الثلاثاء , أغسطس 3 2021

أحمد الصغير يكتب : المجانين !

 

♦ أقدم
هذه الواقعة و أوجه هذا المقال لأولئك الذين يستنكرون الاتهامات الموجهة مباشرة للخطاب
الدينى المتطرف فى مصر و الذين ينكرون تحميل هذا الخطاب و المسؤلين عنه الجزء الأكبر
من مسؤلية ما يحدث فى مصر ..

♦ بعد
ظهر الأمس دخلتُ إحدى الصيدليات بأسوان و كان دخولى على عبارات يوجهها أحد الشخصين
– و هو الأكبر سنا و يبدو أنه مالك الصيدلية – إلى الشخص الآخر – الأصغر سنا ..

العبارات
– التى لن أخففها – كانت نصا كلآتى :-

( إنت
نسيت مش دول اللى ملوا الميادين فى 30 / 6 ؟! و الرسول عليه الصلاة و السلام اللى لا
ينطق عن الهوى بيقول إنه فى حالة الحرب لازم حتى نضيق عليهم فى الطرقات !

لا لا
يا محمد إنت شكلك حنيت و أنا نظرتى فيك هتتغير ! )

♦ لم
أكن أتخيل أن هناك مِن بيننا مَن سيختلف موقفه أو تختلف مشاعره فيما يخص الجرائم التى
وقعت يوم الأحد الدامى عن مشاعرنا جميعنا حتى مع علمى اليقينى بوجود مشاعر كراهية فى
صدور بعض المتطرفين لكننى كنت أعتقد أن تلك المشاعر لن يكون لها مكان فى المشهد الأخير

♦ هل
هناك جنون أكثر من هذا ؟! هل هناك افتئاتٌ على الرسول عليه الصلاة و السلام أكثر من
هذا ؟! هذا الجنون و الجهل و هذا التطرف و هذه العبارات الدموية تصدر عن شخصٍ غالبا
يحمل – على الأقل – درجة بكالوريوس صيدلة و هو حتى لم يخجل مما يقول أو يتوقف عن حديثه
الصادم مع دخول شخص غريب عليهما

♦ هذا
الجاهل المجنون و كل من يعتقد معتقده يخالفون القرآن صراحة و يتمسكون بالتراث البشرى
الفاسد الذى شوه الإسلام و نسب للرسول الكريم ما هو منه برىء براءة قطعية لا تقبل الشك
إلا من النفوس المريضة التى وجدت فى بعض هذا التراث ما يثلج قلوبهم المليئة بالسواد
و الميل لسفك الدماء ..

♦ لقد
تجاهلوا القرآن الكريم الذي يقول فى سورة الحج :-

( (
وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ
وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ
مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * )

فالقرآن
يساوى صراحة بين جميع دور العبادة فى الحصانة و التقديس و الحماية ..

♦ و
يقول فى سورة الممتحنة عن علاقة البر و المودة بين المسلمين و بين أهل الكتاب :-

( لا
يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم
مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُقْسِطِينَ )

فالقرآن
يأمر المسلمين صراحة أن عليهم البر و القسط لأهل الكتاب إن لم يكن بينهم حرب .. و استخدم
القرآن الكريم لفظ البر و هو فى اللغة يشمل كل معانى الود و الإحسان .. قكيف يستقيم
أن يكون هناك بر مع التضييق عليهم فى الطرقات ؟!

♦ و
قطعا فإن افتراض وجود حالة حرب بين المسلمين فى مصر و أهل الكتاب المصريين لا وجود
له الآن .. لأن الأسس التى تقوم عليها الدول حاليا و تندلع من أجلها الحروب ليست دينية
على الإطلاق .. و لا يمكن أن يتصور شخص طبيعى أن تحارب مصر و لا يكون جميع المصريين
– مسلمون و مسيحيون – فى جيشٍ واحدٍ ضد الدولة المعادية لنا !

♦ و
الحرب الوحيدة بيننا و بين أهل كتاب كانت – و يمكن أن تكون مرات أخرى – ضد إسرائيل
و كان المصريون بمسلميهم و مسيحييهم – و سيكونون أيضا – معا ضد إسرائيل ..

♦ لذلك
فقط انتفى فى الحالة المصرية – بنص القرآن الكريم الواضح و الصريح – شرط عدم البر و
الإحسان و المودة و الولاء المتبادل بين المسلمين و المسيحيين ..

♦ و
كل من يقرأ فى كتب التراث يعرف مآساة قصة الأحاديث المنسوبة كذبا للرسول عليه الصلاة
و السلام و أن هناك جملة أحاديث منها تتعلق بالعلاقة مع أهل الكتاب ..

♦ مع
ملاحظة أن السواد الغالب من الأحاديث و الآيات القرآنية التى تتعامل مع أهل الكتاب
كانت تخص اليهود المقيمين فى المدينة و الذين كانوا فى حالة حرب صريحة مع المسلمين
و أنهم حاولوا اغتيال الرسول عليه الصلاة و السلام كما تروى كتب التاريخ كما أنهم نقضوا
عهدهم العسكرى مع المسلمين فى أكثر من مرة ..

♦ و
كمثال واحد لإدراك حجم المأساة ’ فإن الحديث الذى يقول إذا لقيتم ( المشركين ) أو
( اليهود و النصارى ) فلا تبدأوهم بالسلام و اضطروهم لأضيق الطريق هو ما يمكن أخذه
كمثال حى و مهم لكارثة التعصب للتراث البشرى حتى لو كان على حساب القرآن الكريم ذاته
..

♦ فهذا
الحديث مطعونٌ فى صحته منذ العصور القديمة و تم وصفه بالضعف و الارتباك و هو مروىٌّ
عن شخص واحد فقط اسمه ( سهيل ابن أبى صالح ) و معروف أن الحديث المروى عن شخص واحد
إذا ما تعارض مع أحاديث أخرى فلا يعتد به ..

♦ و
يعتقد أنه من الأحاديث التى وضعت فى العصر الأموى ’ فهناك جملة أحاديث حربية تم وضعها
فى العصر الأموى لشرعنة ما سمى بالفتوحات العسكرية الإسلامية ..

♦ و
فى مقابل هذا الحديث المنسوب كذبا للرسول عليه الصلاة و السلام فهناك جملة أحاديث و
وقائع و مرويات تكذبه و تنسفه تماما أوضحهم ما نصه ( كان الرسول لا يمر بمسلم أو يهودى
أو نصرانى إلا و يبدأه بالسلام )

♦ و
حديث أن رجلا جاء للرسول يسأله أىُّ الإسلام خيرٌ فأجابه الرسول ( أن تطعم الطعام و
أن تقرأ السلام على من تعرف و من لا تعرف )

♦ و
هناك عشرات من الأحاديث و الشواهد و القرائن و مواقف السنة العملية للرسول التى تثبت
أنه كان عليه الصلاة و السلام أرحم و أبر ما يكون فى علاقاته مع أهل الكتاب و حتى مع
الكفار الذين لم يكونوا فى حالة حرب مع المسلمين .. و أنه عليه الصلاة و السلام أبعد
ما يكون عن سفك الدماء أو الحض على الكراهية حتى مع من كانوا يعتدون عليه لفظا أو فعلا
..

♦ و
أنه فى سيرته عليه الصلاة والسلام أنه حارب بعض قبائل شبه الجزيرة العربية البدوية
المسيحية التى تآمرت ( عسكريا ) مع الروم ضده ثم انتصر عليهم و نزلت وقتها آية فرض
الجزية على هذه القبائل المتآمرة ..

♦ إلا
أنه عليه الصلاة و السلام أكرم تلك القبائل و رضى منهم ببعض منسوجاتهم عوضا عن الجزية
و لم يهنهم أو يفرض شروطا جائرة عليهم و أصدر أوامره للمسلمين بعدم الاعتداء على أى
عُبّاد أو نُسّاك أو أى بيع أو صوامع ..

♦ فهل
يُعقل أن تصدر عن هذا الرسول (ص) أقوالٌ أو أفعالٌ تبيح أو تسمح بالقتل أو الاعتداء
على آمنين فى أوطانهم أو فى دور عبادتهم ؟!

♦ لكن
المجانين كما نحوا القرآن جانبا ينحون كل هذه الأحاديث و المواقف النبوية المعروفة
جانبا و يتمسكون بما يتماشى مع نوازعهم الدموية ..

♦ بل
إن الهوى الدموى قد جعلهم ينحون جانبا إحدى الروايات الواردة فى قصة حديثهم المزعوم
و هى الرواية التى وردت لفظا كالآتى ( إذا لقيتموهم – و لم يسم أحدا – فاضطروهم لأضيق
الطريق ) .. و لقد نحوا هذه الرواية جانبا لأنها توضح و تجزم أن الحديث ورد فى قومٍ
بعينهم كانوا معروفين لأصحاب النبى فى سياق حديثه معهم و هذا يدل أن الحديث كان فى
سياق موقف معين و لم يكن تشريعا أو حكما ..

♦ حقيقة
واحدة يصل إليها كل من يتخذ قرارا بالبحث فى التراث الإسلامى و يقارنه بالقرآن الكريم
و هو أن القرآن و الإسلام و الرسول عليه الصلاة و السلام لا علاقة لهم بما يرتكب من
جرائم دموية و أن هناك إسلاما موازيا تم خلقه على مر القرون و أن هذا الإسلام يختلف
عن رسالة الإسلام التى نزلت على محمد عليه الصلاة و السلام ..

♦ لكن
المأساة الكبرى أن هذا الإسلام المواز طغى على الإسلام الحقيقى و احتل مكانه فى كثير
من الكتب التى يتم تداولها فى مصر و فى غيرها من دول العالم .. و أن كثيرا من رجال
الدين هم فى الحقيقة دعاة لهذا الإسلام المواز إما يالمشاركة المباشرة أو بالصمت حينما
ترتكب بعض الجرائم مثل ما حدث يوم الأحد

♦ لذلك
فخوض المعركة فى الداخل لا تقل خطورة عن مواجهة تآمر الخارج .. و قصر المعركة على رجال
الأمن و القوات المسلحة هو فى الحقيقة هروبٌ من المواجهة الحقيقية و تآمرٌ على هذا
الوطن يفوق فى خسته تآمر الخارج ..

♦ لن
يكون فى صالح هذا الوطن استمرار التهوين من حتمية خوض المعركة الفكرية و استجلاب عبارات
التخدير العقلى من عينة أن الأمر كله مؤامرة خارجية و أن النسيج المصرى كله بخير
..

♦ لم
يعد هذا المنطق صالحا للاستمرار فلو أن النسيج المصرى – فى مجمله – و إلى الآن بخير
’ فلن يستمر هكذا للأبد مع ظهور المستجدات الفكرية و الأحداث السياسية الدولية و المحلية
فى السنوات الأخيرة .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: