غير مصنف

الرؤية السردية في رواية ” منعرجات ضيقة ” للكاتبة المغربية أمينة بروادي …….. قراءة // الناقد المغربي سعيد محتال

الرؤية السردية في
رواية منعرجات ضيقة
للكاتبة المغربية
أمينة بروادي
قراءة الناقد المغربي
سعيد محتال
يمكن اعتبار رواية ” منعرجات ضيقة ” للكاتبة أمينة بروادي قصة واقعية في شكل بنائها، حتى وإن كانت من نسيج خيالها ، كتبت بأسلوب مشوق ، تحتار في اختيار من البطل الحقيقي للقصة منذ بدايتها حتى النهاية ، أهي السيدة كريمة أم السعدية أم حليمة أم ليلى..
يبقى العنصر النسوي حاضرا بقوة وله الريادة في الرفع من ايقاع الحكي والدفع به إلى الأمام..

– لِم الرؤية السردية؟. :
الرؤية السردية (narrative perspective ) هي وجهة نظر ينظر من خلالها الراوي إلى أحداث القصة، وهي التي تحدد طريقة عرض المعلومات والأحداث ومدى تأثيرها على القارئ.
والرؤية السردية هي التي تتحكم في مصدر المعلومات المقدمة للقارئ، وما تحمله من أفكار ومشاعر تجسدت في شخصيات مختلفة ومتعددة، تساهم إلى حد كبير في تطوير الأحداث وتنويعها.. وهنا تكمن أهمية الرؤية السردية في قدرتها على التأثير والتوجيه.. وبالتالي تُعد أحد أهم العناصر الفنية في بناء السرد القصصي.

– العنوان ( منعرجات ضيقة )
أول عتبة في النص
وهو مفتاح الدخول إلى عالم النص
وظيفة العنوان : يحدد هوية النص كما يحدد مضمونه
إثارة عنصر التشويق
وقد بنت الكاتبة سردها كما هو مبين في العنوان ” منعرجات ضيقة” والذي يوحي بالكثير من الدلالات والمعاني المقصودة وغير المقصودة التي من شأنها الدفع بالسرد إلى الأمام، من بين هذه الدلالات:
* الضيق النفسي: إذ قد ترمز المنعرجات الضيقة إلى الصعوبات والتحديات التي يواجهها الشخص في حياته، والتي قد تسبب له ضغطاً نفسياً وقلقاً. مما يصعب عليه اتخاذ قرار مهم أو اتجاه محدد، وبالتالي الشعور بالحيرة والارتباك، وهذا ما وقعت فيه السيدة كريمة التي تعرضت إلى ضغط نفسي قوي نقلت على إثره إلى المستشفى ..
وهذا ما لاحظناه حتى على مستوى غلاف الرواية الذي هيمنت على سطحه منعرجات ضيقة باللون الأسود، منغلقة على ذاتها، وذات مسارات ضيقة ومتعددة تعود بك إلى قعر الدائرة التي انطلقت منها، مما يوحي بهذا الضيق النفسي المتراكم داخل الذات الكاتبة تجاه مثل هذه الحالات الاجتماعية المتكررة..

كما تشير المنعرجات الضيقة إلى التحولات المفاجئة في حياة الشخص، والتي يحتاج فيها إلى التكيف والتأقلم، مع الواقع الجديد كما حصل مع ليلى ابنة السعدية التي كانت تعاني من العزلة والانعزال عن الناس، مما أدى بها إلى الشعور بالانطواء على الذات والابتعاد عن الآخرين، وعدم القدرة على التواصل بشكل جيد، إلى حين تعرفها على منى ابنة كريمة..
كما أن العنوان يوحي أيضا إلى ضغوط الحياة نتيجة تراكم المسؤوليات التي يتحملها الشخص، مما يؤدي إلى شعور بالارهاق والإرهاق، والخوف من ضغوطات العائلة والعادات كما مر مع السعدية.. حيث تروي القصة حياة امرأة يتم نزعها من حياة فقيرة ومحبطة في طفولتها وتواجه تحديات كبيرة في رحلتها نحو البحث عن الحقيقة والعدالة.
لذا نجد الرواية قد تناولت العديد من المواضيع المهمة مثل الظلم الاجتماعي والفقر والصراعات الأخلاقية والقيم الإنسانية.
رواية تجمع بين الأسلوب الخيالي والواقعي، وهذا شيء معروف لدى الرواة فكما قال الروائي السوري حنة مينه: إن الرواية هي مزيج من الخيال والواقع، تجذبك أحداثها وتشعرك كأنك معني بتفاصيلها. وتقدم الرواية نموذج شخصيات حقيقية، تعكس واقع المجتمع المغربي من حيث قضاياه الاجتماعية والاقتصادية، وكذا الإنسانية والتربوية..

ملخص الرواية:
الرواية من الحجم المتوسط اعتمدت فيها الكاتبة على أدوات فنية متنوعة من سرد وحوار و وصف..
من خلال سرد مباشر وغير مباشر..تربط بينهما من خلال استحضار لوقائع عبر فلاش باك او تدخلات مباشرة من الكاتبة
أسرتان تختلفان من حيث مكان العيش، ونمطه، ومستواه، وأهدافه… لكن يلتقيان في بداية طريق الرواية لتشكلا معا أهم عنصر مساعد في الدفع بالحكي الى الأمام من خلال التناوب السردي وإن كان الجانب الغالب يعود إلى حليمة …
– الأسرة الأولى التي استهلت بها الساردة حكايتها هي أسرة كريمة التي تعرضت الى وعكة صحية وهي التي تعاني سابقا من ألام الضغط المتكرر إثر تلقيها مكالمة هاتفية من سهام زميل ابنها والتي كانت تريدها زوجة له، خبر لم تكن تنتظره يوما في حياتها ( تعلق ابنها بصديقته الفرنسية سيلين ) ، فأصبحت الاسرة في حاجة إلى خادمة تساعدها في تدبير حوائجها رفقة خادمة البيت.
– أما الأسرة الثانية، تجسدت في حضور السعدية كبطلة الأحداث منذ بداية القصة، تجسد دور المرأة المضحية ( بحياتها في الصغر بالزواج برجل يكبرها سنا إرضاء لأسرتها ) ، والتي ظلت حاضرة بقوة إلى حين بروز ابنتها ليلى التي ستواصل مسيرة السرد الى نهاية القصة، سفرها ببناتها إلى المدينة بحثا عن لقمة عيش هنية حتى لا تعيد الأقدار المعاناة نفسها بزواج ابنتها وحتى لا يتكرر نفس السيناريو ، فتذوق ابنتها نفس العذاب التي مرت به الأم.
تلتقي الأسرتان بلقاء ليلى ابنة السعدية بمنى بنت كريمة، حين تقبل الأولى بالعمل في بيت الثانية؛ وهنا تبدأ فصول الحكاية الحقيقية التي تسلب الساردة فيها حق السرد من السعدية، فتعطي المشعل لليلى التي تكلفت بحكي مراحل تطور الحدث.

– تحليل الرواية

تقدم الرواية تصويرا دقيقا لفترة قصيرة من الزمن،
قرار رحيل حمزة لمتابعة دراسته رفقة صديقته الفرنسية، وما خلفه من صدمة قوية في نفسية الأم التي كانت تعاني من آلام الضغط لسنوات في صمت لتستسلم في نهاية المطاف لنوبة الألم ،وهي السيدة المكافحة التي تدير مؤسسة تربوية بحزم ودون كلل .. لكن الحدث الاخير أفاض كأس الوجع والزمها بذلك الفراش.
تناولت الراوية من خلالها قضايا اجتماعية وقيم إنسانية، حيث تحدثت الرواية عن قوة الصمود والأمل في مواجهة التحديات الصعبة، ومسألة القيم والأخلاق التي تردّت، ولم يعد يؤمن بها الجيل الجديد ( شخصية الابن حمزة)، والحروب التي اشعلها فتيل الطمع والرغبة في الاستيلاء على الثروة ..
أما زوجها كمال الذي يعمل في سلك القضاء فقد كان منشغلا في قضايا المواطنين، وليس لديه الوقت الكافي للجلوس بالقرب من زوجته الرقيقة المشاعر لحد الانكسار ،المتعاطفة مع الجميع والتي لا تمتلك من القوة الا المظهر كما يراها هو على لسان الراوية..
لتنتقل بعد ذلك الراوية مباشرة إلى الحديث عن المعاناة التي تشعر بها السعدية – الشخصية الثانية والمهمة في الرفع من ايقاع السرد- من إحساس بالضيق الى درجة الاختناق ، وعدم راحة البال، مما اضاق عليها الأرض بما رحبت .. وهذا ما جعلها تشعر بالضياع، وبالقيود التي كبلت حريتها بعد وفاة زوجها، وهذا ما دفعها الى التفكير في ترك البادية والهجرة إلى المدينة بحثا عن مكان يتسعها هي وابنتيها، ليطفو على السطح من جديد مشكلة القيم والأخلاق .. وهيمنة الجانب المادي على المعاملات الإنسانية..
لكن الملاحظ أن الراوية هنا تتستر خلف قناع حليمة المرأة الساذجة البسيطة، تمرر من خلالها مجموعة من الاشارات القوية التي تؤمن بها الكاتبة ، صحيح ان حليمة اكتسبت خبرة وتجربة حياة قاسية، لكن الراوية كانت حاضرة بقوة حين تتحدث عن حال الانسان الذي يعاني منا تعاني منه حليمة، وهذا شيء جميل يشعرك بعدم تدخل الراوية في سرد الوقائع التي تأتي بلسان أبطالها، حيث جعلت منها شخصيات نموذجية تحاكي واقع حال العديدين من الاشخاص الحقيقيين ..
تبرر الكاتبة سبب الهجرة والبحث عن أماكن الراحة بذل الخضوع الى الذل والهوان .. لكن المهم أن يظل المرء وفيا إلى جذوره والى أصله كما تقول.. وعدم الانسلاخ من الماضي مهما ابتعدنا عنه، وهذه أمور جميلة تحمل من القيم النبيلة ما لم يفكر فيه جيل حمزة الذي انصاع وراء الماديات والتنكر لكل القيم النبيلة والاخلاق العالية..
نلاحظ نقط التشابه والتلاقي بين السعدية وكريمة في قوة صبرهما وشدة كثمانهما لجروحهما ، وهذا يجسد طبيعة المرأة الصبورة ، القادرة على الحفاظ على العلاقات المتينة داخل الأسرة، حتى لا تتعرض الأسرة إلى التشرد والضياع ..
وهذا ما جسدته شخصية حليمة التي لا تريد ان تتعرض ابنتها التي لا تتجاوز سن السابعة عشرة لما مرت به، وكأن التاريخ يعيد نفسه.. كما ترى الراوية،
هنا تعلل الكاتبة قوة حضور شخصية حليمة ذات الرأي السديد والعقل المدبر كما تراها ابنتها، انها كانت تتابع دروس محو الأمية في المدينة من قبل مما أكسبها قدرة على الاستشهاد بالقران الكريم وتوظيف معانيه في حياتها اليومية.. كما أنها تعلمت من الأسر التي كانت تشتغل عندها، إذ كانت متميزة في قريتها ، تعلم ما يجهله غيرها من القرويات، وكانت حليمة غالبا ما تردد جملة( من لم يتعلم في المدارس علمته الحياة ) ..
عنصر التشويق والإثارة حاضر منذ بداية الرواية ، عرفت الكاتبة كيف تبني نصها باسلوبها الخاص ، الجامع بين تداول الأحداث بالتناوب بين الأسرتين منذ الانطلاقة وإن كان النصيب الأوفر من نصيب حليمة..التي علمتها الحياة أن تكون امرأة صبورة وقوية، لا تستسلم بسهولة، المرأة المكافحة التي تبحث عن لقمة الحلال .. ولا تتكل على أحد، كما علمتها الحياة اخذ الحيطة والحذر والا تثق في احد ، تظهر على تقاسيم وجهها ملامح المعاناة والألم ..
( يتبع …/…)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى