رؤى ومقالاتكتاب وشعراء

الأدب السريالي إضاءة على نص الهيكل للأديب محمدالبنا بقلم فوزية الكوراني .

الأدب السريالي إضاءة على نص الهيكل للأديب محمد البنا بقلم فوزية الكوراني

السريالية أو الفوق واقعيّة ‏ مُشتقة من الفرنسية (Surréalisme) التي تعني حركة ثقافية في الفن الحديث والأدب تهدف إلى التعبير عن العقل الباطن بصورة يعوزها النظام والمنطق وحسب مُنظّرها أندريه بْرِيْتُون ‏ فهي آليّة أو تلقائية نفسية خالصة، من خلالها يمكن التعبير عن واقع اشتغال الفكر إمّا شفوياً أو كتابياً أو بأي
طريقة أخرى كالرسم والفن المنحوت..
والفن السيريالي الأدبي أثبت نفسه وبشكل متطور يشد القارئ للنص الذي يكون من هذه المدرسة ..
كنص للكاتب القدير والأديب المعروف أ. محمد البنا Mohamed Elbanna
مما لاشك أن العنونة في أي نص هي العتبة للولوج إلى المتن، وعنوان النص #هيكل مثير للإنتباه ولوجستي بامتياز وكتب بحرفية عالية، مستلهمًا فكرته من المدرسة السريالية..
الهيكل هو نظام الجسم المكون من العظام ونقول أصبح كالهيكل العظمي إذ لاحياة فيه ..
كما البطل في هذا النص تشبه بالهيكل، إذ لم يعد فيه روح الحياة أو لايجدها إلا بالانصهار مع من يحب.. لذا كانت الحرية بالنسبة له هي مابعد الموت..
الهيكل هو نص فلسفي سيريالي والسيريالية تهدف إلى البعد عن الحقيقة كما ذكرت أولاً.. وإطلاق الأفكار المكبوتة والتصورات الخيالية وسيطرة الأحلام، واعتمد فنانو السيريالية على نظريات فرويد رائد التحليل النفسي، خاصة فيما يتعلق بتفسير الأحلام، واللاوعي أهمية قصوى للسّرياليين لتطوير طرقهم نحو الخيال الحرّ. هل بطلنا كان في حلم؟ والفنان السيريالي يكاد أن يكون نصف نائمهي الرؤية! الكلاسيكية التي كان البطل يسعى إليها هي الكينونة بعد الموت، والحرية، وحبيبته الذي يحلم بها وباللقاء بها بعد الموت، وبالنسبة له أن الموت هوالهوية الذاتية والحرية المطلقة التي لاحدود لها…!
والهوية هي قضية هامة في ما وراء الطبيعة.
يبحث فلاسفة ما وراء الطبيعة المشغولون بالهوية في سؤال ما ٠معنى أن يكون للشيء؟ هوية بالنسبة لذاته، بعد الموت أو بصورة أكثر جدلا بالنسبة لغيره. تظهر قضايا الهوية في سياق الوقت: ما معنى أن يكون الشيء نفسه في لحظتين من الزمن؟ كيف نعتمد على ذلك؟ يظهر سؤال آخر عن الهوية عندما نسأل كيف يجب أن تكون معاييرنا من أجل تحديد الهوية؟ بعد الموت! وكيف تتفاعل مع التعبيرات اللغوية؟ تحمل مواقف ما وراء الطبيعة التي حَمَلها الفرد بخصوص بعض القضايا، مثل قضية العقل والجسد، والأخلاق، والقانون، وتصبح أفكار المكان والزمان، والسببية متداخلة معا حيث تصبح الرتب الزمنية للسببية معتمدة على الراصد لها وهذا ماكان من بطلنا في الهيكل إذ يتفاجأ
أن حتى ماوراء الموت يوجد قوانين ونظم، إذ لايستطيع أن يختلي بحبيبته في مكان واحد وأن لا حرية مطلقة!
وليس بملكه، بينهما فاصل زمني جداري، هو كان متخيلًا أن في عالم الأرواح فورًا سيلتقي هو وحبيبته ويطفىء الشبق لها في قبر واحد لم يكن يعلم أنه سينتظر إلى أن تبلى الهياكل، بعدها تلتقي العظام في حفرة واحدة!..
هذا إذا كان بطلنا قاصد من هذا التناص الفلسفية والسيريالية ..
هناك رؤية ثانية للنص
هي؛ سيميائية مُرَمّز يمخر اتساع لجة الحلم..
ماجسده النص: هو حلم عاشه البطل عانق فيه العقل الباطن الذي يخزنه ومايريد أن يعيشه
في خياله جاءه حُلمًا نائمًا تصور إحساساته العضلية وخواطره المتتابعة دون عائق ، سردها بتقنية الكاتب السريالي إذ شرح لنا كيف الهياكل تتأذى من رائحة القادم من حياة تتلون بالقذارة، والنتانة والغدر والخيانة، إلى حياة ساكنة رائحتها صمت السكون، الكل يشاهد الكل، لكن قوانينها لاأحد يتكلم مع الآخر تجمعهم حفر؛ وتؤول بهم إلى حفرة كبيرة تنصهر عظامهم ببعض، لكن يتفاجأ أن حتى حلمه بالاجتماع مع
مع من يحب بات بعيد المنال! .. إذ لا يمكن أن يعانق هيلكه العظمي وهيكل من يحب في حفرة واحدة مهما اشتد الشبق لذلك! إلا بعد أن تُبّلى العظام، وتصبح رميمًا، عندها ترمى في حفرة واحدة..
ملخص النص وأُسسه:

السلوكيات الهدامة في المجتمع من خلال العلاقات البعيدة عن الحب والألفة..
التنمر وهو سلوك يدفع
بالمتنمر عن الواقع ..
المنهج النفسي الذي ينشق عن الواقع ..
اختلال في مفاهيم
الحياة و الحب والعلاقة بين إثنين…
تخيل وهمي عن الحرية..
ويبقى للكاتب فلسفة خاصة بنصه لايستطيع أحد أن يجتازها، ويبقى النص وليد الكاتب كالأم هي الوحيدة التي تفهم على وليدها بذاك الرابط (الحبل السريّ ).
ونص الكاتب، كأداة فكرية في عقله ترجمها نصًا على الورق.
أيضا للنص قراءات متعددة ليس حكرًا على فكرة معينة فكل ناقدًا يستهوية منحى خاصًا في النص فتكون قرائته من المنحى ذاته..

وهذا مااستهواني، أرجو أن أكون قد وفقت نوعا ما واخترقت عقل الكاتب وأداته الفكرية
تحياتي وتقديري لأستاذنا القدير محمد البنا.
#فوزيةالكوراني

تالله…ما أجمل أن يُمسي المرء عاريًا، مُتحررًا من كل شئ يحول بينه وبين أن يفعل ما يشاء وقت ما يشاء .
الآن أنا سيد نفسي، لا أُنكر أنني كنت عبدًا مطيعًا لذلك الكائن الغبي، أركض إلى حيث يُريد، وأحط رُحلي في المكان الذي يشتهيه .
فكرت كثيرًا أن أتمرد على حمقه وأوامره المُجحفة، إلا إنني ولأنني قارئٌ جيد للتاريخ، لا أنسى ما حدث ل ” سبارتاكوس “، ولا طاقة لي لتحمّل ما تحمّله ” طومان باي ” حين عُلق لشهورٍ تنهشه الغربان، فلذت بالصبر وتجرع المرارة في صمت .
لا أُنكر إنني تمردت عدة مرات طيلة عمره القصير، إلا إنها كانت في غفلةٍ منه، حين يشرد ذهنه ويطول مكوثه، وعندما ينهض أتلاعب به كيفما أشاء، فلا يستقر على وضعٍ حتى أفقده توازنه، ولغبائه لم يشك بي لحظة، وإنما كان يعزو الأمر لإشياءٍ أخرى .
مات سيدي، فكانت فرصتي الأولى والأخيرة كي أتنسم عبير حريتي الأبدية ، ضُممتُ لقوافل أحرارٍ سبقوني، في البداية اشمأزوا مني وسدوا أنوفهم، فقد كان بي بعضٌ من بقايا سيدي ورائحته النتنة .
ذات ليلة فاجأني كبيرهم قائلاً : مرحبًا بك بين أقرانك
صمت برهةً من الوقت ثم أردف في لهجةٍ صارمة :
عليك أن تفهم أن الحرية المطلقة مفسدةٌ مطلقة، لذا فقد استننا قوانيننا الخاصة بنا، ولأن الحركة كانت من أهم مظاهر عبوديتنا، فإن عدمها هو أهم مظهرٍ لحريتنا، ولأنّ سادتنا كانوا ثراثرة، فإنّ حديث الصمت هو دأبنا ومسلكنا، كدت أن أهز رأسي إيجابًا، إلا إنني تذكرت مقولته فأحجمت، واضجعت على جانبي الأيمن، ومن عينيّ يبرز سؤالٌ عن هسيسٍ يتنامى إلىّ من داخل غرفةٍ صغيرةٍ ملحقةٍ بالبهو الكبير، الذي نضجع جميعًا فيه، لم انتظر كثيرًا لأعرف الإجابة، بادرني : ليس الآن …. ستدخلها عندما يستبد بك الشبق .
شبقٌ ؟! ..أي شبقٍ هذا وأنا لا أشعر برغبةٍ في أي شئٍ سوى الإضطجاع وتأمل الصمت المحيط !
بعد عدة ليالٍ بلغني ما أثلج صدري، قيل لي أن حبيبتك أخيرًا نالت حريتها، فقد ماتت سيدتها حزنًا على وفاة زوجها، فانتظرت بشغفٍ وشوق قدومها إليّ، إلا إنني تفاجأت بها في البهو المجاور لبهونا، ولا وسيلة أُجيدها لاختراق
الجدار الفاصل بيننا، شيئًا فشيئًا تستبد بي الرغبة، وتشتعل جوانحي شبقًا للقياها، حتى بتُ لا أتذكر آخر لقاءٍ حميميٍ بيننا، كيف السبيل إذن لإفراغ ما ينوء بحمله كاهلي ؟ …اختلست نظرةً إليهم، يا إلهي ..هم أيضًا يطفق الشبق منهم كوميض البرق في خلاياهم، يكاد الجوع يتقاذفهم، إلا أنّ القوانين المُقيدة لحركتهم تمنعهم، وفجأةً يتسلل إلى البهو يصيص ضوءٍ ، يتزايد ، يتبعه ظل ذلك الكائن الغبي، وهو يدلف إلى بهونا، وينحني يلملم فيهم ويضعهم في
الغرفة الضيقة، المح خلسةً ابتساماتهم تكاد تتفلت من عقالها، بينما يزداد ذعري وأنا أحاول جاهدً ألا يصلني هسيسهم الشبق .
محمد البنا…القاهرة ٢٠١٥

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى