الخميس , نوفمبر 26 2020

باهر بدوي يكتب : ماعرفت سواها ..

ما عرفت لنفسي أُمّاً سوى تلك الباسلة العظيمة التي لا يغفل لها جفن حتى عودتي ليلاً، أما أمهاتنا جميعا، فتراهن يوميا، فهنً:

تلك التي تعجن الخبز لمدى حياتها لتطعمنا مقابل بضعة جنيهات.

تلك الثكلى التي أستشهد لها إبناً في الحرب أو على أيدي حاكم طاغية.

تلك التي تقف لعدة ساعات بطابور الجمعية و تتحمل الزحام و الشمس، لأجل زجاجة زيت أو حفنة من الخبز لإطعام الأفواه الجائعة.

تلك الصابرة المحتسبة لإبنها المعتقل ظُلما و افتراءا و تسهد لليال طوال متفكرة في حاله.

تلك التي قصفت الطائرات أو الدبابات منزلها في سيناء و غزة و سوريا و اليمن و صارت بلا مأوى.

تلك التي تجوب المستشفيات الحكومية العفنة بإبنها المريض و تقترض المال من القريب و الغريب لإنقاذ.

تلك الأرملة التي إضطرها القدر أن تملأ رحيل زوجها و ضربت بالفأس تربة الأرض و دارت بالساقية لتضمن إطعام و تعليم و علاج أبنائها.

تلك التي خرجت في ثورة يناير و هتفت ضد الظلم رغم الشيخوخة التي ضربتها، فلا تكاد تميزها من بين مئات الرجال.

تلك خرجت في ثورة ١٩١٩ و ضربت الإنجليز بأوعية و أواني المطبخ بمنتهى البسالة لأجل حرية الأجيال المقبلة.

تلك التي وقفت في وجه البلدوزر المهول بميدان رابعة العدوية و أرغمته على الوقوف بإشارة من يدها لإنقاذ الشاب المصاب.

تلك التي تصحو فجرا لتعترش الرصيف بينما الجبن و القشدة يقبعان امامها في الإناء الصفيحي.

هذه هي أمي الباسلة الشجاعة المعطاءة بلا حساب أو مقابل لأجل تدفق الأجيال القادمة إلى الحياة.

تحياتي لك يا أمي العظيمة و أم الشعوب العربية المنكوبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: