وضرورة إسقاط الأقنعة التي تحول الإنسان عن مداره الحقيقي، أو لا جدال في قداسة تاريخ وحضارة قائمة ثابتة في منظور شخصيته كمؤرخ يستميت في الدفاع عن الهوية الأمازيغية.فأما الوصف فقد أمسك الكاتب بتلابيبه وكأنه أداة إثبات وحجة للزمان والمكان والحدث بكل حمولاته الثقافية التاريخية احيانا :” أخرجوني ..وقد وضعوا غطاء ابيض على ظهري ، والمجموع ترفع قصبا عليه لباس نسوة وهم يصرخون بمعبودة الخصب ” تاغونجا” ” ، أو المعنوية النفسية :” كان مالكي شحيحا مقترا ..فظا غليظ القلب..دائم الابتسامة يتراآى منهما الخبث..” ص 42″ أو غيره.
رواية استفزني عنوانها لأقرأها بل لأكتب عنها، لأنها بثقل يتجاوز كلماتي البسيطة في مقاربتها إلى المزيد من استنطاق مابين السطور من دلالات لكاتب متعدد الخلفيات.

نعيمة بنصالح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.