الإثنين , أغسطس 2 2021

د. وسام قبّاني تكتب…تلك الثقافة الغائبة

 لا يعتذر إلا المتحضّر ( لعلّه من أبرز القوانين الاجتماعيّة التي تُقِرُّ بها ثقافاتُ العالم أجمع على اختلاف تكوينها وطبيعتها.

وفي خضم هذه الحياة وضوضائها يغيبُ عن واقعنا العديد من السّلوكيّات الصّحيحة، والتّصرّفات السّليمة. ومن أبرزها الاعتذارُ عن الخطأ.
حقّاً لقد غدت ( ثقافة الاعتذار ) غائبة عن واقعنا المعيش في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمرٌ مؤسفٌ، ولاسيّما أنّنا نتباهى كثيراً بحضارتنا العربيّة التي تتغنّى بمكارم الأخلاق، وحميد الخصال منذ أقدم العصور والأزمان.
لذا لا بدّ لنا من وقفةٍ نضيءُ فيها شيئاً من وجوه هذه الثقافة الرّاقية، لمعرفة كيف ارتسمتْ معالمها في ثنايا تراثنا العربيّ شعراً ونثراً، ومن ثمّ نعيدُ إحياءها في طقوس حياتنا اليوميّة.
في معاجم العرب: الاعتذار لغةً مُشتقٌّ من الجذر اللغويّ ( عذر )، وهو جذرٌ ذو تصاريف ثرّة. وممّا جاء في كتاب ( العفو والاعتذار ) للرّقّام البصريّ ” أصل الاعتذار وما جانسه في اللفظ – وإنْ باينه في ظاهر المعنى – مُشتقٌّ من ( عِذار الدّابّة أو عَذِرَة الدّار ) أي فِناؤها الحاجز بينها وبين غيرها… فقولهم: ( اعتذرَ الرّجلُ فعذرْتُهُ ) أي: احتجزَ بالقول وغيره ممّا قُذِفَ به من الجناية، (فعذَرتُهُ) أي: جعلتُ لهُ بقبول ذلك منه حاجزاً بينه وبين العقوبة أو العتب عليه..”
أمّا الاعتذار اصطلاحاً فيمكن تعريفه – في الأغلب الأعمّ – بأنّه: التماسُ المعذرة من خطأ، أو ما قد يظنّ بأنّه خطأ، وطلب السّماح من المُعتذَر منه.
وقد اهتمّ أدباء العربيّة بفنّ الاعتذار بوصفه باباً من أبواب الشّعر، يقول أبو هلال العسكريّ: ” كانت أقسام الشّعر في الجاهليّة خمسة: المديح، والهجاء، والوصف، والتّشبيب، والمراثي، حتّى زاد النّابغة فيها قسماً سادساً، وهو الاعتذار.”
كما أطنبوا في الحديث عن فنّ الاعتذار، وقيمته في الحياة، وأثره في تصفية القلوب، وإعادة مياه المودّة إلى مجاريها. ويمكن الوقوف في رحاب خمسة محاور اهتمّ بها الأدباء والشّعراء في ميدان الاعتذار، وهي:

الاعتذار ديّة الذّنب.
قبول العذر واجب.
العفو من شيم الكرام.
الإقرار بالذّنب حبّاً بالآخر.
اعتذار الكرماء.

1- الاعتذار ديّة الذّنب:

هذه القاعدة أقرّها العرب منذ القِدَم، فقالوا : ” الاعتراف يهدمُ الاقتراف.” و” الاعتذار وإنْ قلّ ديّة الذنب وإنْ جلّ.”. و ” شفيع المذنب إقراره، وتوبة المجرم اعتذاره.” فممّا تعارفَ عليه العرب أنّ الشّاعر المُعتذِر يمحو ما تقدّم من قبيح الحوبة بجميل التّوبة، ويجلو دُجى الاقتراف المرير بصُبح الاعتراف المنير. ومن أشهر ما قيل في ذلك قول المتنبّي:

وإنْ كانَ ذنـبي كلّ ذنبٍ فإنّهُ محا الذّنبَ كلَّ المحو منْ جاءَ تائبا

2- قبول العذر واجب:

من مكارم الأخلاق ألا تردّ مخطئاً أتاك معتذراً، فمن رفع لواء العذر الواضح حقّ له أن يحظى بالعفو الجميل. لأنّ الإقرار بالجرم فضلٌ، وطوق نجاة يدرأ عن صاحبه مغبّة القصاص، وقوارص الملام. وقد ألمح الشّعراء إلى هذا العرف السّائد في حياتهم الاجتماعيّة. فمثلاً يقول البحتريّ :

اقبَلْ معاذيرَ مَنْ يأتيكَ مُعتَـذِراً إنْ بَرَّ عندكَ فيما قالَ أو فَجَـرا
فقد أطاعكَ مَنْ أرضاكَ ظاهِرُهُ وقد أضلَّكَ مَنْ يعصيكَ مُستَتِرا

وقد قالت العرب قديماً: لا عُذرَ في ردّ الاعتذار، والمعتذرُ من الذّنب كمن لا ذنبَ له.

3- العفو من شيم الكرام:

يقول ابن داود الأصبهانيّ في مؤلَّفه الشّهير ( الزّهرة ): إنّ ” أهل الصّفاء هكذا يجب أن تجري أحوالهم في ترك ما كان من حقوق أنفسهم، والابتداء ببسط العذر لأحبّتهم.” وقد أسرف الشّعراء في الإشارة إلى شرف العفو، ومن بديع أقوالهم في ذلك قول الحسن بن وهب:

ما أحسنَ العفـوَ من القادر لاسـيّما عن غير ذي النّاصر
إنْ كان لي ذنبٌ، ولا ذنبَ لي فما له غيـرَكَ من غـافرِ

4- الإقرار بالذّنب حبّاً بالآخر:

بابٌ من أبواب التّفاني في حفظ الوداد، يتمسّك الشّاعر بأهدابه، إذا ما جفاه النّديم وقلاه، واستحال عهد صفائه إلى تكدير. فعندها يتّخذ البريء من الإقرار بالذّنب سبيلاً ليحوم على مورد العفو النّمير. ويكثر هذا الضّرب من الاعتذار في ميدان الغزل، فمثلاً يقول صريع الغواني:

أُقِرُّ بالذّنبِ منّي لستُ أعرِفُهُ كيما أقـولَ كما قالتْ فنتَّفِـقُ

5- اعتذار الكرماء:

ضربٌ من التّقريظ أفرزته طبيعة حياة العرب التي تعنى بالجود بوصفه سمةً رئيسة من سمات السّيادة. فالكريمُ يجودُ بأثمن ما يملك ثمّ تراه معتذراً عن تقصيره. ومن بديع ما قيل في هذا المعنى قول أبي تمّام:

يعطي عطاءَ المُحسِن الخَضلِ النّدى عفـواً ويعتذِرُ اعتذارَ المُذنبِ

وفي هذا المعنى أيضاً يقول المعتمد بن عبّاد في إحدى مدائحه:

سميدعٌ يهبُ الآلافَ مُبتـدِئاً ويسـتَقِلُّ عطـاياهُ ويعتـذِرُ

يتّضح ممّا تقدّم أنّ فنّ الاعتذار شغلَ نصيباً وافراً من تراثنا العربيّ. وما أجمل أن نترسّم خطى أجدادنا الذين جعلوا من الاعتذار سلوكاً حضاريّاً ومهارة اجتماعيّة تزيد من الألفة والمحبّة بين أفراد المجتمع.
……………………………………
المصادر والمراجع:

التّذكرة الحمدونيّة، ابن حمدون، تحقيق: د. إحسان عبّاس، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى، 1996م.
ديوان أبي الطّيب المتنبّي، شرح: أبو البقاء العكبريّ، تحقيق: إبراهيم الأبياريّ وآخرين، مطبعة مصطفى البابي الحلبيّ، مصر، 1936م.
ديوان البحتريّ، تحقيق: حسن كامل الصّيرفيّ، ، دار المعارف، مصر، الطبعة الثالثة، 1963م.
ديوان المعاني، أبو هلال العسكريّ، شرح: أحمد حسن بسج، دار الكتب العلميّة، بيروت، الطبعة الأولى، 1994م.

ديوان المعتمد بن عبّاد، تحقيق: أحمد بدوي، المطبعة الأميريّة، القاهرة، 1951م.
الزّهرة، ابن داود الأصبهانيّ، تحقيق: د. إبراهيم السّامرّائيّ، مكتبة المنار، الأردن، الطبعة الثانية، 1985م.
شرح ديوان صريع الغواني، تحقيق: د. سامي الدّهان، دار المعارف، القاهرة، 1985م.
العفو والاعتذار، الرّقّام البصريّ، تحقيق: د. عبد القدوس أبو صالح، دار البشير، عمّان، الطبعة الثانية، 1992م.
عيون الأخبار، ابن قتيبة الدّينوريّ، دار الكتب المصريّة، القاهرة، الطبعة الثانية، 1996م.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: