الإثنين , سبتمبر 28 2020

صلاح رشاد يكتب : عبد الله بن عباس يصف الخلفاء

لم يكن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما
حبر الأمة وترجمان القرآن فحسب بل كان له باع طويل في الفصاحة والبلاغة وحسن الرأي
، وكان وسيما جسيما مهيبا داهية خليقا للخلافة ، وكان معاوية رضي الله عنه من الذين
ينبهرون بكلامه واقواله ورغم الخلاف الشديد بين بني هاشم وبني أمية والذي وصل إلي حروب
سالت فيها أنهار من الدماء إلا أن ذلك لم يمنع معاوية رضي الله عنه من ان ينزل أبن
عباس المنزلة التي يستحقها .

وقد جرت بينهما مساجلات ومناظرات كثيرة
كانت تنتهي دائما بإعجاب معاوية ببلاغة ابن عباس وروعة منطقه .

وقد استأذن عبد الله بن عباس على معاوية
في إحدي المرات وعنده وجوه  قريش ، فلمّا نظر
معاوية إلى ابن عباس مقبلاً التفت إلى سعيد بن العاص وكان جالساً عن يمينه ، وقال
: لألقين على ابن عباس مسائل يعي بجوابها.

فقال له سعيد : ليس ابن عباس ممن يعي بجواب
مسائلك.

فلمّا جلس ابن عباس ، قال له معاوية : يابن
عباس إنّي أريد أن أسألك عن مسائل.

قال : سل عما بدا لك.

قال : ما تقول في أبي بكر؟

قال : رحم الله أبا بكر ، كان والله للقرآن
تالياً ، وعن المنكر ناهياً ، وبذنبه عارفاً ، ومن الله خائفاً ، وعن الشبهات زاجراً
، وبالمعروف آمراً ، وبالليل قائماً ، وبالنهار صائماً ، فاق أصحابه ورعاً وكفافاً  ، وسادهم زهداً وعفافاً ، فغضب الله على من أبغضه
وطعن عليه.

قال معاوية : أيهاً  يابن عباس فما تقول في عمر بن الخطاب؟

قال : رحم الله عمر ، كان والله حليف الإسلام
، ومأوى الأيتام ، ومنتهى الإحسان ، ومنهل الإيمان ، وكهف  الضعفاء ، ومعقل الحنفاء  ، قام بحق الله عزّوجلّ صابراً محتسباً  ، حتى أوضح الدين وفتح البلاد ، وآمن العباد ، فأعقب
الله على من ينقصه اللعنة إلى يوم الدين.

قال : فما تقول في عثمان؟

قال : رحم الله أبا عمرو كان والله أكرم
الجعدة ، وأفضل البررة ، هجاداً بالأسحار ، كثير الدموع عند ذكر النار ، نهّاضاً عند
كلّ مكرمة ، سبّاقاً إلى كلّ منجية ، حيّياً أبياً وفياً ، صاحب جيش العسرة ، وختن  رسول الله 
صلى الله عليه وآله وسلم (زوج ابنته ) 
، فأعقب الله على من لعنه لعنة  اللاعنين
إلى يوم الدين.

قال : فما تقول في عليّ؟

قال : رحم الله أبا  الحسن ـ كان والله علم الهدى ، وكهف التقى ، ومحل
الحجى  ، وبحر غيث الندى ، وطود  النهى ، ومنتهى العلم للورى ، وكهف العلى ، ونوراً
أسفر في الدجى ، وداعياً إلى المحجة العظمى 
، ومستمسكاً بالعروة الوثقى ، وعالماً بما في الصحف الأولى ، قائماً بالتأويل
والذكرى ، متعلقاً بالأسباب الحسنى ، تاركاً 
الجور والأذى ، حايداً عن طرقات الردى ، خير من آمن وأتقى ، وأفضل من تقمصّ
وارتدى ، وأبر من حج وسعى ، وأكرم من شهد النجوى ، وأفصح من تنفس وقرأ ،  أخطب أهل الدنيا إلا الأنبياء والنبيّ المصطفى ،
صاحب القبلتين ، فهل يوازيه أحد في الورى ، الزاهد في الدنيا ، أنيس المصطفى ، وأبو
السبطين  ، فهل يقارنه بشر ، وزوج خير النساء 

، فهل يفوقه قاطن بلد ، للأسُوْد قتّال
، وفي الحروب ختّال ، لم تر عين مثله ، ولن ترى الي يوم  القيامة ، ولم أسمع بمثله ، فعلى من أنتقصه لعنة
الله ولعنة العباد إلى يوم التناد .

قال : أيهاً يابن عباس لقد أكثرتَ في ابن
عمك ، فما تقول في  طلحة والزبير قال : رحمهما
الله كانا والله برين عفيفين كريمين،  زلا زلة
والله غافر لهما للصحبة القديمة والأفعال الجميلة .

( يقصد بن عباس بزلة طلحة والزبير رضي الله
عنهما خروجهما لقتال الإمام علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه في موقعة الجمل ، ويقصد
بالصحبة القديمة صحبتهما لرسول الله صلي الله عليه وسلم ).

ثم أردف معاوية قائلا :فما تقول في أبيك
العباس؟

قال : رحَم الله العباس ، أبا الفضل ، كان
صنو نبيّ الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقرة عين صفي الله ، سيد الأعمام ، له أخلاق
آبائه  الأجواد ، وأحلام أجداده الأمجاد ، تباعدت
الأسباب في فضيلته ، صاحب البيت والسقاية والمشاعر والتلاوة.

فقال معاوية : أنا أعلم أنّك كلمانّي أهل
بيتك.

قال : ولم لا أكون كذلك وقد قال رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم : ( اللهمَّ فقهه في الدين وعلّمه التاويل ).

ثم قال : يا معاوية إنّ الله جلّ شأنه وتقدست
أسماؤه ، خص نبيّه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بصحابة آثروه على الأنفس والأموال
، وبذلوا النفوس دونه في كلّ حال ، ووصفهم الله في كتابه فقال : ( رُحَمَاء بَيْنَهُمْ
تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ
فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ
فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى
سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ، قاموا
بمعالم الدين ، وناصحوا الاجتهاد للمسلمين ، حتى تهذّبت
طرقه ، وقويت أسبابه ، وظهرت آلآء الله واستقرّ دينه ووضحت أعلامه ، وأذلّ الله بهم
الشرك ، وأزال رؤوسه ، ومحا دعائمه ، وصارت كلمة الله العليا وكلمة الذين كفروا السفلى
، فصلوات الله ورحمته وبركاته على تلك النفوس الزاكية ، والأرواح الطاهرة العالية ،
فقد كانوا في الحياة لله أولياء ، وكانوا بعد الموت أحياء ، وكانوا لعباد الله نصحاء
، رحلوا إلى الآخرة قبل أن يصلوا إليها ، وخرجوا من الدنيا وهم بعدُ فيها.

………………………………………………………..

من المصادر

مروج الذهب للمسعودي

سير أعلام النبلاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: