كتاب وشعراء

ألا أيتها المواجع – كفي عن الهذيان ….. بقلم // ضحى الخزامى // سورية

منمنمات رواية/٢٢
ألا أيتها المواجع – كفي عن الهذيان
ثمة غيمة في الأفق

من هنا ، من شرفتي أشاهدُ برج كنيسة ماركت كرشاه في الالت شتات التي تتوسط المدينة القديمة ، وأبراج الكنائس البعيدة المتناثرة هنا وهناك ، كما أرى الأشجار الكثيفة الداكنة الخضرا، و مداخن المعامل المتطرفة ، وطواحين الهواء التي لا تكف عن الدوران لتوليد الطاقة الكهربائية والتي تصطف على مد البصر خارج المدينة حتى خط الأفق..
في الليل يبدو المشهد أكثر سحراً ، بريق الأضواء أكثر إثارة ، إنها مدينة جميلة في غفوتها كما في صحوتها!
منذ أيام لم أكتب لك، كنتُ أشعر بحزنٍ عاصف، اجتاحني على غفلة، عندما عصف بي لم تكن هناك أي مقدمات ، جثم على صدري ليل أسود من الذكريات!
حتى شرفتي التي كنتُ أقف أمامها و أطارد فيها أبابيل الحمام والنوارس و الإوز البري والغربان ، لم تعد تثير رغبتي في الوقوف أمامها ، ولم تعد تستدرج خيالي وأفكاري ولستُ أدري فيما إذا كان لليمامة يد بذلك أم لا ؟
مذ أن هجرتْ اليمامة شرفتي استدرج الحزن روحي، بينما كانتْ بحضورها تجبر خاطري المكسور الذي لم يفكر أحد بجبره بعد رحيلك .
يمر الليل، وحدها السماء بحلكة سوادها تسهر معي، عندما حضر القمر كان يجري لأهثاً، تتبعه نجمة صغيرة جداً، كانت كطفلة تتعلق بذيل ثوب أبيها، وقد غادرتْ النجمات إلى حيث لا أدري، لا دب أكبر ولا نجمة الصبح، كان القمر أكثر من نصفه بشيءٍ بسيط، أقل من بدر و أكثر من هلال عريض، كان ساطع النور، حتى أنه أيقظ السماء بصخبهِ، كان يناور غيوماً في الأفق، كانت تتجه نحو الجنوب، كتل الغيوم البيضاء، ضخمة جداً، تجري مسرعة، تُرى بماذا تفكر وفيما تخطط، ولِمَ تستعجل، هل هي ترتبط بموعد، وتخشى تأخيرها عن موعدها؟!
لستُ أدري، كانت تتجاوز القمر دون أن تعره اهتمامها، وعندما تمر من خلفه بكتلها العريضة المكتنزة، كان يبدو وكأنه يركض أمامها ، يجتاز بيضاها المائل للون الرماد، بينما هي ثابتة ، كان يتجه نحو الشمال، بينما هي لا تزال تتجه نحو الجنوب، كانت أكبر من القمر بكثير، وأحياناً كان يضيع بنوره وسطها فتبدو وكأنها تتقد، وبعد لحظات يسترد لونه ويعود للظهور من جديد ، ولا تزال النجمة الصغيرة تتعلق بذيل ثوبه المنير، إلى أن غادرا السماء التي تطل على غرفتي ولا تزال الغيوم في طريقها نحو الجنوب!
هناك ، في الجنوب، وتحت سماء خاوية من بريق النجوم التي التهمتها الغيوم واحدة تلو الأخرى، كنتَ ذلك الرجلِ البائس الذي غادر وطنه قسراً، تاركاً خلفه معشوقته الأزلية، التي وهبها الروح والجسد، تركتها سبيّة لخفافيش الليل الملتحين السود، ورحلتَ في ليلة غادرها ضوء القمر، إلى منفاك الذي لم تتوقع أن تموت فيه، كنت تظن بأنك عائد، بعد أن تزول سحابة الصيف ، إلا أنها لم تكن سحابة صيف ، ولم تزل ، كانت سحابة شتوية جرفت الأخضر واليابس !
لازلتُ أذكرُ ذلك اليوم الذي غادرتَ به الرقة، لتنجو بحياتك، بعد أن طال تخلف الطغيان الأسود وجوره، المكتبات ودور الثقافة، والمتاحف ومراسم الفنانين ، ومن جملتها كان متحفكَ الذي أفنيتَ عمركَ وأنتَ تبنيه طوبة طوبة، وكذلك بعد أن سمعتَ عن مصير رفيق الهوس الأثري صديقكَ العالم خالد الأسعد مدير آثار تدمر ، الذي أعدم ذبحاً، رحلتَ تاركاً خلفك متحفكَ وإرثكَ الثقافي وسنين عمركَ وجهدكَ المُتفرد المُضني، تركتَ بصماتكَ التي لن تمحى على خارطةِ الحياة الثقافية بالرقة .
لا زلت أذكرُ معاناتكَ، و حجم وجعكَ ، بعد أن سلبَ لصوص الحضارة متحفك ونهبوه ، وحطموا ما حطموا ، وأحرقوا ما أحرقوا، وكيف قضيت السنوات الأخيرة من عمرك وحيداً في شانلي أورفا في بيت ٍ كان اسطبل للخيول، ولا تغيب عن مُخيلتي صورتك وأنت تجلس وحيداً حزيناً، ثم لحقتُ بك برفقة بناتي لننجو أيضاً بانفسنا!
أتذكر ، تلك الليلة الماطرة ، جلستَ ويدك على خدك، تحمل همومك وهمومنا وهموم العالم الثالث برمته، شريط الذكريات شاشة سينمائية نشطة، تعرض مآسي سيناريوهات الربيع العربي المؤلمة، لم يكن ربيعاً من توليب ولافندر، كان ربيع ارض محروقة، تعس برائحة الرماد والدخان ، بحزن المقابر الجماعية ، التي اختلطتْ فيها الاشلاء، كلُّ شلو له حكايا، و أسى النازحين الذين احتضنهم اليباب وفتح لهم ذراعيه ملاذاً و مأوى ، هناك كان ثمة غيمة في الأفق!
لحظتها استفقتَ من شرودكَ مشدوهاً، بعد أن أخذتْ تلك الغرفة تغرق بسيل المطر!
كنتَ تُنادي صغيراتي، ملاك استيقظي ، ايمار فاطمة استيقظنَ ،هيا استيقظنَ، غيمة في الأفق، ولم تمتلك الغيمة معنا صبراً، انفجرت رباب مطر !
كنتَ تنادي، هلموا بجمع الأغطية، وذلك البساط الصوفي الأحمر المزركش بالنقوش ، يشبه سدو أمي !
تعالوا ساعدوني، بمد حاجز يمنع دخول المطر، حتى سادتْ حالة من الهلع داخل الغرفة، لم تدرك صغيراتي أهو كابوس أم يقظة ، ارتفعتْ أصواتهن، وكذلك صراخهن، كن يبلّغنَ بعضهنَ البعض أن غيمة في الأفق!
لم يدركنَ أن الغيمة صارتْ رباباً والرباب صار سيل أغرق الغرفة و أهلكَ عمود البيت بنزح الماء عند العتبة، وبغضون دقائق تحولت الغرفة لسمتنقع صغير ضحل، بينما كانت صغيراتي يرتجفن، وقد انغمستَ أقدامهن في الطين المنجرف من ساحة البيت، ولا تزال تتردد على ألسنتهن غيمة في الأفق ، غيمة في الأفق!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى