الجمعة , نوفمبر 27 2020

إشكالية الفهم الجمالي والتأويل الفني التشكيلي… شبلي سليم إنموذجا

كتب :عبدالرحمن شاكر الجبوري
 
تمثّل المقالة إشكالية الفهم الجمالي والتأويل الفني التشكيلي عند الفنان السوري المبدع (شبلي سليم) اختلاف للمناقبة و تكرار في اللون، إشكالية موقفا صارما لتماثل اضداد نظام المشاهدة التقليدية بأسره في التأويل الفني التشكيلي. لم ينخرط الفنان التشكيلي (شبلي سليم) في أعماله الابداعية في تلك التصورات والرؤية للمفاهيم التي هيمنت على تاريخية الفهم الجمالي الفلسفي كالممكن المحتمل و الكلّي التفسيري و المجرّد للمعنى، بل إنّه أي “الفنان” راهن على طرح رؤية تقديم إشكالية جديدة و مغايرة لتلك المخيالات والتأملات للمفاهيم السائدة أن لم نقل ضدها. إنّ ما يرومه الفنان (شبلي سليم) هو تحطيم  إطر ذلك المصنم في الفهم الجمالي والتمثّل النقدي التأويلي الفني التشكيلي في تماثله الجمالي الكلاسيكي للعلاقات بين المفاهيم للاشياء والالوان، ذلك التمثّل في المربع للملون التشكيلي النابع والمتماثل له عن صورة الشيء المحددة للفكرة بتلك الصورة التي ينقدها في الفصوص الذهنية التركيبية، للتأمل للاشياء وتاويل بواطنها الخفية للمعنى، والحاملة لعنوان صورة الفنان في الفكرة المبهرة للتفسير والشرح والفهم للمعنى. إنّ صورة المشاهدة التشكيلية لابداعية لـ”الفكرة المدهشة” هذه هي من استغراق مهيمن في عمق الفكرة والخلفية الناجزة في ظلّ تحرّك تاريخ الفهم الجمالي الفلسفي للاشياء، جاعلة من اختلاف المناقبة ذلك المفهوم الجمالي الذي لا يظهر إلاّ من نبش جهة الفيض الباطني برؤية ومنطق الهيام للتأويل الوجداني المتعالي.
 
يبيّن الفنان (شبلي سليم) في واجهة مقدمة عمق اللوحة تراجم إشكالية الظاهر الشيئي، لاختلاف المناقبة والقراءة الفنية والتكرار اللوني لخلفيات الموضوع علاقة صورة الفكرة المدهشة، التي يلتفت إليها بمركز التأويل، مما قد يلحظ أن هذه اللمسات تقتنص الاشكالية للفهم الجمالي، بغياب مفهوم اختلاف المناقبة المحضة أو مسحها التفسيري المستقدم عن تأمل تاريخية الاشياء والجمالية الفنية الفلسفية للتشكيل. فبالنسبة للفنان (شبلي سليم) نحن لا نفكرّ إنطلاقا من تحليلية منهجية محددة فحسب باعماله، بل إنّ صورة الجمالية للمعنى ومحمولها حسها الترقبي لها اثر منبه، تحمل ضمنية سارة التفسير في تأويلها، وايضا سحر جمالي لذهنية قَبْلية للفكرة المدهشة، وتوّجه عملية تفكيرنا نحو الاستقطاب لمزاوجة الجدل مع ما يريدنا ان نتفهم من خلال تلك التحليلية الباهرة. إنّ الصورة التشكيلية للفكرة المدهشة في الفهم الجمالي وتمفصل الاسلوب الفني التشكيلي، هذه بارزة في قيمة ما تشّكلته عبر قبس ذهني وَقّاد في تاريخية الظاهر للشيء وباطنيته الفلسفية في التأويل كبحث عن استنتاجات بغية الوصول إلى أجوبة و حلول لتلك الإشكالية.
 
فصورة التشكيل الجمالي والتأويل الفني التشكيلي، تمدد الفكرة المدهشة للفنان خارج اقدمية الدلالة الظاهرة، وإن كانت منحصرة في إطار البحث داخل المربع لملون اللوحة عن الحقيقة، من جهة محمولها الفكري، وايضا كونها صوابا، معالجا لما تلمسه في تأملانه للاشياء بقيمها الضمنية. محاولا أن يقدّم حلاّ لمشكلة في اللون المفسر عن أعماقها لما كان مجاربا للتفسير عن المدلول لاجل ذاته، متوخصا بذلك الخطأ حتى التقرب لما في ذات الدلالة الظاهر، وأنّ اختلاف المناقبة التأويلية في مواجهة هوية الفنان باسلوبه، لم تظهر إلاّ في شكل خطوط، لا في شكل اختلاف محض للمشاهدة كصورة تشكيلية صامتة. وان هذا المدخل المبسط والسريع للمتن، مسنده عائد إلى مقالة سابقة، حيث تم نشرها بتاريخ 29.02.2016 على موقع (العربي اليوم) والموسومة بـ “التشكيلي السوري المبدع شبلي سليم: ابداع تشكيلي للمناقبة واللون في إشكالية المقاربات والتوارث الفلسفي الجمالي”. وان ما بين ايدينا هو الان مقال تابع لها، مستمدين بإطارها على اهداف الدراسة للقاريء الكريم، يمكن تتبع توزيعها إلى محورين:
 
المحور الأوّل: وصف الفهم الجمالي والتأويل الفني التشكيلي للمناقبة واللون، وكذلك هدف ورسالة البحث عن فهم كل اشارة في التشكيل، استناداً إلى اسلوب المناقبة السردي العام واللون وأهمّ قضاياه مبيّنا مزاياه وإضافته الفنيّة والمعرفيّة؛
أمّا المحور الثاني: متمثلاً في منحى التأويل الإشكالي، أي التأويل للمقاربات وتوارثها الفلسفي، والإحاطة بالتفاصيل الناظمة والأسلوب لدى الفنان. بالاضافة إلى محورا نقديّا تقييميّا يسائل خلاله أبعاد الفنان منهجا ومضمونا.  
 
غير أن طبيعة هذه العودة في منحى التأويل الإشكالية الوجود للمناقبة واللون ليس وليد تفلسف المقاربات المعاصرة وتوارث بعدها الجمالي، بل لإعادة الفضل فيه، إلى الفنان التشكيلي المبدع (شبلي سليم) بحسب ما رأينا من تمخض الدراسة، بحصافة وحذق عما أحاط بأعماله من تفاصيل، باسلوب فني احترافي التشكيلي، مبوبا اياهما ليس بتكرارا للثابت، وإنما هو بإحاطة وتدوير  rotation وتكرار للمتحول المتغير، والمتنقل في اللوحة بلاحدود واصفة لتجميده بلون ما، ولا لزاوية محددة داخل مربع المِلونْ، إنه احياء فطن لِنطّ نحو دغدغة وايقاظ للمتجدد ببعضنا كوعي وذات نابهة، وتكرار لاختلاف اسلوب المناقبة. فيما نراه هو تباحث بالسؤال عن الجوهر وقلق الانزياح عن الـ”هو/الاخر” فينا، وانهاض الدلالات العاقرة إلى فسائل فكرية متجددة بوعيها نحو ما هو المُكلّس أو الخامل المتحول الذي يعشش في ظلماتنا، ومنه يتعثر الفهم النسبي أن يكون مطلقا. لكن اللامحدود فيه هو النسبي الذي ما إن يضحى كي يغيب، وليس يقبس نماءه كي يبقى دوما في الزمان والمكان. إلى أحياء المنحى التأويلي الإشكالي الفلسفي الجمالية وارف لديه. فهي التي أعطت للوجود الفني الشكيلي، بحسب ما افاض به الفنان من عطاءا ابداعيا غزيرا، في عمق فلسفة المناقبة واللون وفي إشكالية المقاربات السردية اللونية، وايضا في مبحث التوريث الفلسفي الجمالي لاشياء الوجود المادي. عمدا بالبحث والتأمل، نلحظ ما منحه من قوة ونفسًا جديدين في فك طلاسم البؤس التصوري للفن التشكيلي، فك لبس محنة سكونياته الخافتة كوجود-في-ذاته l’ Être -en-soi غير الواعي، كانا قد خفتا عندما انزويا في الافق العدمي، وانهممت بتسويد ثقل بطء التدوير فيه، والاعادة بمردوده وهزالة الوعي بالتحليل في سياق غير مسبوق للوجود، وليس المحايثة Immanence بذاته، بل وبنذير شؤم وبلاء، بأبتلاع التأويل الفلسفي الفني الجمالي بقضايا يعود أصلها إلى قوى متعالية، يعتمد عليها توريث الفعل الجمالي من دون معنى. وبالفعل، فقد جسدت فلسفة الفنان (شبلي سليم) بيّنة تفكيك ما قد يكون عودًا احيائيا للجمالية بتلك الافاق، باسلوبا مظفرًا لمبحث الوجود الجمالي بشاقولية تفكير نحو أفقية عمله التشكيلي داخل اللوحة بالمساءلة والمناظرة والفعل.
 
 فأهم ملامح أصالة خطابه التشكيلي الابداعي بالإتقان التأملي للموضوع للوجود- لذاته l’ Être-pour-soi، فاتح مكامن الشعور والوعي بذاته، حرية تكمن بالأساس في إعطائه تأويلا فنيا لإشكالية فسح الوجود الجمالي تنقيبيا واعيا، مانحا مفهوم المقاربات والتوريث الفلسفي للوجود، دورًا أساسيًا في بنائه الفلسفي الفني. وقد بينت أعماله، أن مكمن هذا التماثل في المجادلة والمحاججة قد أفرز إشارات، أسست للمناقبة واللون بُعدا a postériori أونطولوجيا لقوة التحرر puissance de libération في الأصالة الخلاقة، ولحيثيات اشكالية المقاربات والتوريث الجمالي للوجود كوجود en tant qu’être من معالم جديدة، تحول من خلالها إلى سبب للوجود raison de vivre، بل معارف تجاوزت التصورات للشيئية المألوفة، بل تجاوزت كذلك التصورات الميتافيزيقية، كفلسفة جمالية ناقدة للفكر والوجود المستكشف من النسبي المحدد إلى التمدد نحو الوعي والتأمل المطلق للمدركات الامرئية. 
 
ولن يكون بعيدًا عن الصواب والإقرار بأن التصور الأونطولوجي للفنان المبدع (شبلي سليم) هو المؤسس الفعلي للمنحى التأويلي التشكيلي للمناقبة واللون، و الأونطولوجي في اشكاليات المقاربات والتوريث الفلسفي الجمالي الراهن. حقيقة أن  أعماله الفنية تتحدث عن الاشكالية للاشياء وتأويلاتها، عائدة اساسا في جوهر الفرد الذي ينطوي على ما لا نهاية له من الصفات للاشياء الضنمية، والنعوتات للتصورات، والأحوال للتأويلات وفق منطق الثنائيات le dualisme، وحقيقة أن الفنان المبدع ايضا، يعود ما قد نسميه فنانا مبدعا بجدارة واحتراف، في أشكالياته مع الجوهر للفرد، غير أن ذلك كله لا يعني أنه قد ظل التنوع وفيًا للتقاليدية المعروفة في النقد التشكيلي الفني بل تشكيليا إشكاليا معا. فمقصود الفنان (شبلي سليم) عند تشخيصه اللوني والمناقبة عن الجوهر وعن الاشياء بذاته في المقاربات والتوريث هو الوجود المتفلسف جماليا للظاهر والمشاهدة لفلسفة االفن، أو الوجود الجمالي الضمني، أو الجوهر بتعابير معبر عنه واحدا في منظور الفنان، وتعد التسميات لمسمى واحد، مما ابثق الفنان ابداعه بالمسيرة لخلق انموذجا لتجربته التأملية من الجوهر للمشاهدة. 
 
بل إن الفنان استخدم اسلوبا لمفاهيم التقليدية في الاشارات للاشياء، والفراغ، والمساحات الخلفية بالوان. كمفهوم للتركيز على المركز كجوهر، ومفهوم الذات، ومفهوم الصفة الانسانية، بمجسماتها البشرية “المرأة خاصة” كواحد من الاهمية بالوجود، وضمنها بالتأويلي الخلاق في المناقبة، وحول الهشيم الحسي إلى أعادة إستكشاف مضاف القيمة للتأويل بالمعنى الأونطولوجي، لم تعهـده الفلسفة الجمالية الفنية التشكيلية من قبل لنفخ رماده.
 
والواقع أن تعامل الفنان (شبيلي سليم) من مسألة الإبداع التأويلي الفني التشكيلي الفلسفي، قد اتخذ مسارًا متميزًا البتة، وليس نمطيا هلم جرا. يقوم بالخصوص على إفراغ المناقبة واللون والمفاهيم المتداولة بذاتها، من أجل شحنها بتأويلات تأملية للمتلقي، وبمعانى جديدة كل الجدة، وبنباهة ودقة متقدمة الوعي. فبعدما كان مفهوم الذات ومفهوم الجوهر، ثنائيات يتقاسمهما الفنان باسلوبية مميزة ابداعيا، ظل يعرج عليهما في اغلب مفاصل اللوحة، وشغله الشغل بهما، كمفهومان الأكثر تداولا منذ الانتباه بالنظر للعمل والفكر التأملي، اسهمت بتشغيل فكره بالبحث عن المعنى ضمنيا عند المشاهدة، مما جعلهما يحملان أبعادًا لا تَفِي بمطامح الأونطولوجيا وَمتطلباتها فحسب، بل أصبحت، معه، تعبر عن الطموح في نوزعات المخاض الأونطولوجي المحض حول مولده الابداعي العسير، بجودة جديد قراءته لهما. أصبح النظر إلى الاشياء بأنتباه، لأستنباط مفهوم الجوهر “الضمني” للاشياء، بل أصبح مفهوم الذات نبراسا توعويا للمعنى، ينطوي على كل الصفات الجمالية وعلى كل الأحوال االدلالية لفنية التشكيلية في المناقبة واللون، وأصبح علة محايثة لكل شيء ظاهر، وعلة قريبة لكل معنى باطن. لقد أصبح مفهوم الجوهر مفهوما إنسنيا محض، بعدما كان مدفوعا التعالي للمجسد بالجسد كظاهر للفكر الميتافيزيقي في المخيال، والفكر التأويلي بحسب ظاهر المشاهدة للشيء، ما اخذ شرطًا أساسيًا لتأسيس الأونطولوجيا في العمل الجمالي الفني داخل اللوحة الواحدة.
 
أصبح مفهوم الذات محايثًا لكل تأويل في مناقبة الصفات المؤسِّسَة لماهيته، لاجل دراية تلوين الشيء له محمول بذاته. لذلك فالخصائص التي أسندها الفنان السوري المبدع (شبلي سليم) لمفهوم الجوهر أو لمفهوم الذات، هي خصائص، تجعل كل واحد منهما في الابداع التشكيلي للمناقبة واللون منفردة، ترصد إشكالية المقاربات والتوريث الفلسفي الجمالي، لغرض الوقوف على التعبير الصريح عن الهدف الأونطولوجي، ومجددة اسلوبية تعامله الفني بما اراد او نظر اليه بعمق معرفي جمالي. اما الطموح الوجودي لاستمرارية هدفه الإنسني. ذلك افتتاح رواق لمجمل أعمال الفنان باعماله التشكيلية حاضر، تمثل رصدا ملهما للمتلقي عن الجديد المبتكر، وعن المناقبة المتجددة بمفاهيم نابضة، وهو في حقيقته افتتاح بمفهوم الوجود الجمالي لتلك الإشكالية. مثلما أن إقراره بجوهر واحد لكل الصفات للاشياء معناه أن الوجودَ مركب إنساني بذاته، مع أنه ينطوي على كل الصفات والأحوال القابلة للتأويل لباطنه من خلال ظاهره. هكذا حقق الفنان(شبلي سليم) قلبًا للتصوات التقليدية و التصورات الميتافيزيقية للاشياء، باستخدام اسلوبية تنقيب عن مفاهيمها، بألوان متجددة المعنى، عبر التفسير والشرح والتوضيح والفهم الفني، ما عثر عليه عبر رحلة التماثل الضمني للمقاربات والتوارث الفلسفي الجمالي، مصمما على فك أصطلحاتها التقليدية من ديماغوجية النقد المفسد للمعنى وتناظراته الخارجية، عابرا بفرشاة ابداعهالزمنية والتاريخية للدلالة الساكنة، مؤسسًا بذلك أونطولوجيا فنية تشكيلية حيوية، تعطي افاقا وألقا لمفهوم الوجود الفني التشكيلي المتعافي بعدا يستحقه، كقيمة إنسانية بجوهر الوجود لشعوره بذاته عما لأجله.
 
بقي الفنان التشكيلي المبدع مستمرا، من خلال تجارب مراحل اعماله الفنية التشكيلية، كما هو واضح تماما بلوحاته، ان يعالج إشكالية الفهم الجمالي والتأويل الفني الفلسفي التشكيلي طويلا في تلك الثنائيات les dualismes، و ما ضمّن اللوحة يُقّدح الموضوع/ الفراغ/ اللون، بمناقبة وعرة للفكر في الاختيار. يقيس هلالها الاختلاف ليس لمنطق الثنائيات في اللون والاشياء مع الغير “الجسد،المرأة” من جهة النموذج و الأيقونة الكامنة بقدسية ظاهر التفسير بضمني المعنى الحسي لها. هذا ما يعبّر عنه الفنان (شبلي سليم) بالاختلاف المفهومي الجمالي، أي الخروج الدائم للاختلاف من مفهوم التأويل كتجريد، أو بالأحرى الاستيعاب الدائم للاختلاف من قبل مفهوم الاسلوب للشرح والتفسير والفهم نحو المعنى الضمني للاشياء وظاهرها. هكذا لم نستطع الحصول أبدا على مفهوم مستقّل للاختلاف بمعنى التنوع الحسي الجمالي فقط، بل على اختلاف مفهوم طبيعة الاسلوب نفسه، الذي يتمتع به فنانا المبدع (شبلي سليم) بابراز نتؤاته، وبسبب نزوعنا الدائم نحو العمق لما يريد طرحه، لربط الاختلاف الاشكالي للفهم الجمالي، بالتشابه من ناحية الإدراك، أو ربطه بالتعارض والتضّاد من ناحية منطق المحمولات الاشكالية لفهم الجمالي، أو ربطه بالتناظر من جهة الحكم كإشكالية فهم تأويلي فني تشكيلي عام، ومسايرا محددا وحتميا déterminé نحو الجمالية لوعي جنسنية التناسيق للمعنى، بقدر ما تأخذنا وتسير على نمط غير متوقع imprévu في الاقتراب نحو فهم فني مخالف للادراك كوعي للذات نفسها للاشياء، هذا ما يريد ان ان نتوصل بتأمله معا.
 
إنه النزوع الذي صاغته رؤية الفنان لنا نحو اللوحة كلوحة اختلفت عما جاءن بها اهذاننا، من حيث فك الاشارات المجسمة بظواهرها العيانية نحو الفكرة المتعيّنة، أن تقف عندها للوصول للدلالة منذ مدلولية اشكالها التأويلي الفلسفي، بذاكرتنا لها المفسرة بتقليدية صماء للمعنى عنها، أي ذلك التفكير وسعته الابداعية لدى الفنان فطنتنا، سايرا نحو وعيينا القصدي، والتوجه به نحو الفهم بشروحات وتفسيرات أمليت بالمنطلق للمدارك لها من الضرورة، حسب ما غلبت عليه الفراغات لخلفية المجسم و زواياه الوضعانية في المربع الملوني للوحة، فأعتبر منه مدخلا إشكاليا إنسنيا في الوجود لذاته، مما يفضي بادة التأمل من جديد نحو الفهم لفلسفة الحدث وما خلقته من مناخات او “خطف بصري”، حذق بتلك الضرورة التي أطلق عليها الفنان مبتغى الهدف الدقيق، والحريص على أخضاعها فلسفيا نحو ما قد يعتقده “الحقيقة” او المحاذية القريبة لها، والقابلة على دراستها من جديد، والوقف عند ناصية معارف مستنبطة، لتفكيك الشيء خارج ذاته، بوجود مستقل بمحض كينونته، وجدلية ضرورة نقائض استمراره داخله. 
هكذا ارتبط الفنان بتفكيره أزاء تأملاته للاشياء ببحث إشكالية الفهم الجمالي والتأويل التشكيلي فنيا لها كمبحث عن الحقيقة. حيث أضحت اللوحة التشكيلية ليست مجرد تسجيل صورة الفكر لما تفكر فيه عن اللامفكر عنه، بل أضحت هي الحاجة الملّحة للفنان ذاته، وبحثة الفكري والفلسفي حقيقي و صائب للوجود بذاته. بل رسمت انطلاقا لافق واسع من هذه الاعتبارات التأويلية للاشياء، داخل اسلوبه الخاص، بحيث أصبح يمثّل أسلوبا بتدير كشف دلالة الاختلاف بالمناقبة والتكرار باللون او التوارثية برؤية جديدة لفعل التفكير الجمالي لبواطن الاشياء ورمزياتها المحمولة. أي أصبحت تلك التفاهمات تعتبر بمثابة فهم متجدد. وإنّها “أي” تلك الرؤية اتسعت نحو تفسير الإشكالي للفهم والجمالي معا متداخلة، نسجت من التأويلات الفنية والتشكيلية داخل العمل الواحد، نابعة من كشف علاقة الدال والمدلول في الجوهر، والتشابة التوارثي في الشكل بالظاهر، قد أضاف لها لغة فنية متجددة باسلوب المشاهدة للاشياء من تجريب وتشخيص، تطرح توكيد ما تلمس كشفه في التأويل الجمالي التشكيلي الفلسفي، في توليد المعنى المتجدد بصراع نقائضه، كإبداع لخلق تشكيل فني بمسار معين للمفاهيم الجمالية، مما يحدو بالتفكير كوجود للفنان ببحث متواصل لقيم الجمال المستترة بظاهر الشي، وليس بجوهر اللامفكر به فحسب، بل بالمفكر به، ليس بعيدا عن ضمنياته وشبكية المعاني الغير مكتشفة في مسحها الظاهري كمسميات تحمل نفس المعنى. 
هذا النزوع الشكي الجمالي والفلسفي وظفه الفنان، وتصدر بزوايا وعمق اللوحة بفكرة إبداع المفهوم الإشكالي للفهم الجمالي، وعن تقديم رؤية جديدة للتأويل الفني الفلسفي للجمالية التشكيلية بالاعمال، وهو ما ينبش مخاضات الفكرة المبهرة وعللها، ضمن تاريخها الضمني المتستر في آليات الوجود اللاواعي، وطبيعة ديمومة تفسيرها الملتبس، وايضا الاختلاف بتاويلها الاشاراتي، وبآليات عمل التفسير، وادوات اشتقاق الشرح باشتغاله لتوضيح المدلول بذاته. ليس بتاثير التوريث التاويلي للثابت المفكر به وإنما هو في تدوير rotation وتكرار للاشارات للاشياء، وغورها للمتحول والمحمولات لاجله، ان كان مفكرا به او مفكر لاجله، او اللامفكرا به ايضا مساهما وكذلك  اللامفكرا لاجله. أي التحول نحو الاستقلالية بمحمولات معاني متجددة غير متداولة في إشكالياتها الفلسفية الناشئة. إنّ الاختلاف الاشكالي للفهم الجمالي لدى الفنان (شبلي سليم)، ومعايير تأملاته الابداعية الذي بحث فيها الصراع والقلق، ليس تعيّنا نهائيا لمفهوم عابر او شق طريق مألوفا بسيطا، بقدر ما هو اختلاف فكري ابداعي في مواضع تاملية واسعة، باساليب متجددة، ومرهقة في التفكير بكيفيّات النظر إلى اللوحة، وليس لنقل او اقتباس شيء تسجيلي في الذاكرة لمشاهدته على هيئة صورة جمالية فلسفية بجوهر الوجود للاشياء، بحسب الفكرة القديمة السائدة التي تراقب الظاهر وتعزو الخلل في الباطن التي غيّبت الاختلاف والتنوع في داخل الوجود لاجله. 
لقد انحصر تفكير الفنان في الوجود الاشكالي الجمالي لأجله قديما ضمن مقولات الهوية للاشياء وظواهرها والجوهر، وما تحمله مضامينه المؤولة، مما احدث إشكال لدى الفنان في تثبيت دلالة النوع، التفسير و الماهية للفهم عنها في اللون، فكان ذلك التفكير لدى الفنان الذي أعاد الآخر او الشيء إلى الهو-هو بتأملاته للنوع، لتبقى تأملاته بتلك الغيرية او التشكيكة لليقين، واختلافه باستكشاف ما حصل في المناقبات والالوان في موقع الإقصاء للمكرر الضمني، والرضوخ لفكرة التمدد والاختزال للمفهوم الجمالي الملوس للشيء البصري، وجعل المدارك البصرية والبعديه الضمنية في التفسير لجوهر المستتر بالمعنى للمجسم او اللون او حساسية الفرشاة في تلمس زواياها اللونية اللاواعية في مساحة القماشة اللونية للعمل. يلتقط هنا الفنان (شلبي سليم) الوجود لاجله من ناحية المحايثة واليات العمل بتفسير الادوات والاسلوب ذاتها مع المختلف، ليراه بذلك فسح من فضاء الشيء المستتر بجوهره او لذاته، وإظهار تنوّع التأويل عنها، من خلال كثرة التفسير عبر الفرشاة راهنا على المعني الفني المختبيء بتأويلة، بذلك يمسك المراهنة والتحدي الابداعي فرزا الاشكاليا في الفهم، ويجعل آهلية الشرح قائمة على تدوير التجديد في مواضع  الفحص للفهم والنظر للرمز في الشروحات اللونية ومتابعة التوضيح لكيفيّات القراءة لزوايا اللوحة، للخروج لمساحة العقل بمدلولالات متعينة الحضور، ومن الاختزالية التأويلة التي كرّستها اللوحة كموضوع متكامل من صورة للفكرة القديمة، إلى تحليلات إشكالية الظاهر، متشابكة الجوهر في الفهم الجمالي، وايضا فسح المجالات للمتلقي لتعميق اهمية دور التأويل بذهنه خلال تبصره للتجربة في الفن التشكيلي في خلق الابداع الجمالي وما يستكشفه من اسرار جمالية. 
إنّ ممارسة الفنان (شبلي سليم) التقّصي والتجريب ضمن مفهومي اختلاف المنقبات والالوان وتوريث او تكرار وتشابه مقاربات الاشياء فيما بيّنها بالظاهر، ماهي إلا تشويه للباطن. بمخالفته النظرة التقليدية تلك، نطت الطريقة الجديدة التي ينظر من خلالها للعلاقة بين مفهومي اختلاف المناقبات والالوان وتكرار أو توارث التشابه للاشياء في المقاربات، مما وسعت الهوة لتلك الإشكالية الفهم الجمالي، ومفارقات تأويل الفن التشكيلي لها. حيث أستشف لنا المبدع (شبيلي سليم) ما يتجاوز ذلك التعارضات في الجنسنة التنسيقية بنمطها المنطقي السائدة، وما استبطنه التأويل المزاح الجديد بالوانه من دلالات فلسفية تقليدية فارطة، ليبرز أنّه آن للمناقبة في مفهوم فلسفة الجمال الوجودي للشيء، اختلاف معرفي في سيرة مكونه الانطولوجي ثمة اختزالات عفوية الظهور للمعنى والقصدية، بحيث جعل للفهم الجمالي أن يغادر الهوية المثبتة في بوتقة التقليدية المقدسة في ظاهرها، ليتشكلّ عنها تأويلا فنيا تشكيليا مغايرا، وبمفهوم مستقل وثري لأعادة بحثه، وأعادته بصياغة جديدة في بنيته المعرفية كتميّز محض قاطعا الدلالة في التفسير، بذلك مس الفنان محايثة المنظور البؤري المقعر للاشكال وسطحها الترميزي لتفسير المعنى الضمني لها، ما جعل للاشياء بمختلف مجسمها المادي املاء للفراغ نحو “الغير” الملموس، بل كأنه قلب ما للخارج بحثة في الداخل، بمعان وتوضيحات ذهنية لجوهر الاشياء من غيرية مقابل شيء آخر، يناظره بالتمثيل ويخالفه بالجوهر.
 ففي اشتقاق فهم جمالية قيم اختلاف المنقبات والالوان سواء التأويل الاشكالي أم إشكالية التأويل ما يدّلنا على ذلك سطوة المعنى الجمالي الذي ظلّ ملاصقا له حيث أنّ اختلاف المنقبات في التأويل الإشكالي هو ما تنتجية من شروط الادراك الجمالي وما تزال بـ”الضمنية الحسية” وبـ” الظاهر الحسي” تدّل استدعاء التفكير في الجدل المتجلي  بتموقعه على مغايرات فجوة التداعيات وموضوعات القيم للمجسم و مظاهر البعد اللوني المشترك و المسافة للخلفية بمددها التأويلي بين أمرين بينما تدلّ “الدال” على الحمل والوسيلة و تهدأة النقل جوهر المعرفة للمناقبة ووظائفها و بذلك يبدو اختلاف المناقبة لإشكالية الفهم الجمالي في المشتّق الاستلابي والمختزل في ذهن حسي ووجداني، للتماهي بين ذاته وبين موضوعيته، ناقلا عن وعي رفيع في غاية الجدية والاهمية للمسافة والفجوة بين أمرين متشابكا بين الرمز للشكل أو الاسم لجدية المقدس والمقاصد في انتاج المعنى، الذي سيما يعلن أصطدام بحركية تدويرية في المتعالي وما يعرضه للسؤال، فضلا أنّ شيئا ما يتمييز بمستقبل الوهم  وما هو هين الادعاء مهما كانت المقاصد في أزمنة تختلط فيها الدلالات وتضيع فيها الظاهرة للاشياء، و يتباعد الهاجس المعرفي على مستوى الفكر والفلسفة عن شيء آخر في الافق، كما أنّ إختلاف المناقبات واللون في اشتقاقه المكرر على التعامل بكونه ميتافيزيقيا يعني  يعطي خاصية لنمط الشي متنوع الاساليب أو لشيء تجعله غير متطابق وان تشابه المعطى الظاهري للشيء مع ما هو متماثل بالنمط والتجلي التشكيلي المرجعي الآخر أو شيء آخر شبه الاطلاقي الجدي المطلق باستثناء التأويلات المقاربية في اعادة توزيع قيمه، وما يدخل في اخضاعها كونها لا وعي جمالي عملي. ظلّ إذا هذا الصراع لدى عمق الجدية لدى الفنان كمفهوم محكوما عليها بمظاهر ضمنية قابلة على ذهنية المكرر في التأويل الفني التشكيلي بعلاقة ما تنتجة المعرفة المقارنة بشيء آخر مرتبط بحشود الاشارات بمضامين ومرجعيات وصفية لا تفسيرية.
 وبالخلاصة، يميل الفنان بمزيد من الاهمية ومن الحيرة والقلق واليقظة والحذر والالتباسات لهذا الاختلاف الاشكالي، للفهم الجمالي التي يعترض العقل التحليلي النقدي راهنية الذات وجدارة اختزالها، لاسيما أن يظلّ تميّزه مستقلا من اجل الحرية والاقرار. بوصفها مسارا ليس هينا حتى داخل فضاء اللوحة، معبرا عن ذلك من الداخل بالادانة للفروضات الراهنة الطارئة من سؤ القراءة وبوصلة الشروحات المزمعة بالجدل السفسطائي عنها، وفي التيه البداية والأغراق بالمثقافة، والإختلاف النمطي الذي انتجه التاريخ في الوعي الضمني الخاص، والتكرار القيمي تجاه الحياة والمجتمع، وما هو كوني محدد للاشياء. تحديدا، يجدد الفنان تلامسا للمتلقي بمحنة بداية النظرة الفاصل عن التقليدية للمشاهدة بظاهرها، ووظائفها الروحية الجمالية المكبوته بالتأمل، دون ان ينتابه من الأوّل بهذه الاستعارة السردية، ليبدأ الفعل السردي الصوري لاخلافية عنها بجمالية اللون وخفايا القييم المستترة بين المغامرة والوقائع المدركة، ولا سيما يبدو أنّ القعرية للوحة تصمد لونا تماثليا إلى السطح لما هو مدرك، من غير التوّقف عن الجرأة عن أن يكون قعرا في حضور اللحظة السردية، اما لقطها بشكل اخر او بتحديد الخلاص للوعد بالجمال، او الانتظار للعودة بجمال غامض الاشارة، او الفراغ او اللون او المجسم، إذن لا مناص الاهمية نتوقف بحسبان انفسنا، بموضع سؤال التوقف عند اول لوحة نتشاهد بها، من نحن؟ وما نيريد منا ان نكون بتأملنا،؟ وما الذي نعمل ما بعد ذلك؟!. 
 
 
 
 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: