الثلاثاء , سبتمبر 22 2020

للعقم أنواع … للقاصة : هند العميد

شوارعُ بغدادية قديمة. فروعٌ متداخلةٌ، وكأنها خريطة اللقاء الجبري لأولئك
المترابطين روحياً. طفلان مميزان عن أقرانهما المنتمين الى مجموعة الشغب
البريء، (وردة، وربيع).

طفلان متجاورا السكن، متباينا الحال المادي. كانت وردة أوفر حظاً لاستجابة أهلها لكل شاردة وواردة من أمنياتها وطلباتها.
ولا نبرّئ الطفولة – أحياناً – من خبثٍ أبيض. فحين تقرّب إليها (ربيع) كان يسعى إلى أن يصيبهُ شيء من مخلفات ملل الصديقة.
في آخر الزقاق بيتٌ قديمٌ ذو شرفة خارجية تَحتلُها أزهارٌ ربيعية مغرورة
الحضور، زاهيةٌ بألوانِها، يمتزجُ عبقها برائحة الكعك المحمّص الهاربة من
نوافذ مخبز صغير يتوسط البيت، كان قبلة لأطفال المنطقة.

بضعة دنانير كانت كفيلة بأن تجعل من (ربيع) حارساً شخصياً لصديقته. وهو يُبعد عنها كل من حاول أن يقترب، مشاغباً او محباً.
كان الفضول وغزارة الأسئلة، الهاجس المرافق لها، حين تفرضُ وجوب الإجابة
عليها من الخالة (حرير) بعد أنْ تأخذَ نصيبها المميز من الكعك المحمّص
نظيراً لحفنة دنانيرها الوفيرة.

لم يهدأ لها بال، ولم تقتنع بأعذار
الكبار وتأجيلهم إجابتها إلى أن تكبُر. أصبح شُغلها الشاغل أنْ تعرف معنى
(عقيمة)، ولما الخالة صاحبة المخبز لم تلد؛ لكنها لم تحصل إلا على ضحكات
مُحرجة وتهرّب – يظنه والداها ذكياً – من إلحاحها البريء.

وفي يوم ما..
قررت أنْ تكون أذكى، حين سألت أمُها عن مصدر قدومها للحياة. التي ابتسمت
لها، وقررت أن تُنهي الإحراج الى أجلٍ مُسمى، فأخبرتها بأن الأطفال يُشرَون
من بائع الأمل. لتكتفي بهذهِ الإجابة، ولتسري السكينة في نفسها، ويتلاشى
الفضول.

تغيّر الحال، ودارت الأيام ليحلّق الحظ مبتعداً عن أهل (وردة)
ويحط رحاله ببيت (ربيع). لكن الجوع الذي تربّى عليه جعلهُ يأبى أن يرد
الدين لصديقته الكريمة. وراح يشتري الكعك لنفسه فقط. فهو ليس بحاجةٍ لرفيق
أو حارسٍ شخصي.

اتخذت من أسفل فراشها مكاناً سرياً، تجمعُ فيه دنانيرها المعدودة التي حرصَ أبوها أن لا يصيبها نصيبٌ من القحط ولو قليلاً.
بعد مُدة ليست بالقليلة، وفي صباح أشرقت فيه الشمس بجرأةٍ ملحوظة، نهضت
وردة مُسرعةً مُتجاهلةً نداء أمها لغسل وجهها قبل أن تخرج للشارع، وفي
كفيها الصغيرتين كومةَ الدنانير.

كان بيت الخالة – بنظرها – كبعد واحة
الماء عن تائهٍ ببيداء. وصلت إليه وهي تلتقطُ أنفاساً بغير انتظام، ومن دون
أن تطلب شيئاً رفعت يديها الى وجه صاحبة المخبز، التي نظرتْ إليها بتهكّم،
وهي ترى عدداً قليلاً من الدنانير لم تتعودهُ منها؛ ولأن الناس يتناقلون
الخبر السيئ كإعلان هام، لم تسألها السبب، وضربت يدها رافضةً إعطاءها
بعضاً من كعكها الثمين، وهي تُتمتم: عودي إلى بيت أهلك، وليبحثوا عن
مخبزٍ رخيص يلائمهم.

امتلأت عيناها العسليتان بالدمع من ألم الضربة،
واختنقت عبراتها خلف ثغرها الصغير. وبعد جهدٍ أخرجتْ كلمات مُرادها وهي
تقول: يا خالة! أنا لا أريد الكعك.. أنا جمعتُ لكِ المال، لتشتري طفلاً من
بائع الأمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: