كل أصابعي المصقولَة برائحة الدخان .. بقلم : عزوز العيساوي

كل أصابعي
المصقولَة برائحة الدخان،
تمسك بحرائقَ لا يعتريها الفناء
مشتعلًا مازلتُ كغابِرِ الأزمنة،
أنقضِي،
أتوارى قليلا تحت الرماد
فلا أراني إلا إذا اكتمل اللهب..

كَنبعٍ يُحاصرُهُ حَجَرُ المضيق،
كحطَبٍ لا يبالي بألم الحريق،
كأعمَى تاهت منه معالم الطريق،
يبسَ النبضُ وجفَّ الكلام في فمي
لم تزل عندَ السفحِ داميةٌ قدمي
كل عواصف النيران
تكوِي بنشوتهَا بقية أعظمِي..
فلا راحةَ تمسحُ يدي
ولا كلمة أنطقتْ بِجَرسِها أنفاسي وفمِي..

سأعتزِلُ
نفسي الأمَّارةَ بالشجَن،
كل عَثراتِي التي أنجبتهَا ذات ليل،
أراها تكبر على مهل..
وأمنياتِي مازالت هزيلة
تُلقي بِبَصيصها كشمسِ خريفٍ ناعِسَة…

سأكتب آخر رُؤْيَا
تأخذني على جناحِ البرق البهيم
وتحت عباءة الليل المُنسَدِلَة،
عن كل أحلامي الهزيلة،
حين تسقط مني تِبَاعًا عند أولِ غفوة…

وحتى
لا أستسلم لقَتامةِ الصمت،
أهُشُّ على بياضِ يدي بِيدي
متكئًا على أريكة الوقت،
أصغي لمعزوفةِ الرياح مُغازلة أصابع الماء،
والأرض ترسمُ كرنَفَالها
من طين وعَطش..

والعابرونَ ينثرونَ زَيتونهم
وفُتاةَ التين سُكَّرًا
على رفاة خريف مندَحِر،
يَلُوكُونَ أحلامهم البالية بلا مَللٍ..
يَجُرُّونَ ظلالهَم المبلُولَةَ بماء الفَزعِ..

وحدي ،
خلف نافذة العبور،
ألهو برذَاذ أنفاسي وسنابل الدخان،
كما طفلٍ يسبح في براءته..
أُسرِجُ حِصانَ الوقت،
أمسح الأسماء كلها وما تعلمت،
أرسم الأطياف كلها وما تَذكرت،
أجمع حبات المطر من
عيون الليل الغافيَةِ في حضن
السحاب المنهمِر…

وكما رؤيا القديسين
أردِّدُ : صبرًا جميلًا ولا قَلقًَ إذا جَنَّ الليلُ.
أقُصُّ على أحفادِي القادمين
حكاية السنابل اليابساتِ والبقرِ العجَافِ
من ظلمِ السنين…
عزوز العيساوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.