الأربعاء , نوفمبر 25 2020

عبدالرحيم حشمت عسيري يكتب ….لا تجارة بالدين بعد اليوم

المصريون شعب طيب مسالم ، متدين بالفطرة ، ومؤمن بالسليقة .. لذا ما أن تخاطبه بلغة الدين حتى تستحوذ على عقله ، وتملك زمام أمره ، وتدخل قلبه بلا استئذان ، لتقيم فيه عرشك ، وتتربع عليه في أمان ، وتعلن فيه حكمك ، وتفرض عليه وصايتك ، وتصدر أوامرك ، وتطبق أحكامك ، وتبقى فيه إلى ما شاء ربك .. ويا ويل وسواد ليل من يكتشف هذا الشعب ذات يوم زيف تدينه ، وسوء مقصده، طرده من قلبه شر طرده ، وخلعه من عرشه دون رحمة ، وأرسله إلى مزبلة التاريخ بلا رجعة ليحتل مكانه الطبيعي بين اللصوص والعملاء والخونة .. وبالرغم مما يصيب هذا الشعب من أمثال هؤلاء من فساد وخداع وظلم وإقصاء فإنه يلوم نفسه ، ويتندر على حاله ، ويراجع حساباته ، ويصحح مساره ، لكنه يكره العنف والانتقام ولا يحب إسالة الدماء .
لو نظرنا قليلا فيما مضى لعرفنا أن سوابق التاريخ في النصب على المصريين باسم الدين عديدة .. ولو اكتفينا مثلا بتقليب صفحات العصر الحديث .. لعرفنا لماذا أشهر نابليون بونابرت إسلامه ، وكيف أظهر تدينه من أجل استمالة قلوب المصريين كي يحمي جيشه من مقاومتهم التي لا تهدأ ، وعزيمتهم التي لا تلين .. ثم لعلمنا من بعد لماذا حاول الملك فؤاد الأول إعلان نفسه خليفة للمسلمين عقب انهيار الدولة العثمانية ، وسقوط الخلافة الإسلامية .. ولرأينا كيف خلع الرئيس أنور السادات على نفسه لقب الرئيس المؤمن في حربه المصيرية ضد الناصريين والشيوعية . ثم انظر إلى كل من أحمد الريان ، وأشرف السعد ، ومن على شاكلتهما من الأفاقين والحرامية والنصابين – لمجرد أنهم كانوا ملتحين – كيف استولوا على أكثر من عشرة مليارات جنيه خلال فترة زمنية محدودة من جيوب المصريين بمختلف طبقاتهم الاجتماعية ، وشتى مراكزهم الوظيفية ، وكافة مستوياتهم التعليمية .
وبشكل عام في كل زمان ومكان على مر التاريخ وعلى امتداد جغرافية الأوطان أنظر إلى أي نصاب أو حرامي أو محتال فستجده بشكل أو بآخر يلعب على وتر الدين للإيقاع بضحاياه من المصريين لا لذنب اقترفوه سوى أنهم أناس يعشقون الدراويش ، ويثقون في (بتوع ربنا) ، ويحبون المتدينين .
في الماضي ربما كان من السهل الضحك على عقول المصريين وخداعهم ، وتغييب وعيهم ، وسلب إرادتهم ، والاستيلاء على مقدراتهم باسم الدين .. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو : هل الفرصة ما زالت سانحة في وقتنا الحالي لتجار الدين أن يعودوا من جديد للنصب على المصريين باسم الدين ؟ .. الإجابة واضحة وضوح الشمس وهى النفي القاطع .. ذلك لآن المصريين اكتسبوا مناعة تاريخية حصنتهم بسياج وطني ضد الانسياق ، وأحاطتهم بحاجز نفسي عصي على الاختراق .. بعدما مروا بتجارب مريرة قاسية مع أدعياء الدين وأعداء الإنسانية .. لعل أشد هذه التجارب قسوة ، وأكثرها مرارة تجربتهم مع الجماعة الإرهابية التي ارتكبت في حقهم جريمة نصب تاريخية استمرت عدة عقود .. صدعتهم خلالها بشعار (الإسلام هو الحل) فاطمئنوا لها ، وكذبت عليهم حينما قالت (ظلمنا في الأرض) فتعاطفوا معها ، ونصبت عليهم حينما قالت (لدينا مشروعا للنهضة) فأيدوها ، وخدعتهم حينما قالت (جئنا بالخير لهذا الوطن) فصدقوها ، وضللتهم حينما قالت (نحن أطهر من ماء المطر) فوثقوا فيها .. ثم اكتشفوا بالجرم المشهود أنها جماعة وصولية تؤمن بالتقية أي تقول ما لا تفعل وتفعل ما لا تقول .. فصدم أبناء هذا الشعب الطيب على مدى عام كامل حينما شاهدوا بأم أعينهم ضلال وتضليل قيادات هذه الجماعة ، وتجارتهم بالدين ، وانحلال أخلاقهم ، وانعدام ضمائرهم ، وكذبهم المشين .. وكله (بما لا يخالف شرع الله) والشرع منهم براء .
منذ أواخر ثلاثينيات القرن الماضي تسعى هذه الجماعة الضالة للوصول إلى سدة السلطة .. من أجل تطبيق أجندتها المشبوهة ، وإرضاء طموحاتها الخاصة المكشوفة ، وتحقيق أهدافها التوسعية المعروفة .. وقد سخرت في سبيل ذلك جميع إمكانياتها المادية الهائلة ، وكرست أفكارها الشيطانية المتطرفة .. على حساب هذا الشعب ، وخصما من مقدرات هذه الأمة .. فهي جماعة حاقدة لا تحترم الإرادة الشعبية ، ولا تقبل بتداول السلطة بالطرق السلمية ، وتسعى جاهدة للقفز على السلطة مرة أخرى بكافة الطرق غير الشرعية .. ابتداء من نشر الإشاعات ، وتشويه الإنجازات ، ومرورا بتخطيط المؤامرات ، ووصولا إلى تدبير الاغتيالات ، وانتهاء بارتكاب جرائم التفجيرات .. ثم بعد كل هذه الدماء نسمع أصواتا عميلة خائنة تقول بلا حياء أو خجل لا داعي لاستكمال هذه المحاكمات ، تحت شعار المصالحة الوطنية .. ولنبدأ من الآن صفحة جديدة عنوانها الرئيسي (اللي فات مات) !! .
كان من الممكن لهذه الجماعة المنحلة أن تصبح إضافة مهمة للأمة .. لكن ماذا نقول فقد أعماها الطمع ، وقتلها الغرور ، حيث انغلقت على نفسها ، ولم تتبنى إلا أفكارها ، ولم تعمل إلا لتحقيق أهدافها التي اختزلتها في الانفراد بالسلطة .. أما هذا الشعب الفقير فكان وما زال خارج حساباتها وهو خطأ فادح ذبحها من الوريد للوريد .. والدليل على صحة هذا الكلام ما يملكه قياداتها من أموال ، فضلا عن احتلال أحد رموزها الكبار مرتبة متقدمة ضمن قائمة المائة الأكثر ثراء على مستوى العالم .. فبالرغم من ذلك لم تضبط هذه الجماعة أو غيرها من الجماعات المارقة طوال تاريخها متلبسة بعرض رؤية مستقبلية لتطوير المناهج التعليمية .. ولم تعكف أي منها على عمل دراسة موضوعية للارتقاء بمستوى الخدمات الصحية ، أو غيرها من الخدمات العامة المتداعية .. ولم تقدم أي اقتراح يطبق على أرض الواقع مبدأ التكافل الاجتماعي الذي يحث عليه الدين الإسلامي ، وتباركه جميع الأديان السماوية ، ولا ينكره أي معتقد أرضي ، ولا يختلف عليه أي توجه سياسي .. كما لم نسمع من قبل أن هذه الجماعة الإرهابية قامت بمظاهرة شعبية في إحدى المناطق العشوائية ، وهي ترفع شعارات تطالب من خلالها المؤسسات بإعطائها فرصة لتنفيذ ما لديها من مخططات لإزالة وإحلال أي من هذه المناطق العشوائية التي بلغ عددها أكثر من 1200 منطقة منتشرة في جميع أنحاء الجمهورية ، وتأوي حوالي عشرة ملايين من المصريين الفقراء الذين لا ذنب لهم سوى أنهم مواطنون شرفاء .. نهب حقوقهم الأغنياء ، وتاجر بمعاناتهم الأدعياء .. وهكذا يتضح لنا في النهاية أنه لا يوجد أي فارق بين لصوص العهد البائد ، وبين تجار الدين سوى اللحية والجلباب القصير !! .

 
 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: