الأحد , سبتمبر 20 2020

شوكت عز الدين يكتب: نحن فى أمس الحاجة لتدريس الأديان

لست مع الرأي القائل بإلغاء تدريس مادة التربية الدينية، الإسلامية أو
المسيحية، بمدارسنا فى مصر، ولا مانع من اعتماد مواد أخرى تدرس بجدية إلى جانبها،
التربية الوطنية والقومية والأخلاق والتربية المدنية والسياسية.

 

فكل جرائم الإرهاب الداعشي التى ترتكب باسم الدين ضد الجيش والشرطة والشعب
والإخوة المسيحيين أيضًا، ناتجة عن تقصير واضح فى أداء العملية التعليمية للنشء،
خصوصًا فيما أتت به إلينا الرسالات السماوية والكتب المقدسة من قيم وأخلاق وفضائل،
ونذكر فى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”،
وقوله تعالى “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”.

 

ففضل الله على عباده أن أرسل رسلًا وأنبياءً إليهم يبشرونهم ويرشدونهم ويحذرونهم
عاقبة الخطأ والخطيئة، فقال تعالى “ألم نجعل له عينين ولسانًا وشفتين وهديناه
النجدين”، أي أن مبلغ الإنسان العقل والمسئولية يستوى معه حق محاسبته عما
يفعل ويسلك فى حياته، وهنا قراءة مهمة لمغزى ما تحمله رسالات الله إلى البشر فى
كتبه، القرآن والإنجيل والتوراة، والتى لا يمكن الابتعاد بأبنائنا على مختلف عقائدنا
عنها، حتى إذا ما تفهموا حقيقة الاختلاف توحدوا حول سبل تعايش حقيقية، أسسها
سماوية وأركانها القيم والأخلاق، وضوابطها مدنية تستند إلى قوانين وضعية وتشريعات
وأعراف مقبولة متفق عليها ودساتير منظمة لأطر العلاقات داخل المجتمعات.

 

كنا نغضب تلاميذًا حينما تحضر حصة التربية الدينية فى مدارسنا فيفصلون
بيننا وبين زملائنا المسيحيين، يذهبون إلى غرفة أخرى ونبقى فى أماكننا، لا نعلم
ماذا يدرسون ولا نفهم عن عقيدتهم شيئا، والعكس صحيح، حتى إذا ما غزت أفكار
تستهدفنا جميعًا عقول بعضنا، سعى القليل إلى إفساد الكثير منا وهدم حالة السلام
والتسامح التى سادت مجتمعاتنا طويلًا.

 

ولو أن متابعًا لما جرى بمنطقة الخصوص بالقليوبية خلال الساعات القليلة
الماضية من فتنة عقول انتهت إلى جريمة قتل وتستمر إلى جريمة أخرى متوقعة حال تطبيق
قانون الفوضى وهى التهجير، لأدرك ما تشبعت به عقول فى سنوات الصغر حتى وصل بها
الحال إلى التعامل مع مناطق مظلمة فى شخصيتها وشخصية مجتمعها، فسيطرت عليها
تنظيمات وقيادات عبثية تدربها على الكراهية والعنف والحقد والقتل والإفساد فى
الأرض.

 

لقد كانت جريمة قتل الأطفال والنساء فى المنيا يوم الجمعة الماضي عنوانًا
متكررًا لما كبرت عليه عقول هوت بأصحابها حتى كان الدم عنوانًا لتفكيرها والقتل
منهجا لسلوكها والتكفير راية لحركتها والحلم بالحور العين عبر إزهاق الأرواح
رؤيتها التى حولت حياة مجتمعات عربية إلى كابوس لا نهاية له.

 

كما كانت فتاوى وآراء متطرفين فكريًا شعلة أحرقت عقول وقلوب مريديهم وجعلت
منهم وقودًا فى معركة يعرف القاص والدان المستفيدين منها محليًا وإقليميا ودوليا
دون أن يسدد غير مجتمعنا وأهله ثمنًا لها أكبر مما تخيل الجميع.

 

إننى أرى أن التقصير الشامل فى أداء مؤسسات كثيرة وراء ما وصلنا إليه من
أزمات وما نشهده من جرائم متكررة بين المتفقين والمختلفين مجتمعيًا ودينيًا على
السواء، ولا أدل على ذلك من انهيار منظومة القيم كافة حتى أصبحنا نعاني الأمرين فى
مواجهة مشكلاتنا وتحدياتنا الحقيقية، فلا الفساد صنيعة أديان بل صنيعة من انحرفوا
عن صحيح الأديان والقيم والأخلاق، ولا القتل صنيعة الكتب السماوية بل صنيعة
التفسيرات الفاشية لها، ولا الدين عدو للبشر حتى يواجه بحملة لإزالته من مناهج
التعليم، فلا حضارة قامت دون عقيدة، ولا عقائد أصح مما ارتضاها الله لعباده.

رحم الله شهداء مصر كافة ضحايا الإرهاب الغادر والفتن.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: