الإثنين , سبتمبر 21 2020

قراءة نقدية في قصيدة ” هروب حمورابي ” للشاعر عبد الجبار الفياض

قراءة نقدية في قصيدة(هروب حمورابي)

لفيلسوف الشعر العربي الشاعر عبد الجبار الفياض


بقلم الأديبة الدكتورة – نجاح إبراهيم



العَدْلُ كُرةٌ

العدلُ كرةٌ، لا يستطيبُ لها أنْ تكونَ خطاً مستقيماً، ولا تشتهي أنْ تكون ميزاناً ذا كفين، إنّها خطٌّ منحنٍ مغلق مثل كهف يبتلع بظلمته حتى التماعات الماس، وأقمار صغيرة تتواهج على استحياء.


ستجنحُ السّفينة لاريب!


سواء بعين واحدة كان ربانها، أم بمائة عين، فالعينان المبصرتان معصوبتان، والمدى أمامه أسود، لا شموس تُنير!.


الشاعر : عبد الجبار الفياض” في قصيدته ” هروب حمورابي” يدفعُ بصرخته لتأتي بعلو الشجر الرّامح إلى أعلى، كي يقول:” أوقفوا الظلم، سدّوا الطريق أمام الفساد، وأقيموا العدل.”


عندها ينتهي الحرفُ الأخيرُ، ولا يكون العدل كرة!!


لقد رمزَ الشاعرُ إلى غياب العدل بهروب حمورابي ، المشرّع لقوانين ظلت آلاف السنين يُسنُّ بها. وشريح قاضي الكوفة لمدة ستين عاماً ، حتى أحرزَ لقباً من أشرف فم، هو فم علي بن أبي طالب حين قال عنه : أقضى العرب” والسنهوري الذي خرج من أبواب خلفية ..


والسؤال الذي ينبثقُ ضوءاً من عتمة:

” لماذا أفلتَ الشاعرُ عقال حمورابي، ورفع عنه القيد، أنا التي رأته نصباً عالياً في بوّابة بابل؟

هل غادرَ حقاً ، وأضاع الحقُّ السّمت؟!

أُراني أتملّى وجه الفياض، المكتئب ، أقرأ أفكاره الجامحة ، الغاضبة، فالفسادُ الذي استشرى صار اعصاراً كاسحاً، والعدل الذي فقد ماهيته، جعلاه يؤكّد على هروب حمورابي من البلاد، التي استظلت بشرائعه العادلة ، ليعمّ الظلم والعتمة التي تشبه عتمة كهف يُخبئ السرّاق أموالهم فيه، الأربعون حرامي..مومياءات، تأخذ من الأطفال عيونهم. وهل بقي شيءٌ أقسى من سلب النظر من أطفال يُعدّونَ ذخيرة المستقبل.

فمن دخلَ المدنَ واغتصب الخيرات فيها؟

أليس هم هؤلاء العُراة من الأخلاق والدّين، العابثون بقوانين شرّعها حمورابي، وظلت دهوراً يعمل بها، صراطاً يعبرونه؟!

هؤلاء الذين يخرجون ” بحقائب حبلى سفاحاً” ولم يُبقُ على شيء، أكلوا السمكة حتى رأسها، فماجَ الناسُ جوعاً.

تتميّز قصيدة الشاعر عبد الجبار، كما في غيرها من قصائده بتوظيف تاريخي وأسطوري، وديني، سواء ما يستحضرُ من شخصيات أو أمكنة ، وأو اقتباس آيات، أو نسج عبارات، أو أقوال..

ففي بداية القصيدة حين يقول:

“بعين واحدة

حتى إذا جنحت السفينة

بتسع وتسعين وواحدة ..”

فإنّنا نجدُ توظيفه هنا واضحاً للآية الكريمة ، الباحثة في العدل:” ..إنّ هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة، قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ، وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلاّ الذين آمنوا..” صدق الله العظيم.

من بداية الخلق يسعى الإنسان إلى التماس العدل، لأنه يواجه بالمقابل ظلماً.

فهذا التوظيف الذي ارتآه الشاعر قد وُفّق فيه إلى حدّ بعيد. كذلك نرى استحضاره لشخصيات تاريخية جنّدت النفس لموضوعة العدل، كحمورابي ، وشريح، والسنهوري. وشخصيات أسطورية مثل علي بابا، الذي رأى الأربعين حرامي يودِعون سرقاتهم في الكهف، فأصر أن يعرف كلمة السرّ، التي جعلت باب الكهف ينفتحُ ، لتصبح الكنوز أمام عينيه.

وليت الشاعر قد وظّف هذه الكلمة ليُعطي من خلالها أملاً مديداً، ورغبة حثيثة في القبض على هؤلاء اللصوص ، وبالتالي أخذ ما سرقوه من الشعب.

إنّ القصيدة ، كعادة الشاعر في جلّ قصائده يسربلها بغموضٍ لافت، ليزيدها بهاءً وإبداعاً، لتدفع القارئ على تحريض ذهنه ، وجنوحه نحو التفسير ، فالتأويل. فالظلمُ ، وغياب القانون، عبّر عنهما الشاعر بعبارات مكثفة:

” .. يخفي مطرقته

لا جمهور أمامه

القاعة

تغصّ بالصمت

بفراغ حاشد تضيقُ..”

إلى أن يتوصل إلى قناعة في أنّ العدلَ أضغاث أحلام ، خيال وليس حقيق

ة نلتمسها في حياتنا ، زبدٌ يخرج من فم تمرّدت الحروفُ فيه على اللسان. وصورة حمورابي التي توضع في قاعات المحاكم مع القسطاط بافتخار وتقديس لمن وضع أسس التشريع قد أزيلت، فبان غضب الاله ” شمش” بعلو جبل، بينما قاضي الكوفة أخذ بعصاه مُحتجّاً على هذا الخلل والإثم. والسنهوري يرحلُ موارباً الأعين، والكتب التي ملأت الرفوف:

” سكبت أنفاسُ رفوفٍ عجائز

الأسماك رزقها

كما فعل التتار..”

كلّ هذا دلالة على تأزّم الفكرة داخل الشاعر، جرّاء تأزم الوضع في البلاد، وتفشّي الفساد والخراب النفسي للعباد، ولعلّ ثمة أمل غير أكيد استطعنا أن نقبضَ عليه في ختام القصيدة ، حين قال الشاعر :

” لا يمكن لخنزيرٍ أن يرى السّماء!.”

بيد أنه يبترُ هذا الأمل دفعة واحدة ليردف:

” الميزانُ كرة.”

وهذا ما يدفعنا لأن أستذكرَ كلام القاضي ” شُريح” حين يحكمُ ولا يكون الحكم لصالح المظلوم، وذلك لفقدان البينة: ” إنّ الظالم وإنْ حكمتُ له ، ينتظرُ العقاب، وإنَّ المظلوم وإن حكمتُ عليه، ينتظرُ الإنصاف.”

وهذا دليل على أنّ الحقّ لا يضيع عند مَنْ وضع ميزان الحقّ.

فهل نقفُ ذاتَ زمنٍ منتظرين؟

أم تترسخُ مقولة الفياض:” الميزان كرة” ؟!.


هروبُ حمورابي


بعينٍ واحدة

حتى إذا جنَحتِ السّفينةُ

بتسعٍ وتسعينَ وواحدة

عُصبتْ عيناه. . .

كهفٌ

الأربعونَ

مومياءاتٌ

تأخذُ من الأطفالِ عيونَهم . . .

مئاتٌ مِنْ بابا

عراةً

يدخلونَهُ

بقشيبِ حُلَلٍ

يخرجون

بحقائبَ حُبلى سِفاحاً . . .

اتخموهُ بما اشتهتْ من لذائدَ نفسٌ

بطيبِ شراب

أكلَ السّمكةَ حتى رأسَها . . .

يتعرّى

يسوقونَهُ إلى حيثُ يجلسُ ثملاً

يستلّون من جيبهِ ورقةً عذراء

تُفَضُّ

ولو تباعدتْ عيْنٌ عن عَيْن . . .

لا شفاهَ

تُطبقُ على غيرِ نعم

العِصمةُ بيدٍ

ينتهي عندَها الحرفُ الأخير !

يفيقُ

يتحسّس

بطنهُ أصابَهُ انتفاخٌ

مجذوذاً كذلكَ

تسترُهُ أوراقٌ

بحبرِ فراشاتِ جُزرٍ نائية . . .

عن النّاسِ

يتوارى

خوفَ أنْ يروْا جمجمتَهُ ترقصُ في سوقِ الصّفّارين . . .

يخفي مطرقتَهُ

لا جمهورَ أمامَه

القاعةُ

تغصُّ بالصّمت

بفراغٍ حاشدٍ تضيق . . .

أُشربَ الشّهودُ

أنْ ما رووهُ أطغاثُ أحلامٍ

زَبَداً

خرجَ من فَمٍ

تمرّدتْ حروفُهُ على لسانِه . . .

يخنقُهم انتظارٌ محبوسٌ في قمقم

أْنْ يستردّوا أقدامَهم

ليعودوا

قبلَ أنْ تُقطّعَ أيديهُم

أرجلُهم من خلاف . .

الرّوبُ

يُنزعُ

فالحرارةُ مُرتفعةٌ من سوءِ ما ازدرد !

صورةُ حمورابي

تُقلَب

شافهتِ الجّدار

لقد رحلَ الرّجلُ إلى دولةٍ أوروبيّة. .

الإلهُ شمش

يستفيضُ غيْظاً

بقعٌ سودٌ

تقضمُ ألواحَه. . .

شُريْح

يضربُ بعصاه . . .

يخرجُ السّنهوريّ الكبيرُ من بابٍ خلفيّة . . .

الحاجبُ

ينشُّ الذّبابَ عن جثةٍ مُتفسّخة . . .

كتبٌ

سلبتْ أنفاسَ رفوفٍ عجائز

اللأسماكِ رزقُها

كما فعلَ التَتار ؟

بقي (ما يُقسَمُ به) !!

قائماً بالقِسْط

نظرَ إليه

أُرتجَ عليه

ولّى مُدبراً

لا يُمكنُ لخنزيرٍ أنْ يرى السّماء !

الميزانُ كُرَة !!

. . . . .


عبد الجبار الفياض –

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: