الجمعة , سبتمبر 25 2020

محمد المحسن يكتب ….هل بالإمكان توحيد جبهةموّحدة..ضد الظلم الإجتماعي العالمي

لا تعِدنا بدايات القرن الحادي والعشرين بعالم أفضل وبإنسانية أرقى، ذلك أنّ الجنون غدا المحرّك الأساسي لعالم دائم القفز إلى بداية جديدة: قبل وبعد، كأنّ شيئاً لم يكن قبل أحداث مانهاتن، وكأنّ ما بعدها فاتحة على الجحيم. كلمة السرّ الوحيدة التي تتداولها صناعة التّاريخ الآن هي: الإرهاب والحرب على الإرهاب.

ولكن..

الكل يعرف الإرهاب، ولا أحد يريد أن يعرّفه. فما هو إرهاب هنا يسمّى دفاعاً عن الحرية هناك.. ولا يبدو أنّ الانتقائية هي التي تشوّش المفهوم بقدر ما يبدو أنّ الأقوياء هم سادة المفاهيم القادرون على تقسيم العالم إلى حارتين: حارة البربرية، وحارة الحضارة!
“من ليس معنا فهو مع الإرهاب” مما يعني الانحياز الكامل للتعريف الأميركي للإرهاب، ويعني كذلك تأييد الحرب الأميركية الشاملة على ما تحدّده من أهداف معلنة وغير معلنة، الآن وغدا، من دون أن يعرف أحد ما هي تخومها!

والسؤال:

هل نقنع أنفسنا، والحال هذه، بعقم البحث عن الإناء الذهبي المتمثّل في صياغة تعريف مناسب للإرهاب؟ وهل يمكن القول في غياب هذا التعريف الأساسي ما إذا كانت الظاهرة التي نطلق عليها اسم الإرهاب تشكّل أي تهديد؟ وما إذا كانت ظاهرة ذات طبيعة مختلفة عن سابقاتها؟ وما إذا كانت أية نظرية عن الإرهاب ممكنة في الأساس؟

إنّ مثل هذه الأسئلة، ليست مجرّد لعب على الكلام، أو التعبير عن راهن كوني تراجيدي بكلام بارع، فالأحداث تؤكّد يوما بعد يوم أنّ الإنسانية قد ولجت مرحلة تاريخية موسومة بالذعر، ومحكومة بالخوف والعنف وأيديولوجيا القوّة والسديم، حيث يظلّ الضعفاء خلف شعاع الشمس محرومين تبعاً لأكثر من قرار دولي، من العدالة والديمقراطية وحقوق المواطنة والسيادة.

 انخرطنا جميعا إذاً، في حرب كونية غير معلنة قد يخرج منها الواحد منّا يحمل تشوهاتها المستديمة، إلا أنّها ليست الحرب الثالثة، بل الرابعة والوحيدة العالمية حقا، فالأولى أنهت الهيمنة الأوروبية والحقبة الاستعمارية، والثانية أنهت النازية، أما الثالثة التي لم تقع، كانت الحرب الباردة الردعية وأطاحت بالمعسكر الاشتراكي، بعد أن أصابت الشيوعية في مقتل. ومن حرب إلى أخرى، هرولنا بخطى حثيثة نحو نظام كوني واحد. واليوم فإنّ العالم، الذي صيغ وفق المقاس الأميركي، يواجه قوى تناحرية، مبثوثة في قلب الكون وفي كل اضطراباته الفعلية.

العالم ذاته هو الذي يقاوم الإخضاع. هكذا أصبحت عولمة الخوف نبوءة ذاتية التحقّق، ومجلس الأمن الدولي، على نحو آلي تماما تبنّى “الشيك على بياض” الذي منحه الكونجرس للبيت الأبيض من أجل “تخليص العالم من الشرّ”! تاركا طيّاري القاذفات الأميركية، وهم يلقون على خرائب كابول القنابل العنقودية ويمطرون سماء بغداد بالصواريخ الحارقة، الأمر الذي جعل من الترهيب القوت المفضّل للإمبراطورية التي لا تُلوى لها ذراع!

ذلك يجري بالرغم من أنّ هذه القوّة المتغطرسة، بوسيلة جبروتها الذي لا يُحتمل، هي التي استولدت بالتالي هذه المخيّلة الإرهابية التي تسكننا جميعا من دون وعي منّا!
ماذا يعني هذا؟
هذا يعني أن لا مناص للترهيب من أن يستولد الترهيب، والحكمة المتعبة تذكّر أبدا بأنّ من يزرع سوف يحصد، إلا أنّ هذا الرعب الغريزي الذي يشعر به كل آدمي لمرأى أعداد كبيرة من النّاس الأبرياء، هنا وهناك، ينبغي ألا يجعلنا ننسى الدّور الذي لعبته في الأحداث المؤلمة سياسة الولايات المتحدة، ناهيك أنّ وسائل الإعلام لم تبذل الجهد ذاته ولا التغطية التي تليق بحجم المآسي، حين غطّت الضحايا العراقيين الأبرياء، أو ذبح الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا بأوامر من سيئ الذكر شارون، وما يتعرّضون له اليوم أيضا من مذابح يومية على يد قتلة تل أبيب، أو أسرى الحرب المصريين الذين أُعدِموا بالدّم البارد، واللائحة أطول من أن يتسع لها المقام.
والنتيجة في احتدام الصّراع بين الخير والشرّ يكون النّاس هم القتلى دائما. ولا يقتصر الأمر على السخط والمظالم في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، فمنذ انتهاء الحرب الباردة والولايات المتحدة، أسوة برفيقات دربها الحميمات وبريطانيا أساساً، تمارس قوّتها وتسيء استخدامها، في حين أنّ الانقسامات على أبناء البشر تتفاقم على نحو غير مسبوق. والترهيب الغربي جزء من التاريخ الراهن للإمبريالية.
طرد سكان جزيرة دييغو غارسيا على يد حكومة ولسون في الستينيات لم يحظ بأية تغطية صحافية عمليا. كما أنّ موطنهم غدا اليوم مستودع ذخيرة تقلع منه قاذفات الولايات المتحدة نحو الشرق الأوسط. وفي فيتنام كان اقتلاع وتعطيل وتسميم أمّة بأسرها قياميا، لكنّه تقزّم في ذاكرتنا بفضل أفلام هوليوود وما يسميه الراحل إدوارد سعيد بحقّ “الإمبريالية الثقافية”. وفي سياق “عملية العنقاء” في فيتنام، رتّبت المخابرات المركزية مقتل قرابة خمسين ألف شخص. وقد كانت تلك العملية هي النموذج الذي سينقَل إلى تشيلي ويبلغ أوجه مع اغتيال الزعيم المنتخَب ديمقراطياً، سلفادور أليندي، ثم سحق نيكاراجوا بعد عشر سنوات.
كل هذا كان خارج القانون، واللائحة أطول من أن يتسع لها المقال.
هل بقي لديَّ ما أضيف؟!
قد لا أضيف جديدا إذا قلت إنّ من نطاق العنف يُخلق العنف والاضطراب أيضا: الألم.. والخوف.. والتعصّب.. والكراهية.. والجنون. كما أنّ الإرهاب لا وطن له، فهو مثل الفيروس ينتشر في كل مكان. وإذ ينغمس كونياً، فإنّه مثل أيّ نظام هيمنة، جاهز لكي يولد هنا وهناك، وينأى في ذات الآن عن أيّ تعريف، ويصبح بالتالي في مواجهة القوّة المتغطرسة.
وهنا أضيف: إنّ الكراهية المضاعفة لواشنطن سوف تستولد آلاف المرشحين الجدد الجاهزين للثأر من الأهداف الأميركية، ولكن حين تسند إلى ما تملك من قوّة عسكرية إرهابية كل هذا الدور الحاسم والفاصل في تنفيذ أغراض هيمنتها، ألا تبدو المؤسسة الحاكمة في الولايات المتحدة وكأنّها استقرّت على خيار؟
إنّها، وبمعزل عن الرعب والقتل الذي ينطوي عليه هذا الخيار، محكومة بالفشل الختامي؛ لأنّها تغذّي بذور كره الولايات المتحدة على امتداد العالم بأسره.
وهنا أختم: قد يكون من العسير على الولايات المتحدة تشكيل جبهة موحّدة ضد الإرهاب، ذلك أنّ توحيد جبهة موحّدة ضد الظلم الاجتماعي العالمي، هي وحدها التي يمكن أن تفيد، لا سيّما أنّ النّاس ليسوا من حجر، ولا هم أغبياء.. إنّهم يرون استقلالهم مصادراً، وثرواتهم وأرضهم وحياة أبنائهم مستلبة، وأصابع الاتهام التي يرفعونها تتوجّه إلى الشمال: إلى المواطن الكبرى للنهب والامتياز، ولا مناص للترهيب من أن يستولد الترهيب.. وقد صدق من قال: “إنّ هذا النظام الذي صنع الأبقار المجنونة، يصنع البشر المجانين أيضا، وهؤلاء البشر المجانين، المجانين بفعل الكراهية، يتصرّفون على غرار القوّة التي خلقتهم..”.
محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: