الأحد , سبتمبر 20 2020

أجيال الطقوس الحربية … للقاصة : هند ألعميد

رنين منبه الهاتف بنغمتهِ المميزة كزقزقة عصافير الصباح المتفائلة
والبعيدة عن الإرباك الأمني، الذي يدُب بأطرافهِ المخربة في شوارع بغداد،
يملأ أجواء غرفة الأختين.

‎الصغرى –
وكعادتِها – تتجاهله لاعتمادها في الاستيقاظ على تنبيه شقيقتها الكبرى،
حين تبدأ بالتحذير من التأخير بصوتها النشط وهي تردد مقولتها المعتادة: لا
أعرف كيف أصبحتِ معلمة ويُعتمد عليكِ في تعليم جيل بأكمله، وأنت بهذا
الإهمال؟!

‎يتبع استيقاظها وإعداد زينة الخروج، شرب فنجان من قهوتها
المرّة استعداداً لجلبة التلاميذ الصغار ومشاكلهم التي لا تنتهي من
التحديث اليومي.

‎تخط تسلسل الحصة على يمين سبورة الصف، كاتبةً
عنوان الدرس في منتصفها، وتاريخ ذلك اليوم على يسارها.. قبل أن تبدأ بشرح
موضوع عن القيم والأخلاق الحميدة وتقويم سلوك التلاميذ، لتطرح بينهم أسئلة
عن مدى استعدادهم لاحترام الكبير والعطف على الصغير وتقديم المساعدة لمن
يحتاجها والرأفة بالحيوان.. حتى باغتها صوتٌ ناعم صدر عن طفل لم يحترم بلوغ
دورهِ بالترتيب ليقول لها: (لا أريد أن أرأف، فأنا أريد ان اكون رجُلاً).

‎استوقفها عدم ترابط هذين السببين لدى هذا التلميذ، وانتابها فضول كبير
لفهم ما يجول بداخل هذا الرأس الصغير من قناعات ترجمتها جملته.

‎وقف
يبتسمُ بانتشاء، بعد جذب انتباه معلمته الجميلة وهو يباهي أقرانه بشجاعته
التي ميزتهُ عنهم، مبرراً قوله لها بأن أولاد المنطقة إنْ رأوه يعطف على
تلك القطة الضالة المهيّأة لحفلة الإعدام التي يقيمها مجرمو المستقبل، فإنه
لن يكون رجلاً في نظرهم؛ بل سيوصم بينهم بالجبن والتخاذل حتى يُنبذ بكل
كيانه، فالإنسانية صفة الضعفاء عندهم.

‎إنَّ تهاون أولائك الأباء
في ردود أفعالهم إزاء ما شهدوه من جرائم أبنائهم بحق الحيوانات الضعيفة خلق
في أنفسهم تفسيراً برضا ذويهم، بل فخرهم بأفعالهم الخطيرة حسب تفسيرهم ضيق
الأفق ضعيف الرؤية.

‎شعرتْ بأنها بحاجة الى خزان من القهوة المرّة، لعلها تستوعب أي جيل خطير قادم.. ذلك المولود من رحم الطقوس الحربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: