الإثنين , نوفمبر 30 2020

ذكريات محظــــورة .. رواية على حلقات للأديب : نبيل الخولي الجزء الأول (3 من 7)

 

 

 .. رحيق أيام وبطولات وتضحيات المصريين فداء لمصر   .. القاهرة 2001

الحلقات من رقم ( 11 ) الي رقم ( 15 )

الحلقة رقم (11)

قضي علي ونعيم جلستهما علي قهوة قشتمر ثم أنصرف كل منهما عائدا إلي بيته .. وعندما عاد علي وجد أمه قد أعدت له ولأخوته وليمة خاصة فرحة منها بقدومه في تلك الأجازة القصيرة بعد طول غياب فقد ذبحت زوجا من البط كانت تسمنهما في العشة المقامة بسطح المنزل مع حلة محشي كرنب الذي يحبه علي وألتفوا جميعا جلوسا علي الأرض حول طبلية كبيرة جمعتهم متقاربين لكثرة عددهم .. فقد كانت أسرة علي مكونة من أبيه وأمه وثلاثة أخوة وثلاثة بنات وكان علي الولد الثالث في ترتيب الأسرة وكان أخواه اللذان يكبرانه بعامين وأربعة أعوام مجندان أيضا بالجيش .. وهذا كان حال معظم عائلات مصر .. كل أسرة كان بها أثنان أو ثلاثة مجندون بالتتابع حتي لحقوا ببعضهم جميعا في أنتظار ساعة الحسم .

كانت أم علي تجلس تنتظر عودة أحد أبنائها الثلاثة المجندين لتبره بوجبة شهية تعوضه غيابه .. كانت تبكي في سرها وتحبس دموعها علي غياب أولادها عنها بالشهر والشهرين .. كانت لا تستطيع أن تحبس دموعها عندما ينطلق صوت شادية من الراديو وهي تغني .. قولوا لعين الشمس ما تحماشي أحسن حبيبي .. حبيبي دا اللي صابح ماشي ..

كان أبو علي رجلا موظفا بهيئة البريد ملتزما جدا بواجبات بيته ولا بشغله سوي تربية أبنائه وبناته وتنشئتهم علي القيم والمبادئ السامية .. كان لا يبارح بيته من بعد عودته من عمله بعد عصر كل يوم .. لم يكن يجلس بمقهي أو أن يكون له شلة مثل معظم الرجال .. كان يبدو أمام أبنائه صارما جدا ولكنه كان يحمل بداخله قلبا مغرقا في الحنان ..

كان يحب زوجته بشدة ويخاف علي أولاده جدا ولكنه كان يقول لعلي عندما يأتي في أجازة كما كان يقول أيضا لأخويه الأكبر منه بأنهم رجال يؤدون واجبهم تجاه وطنهم .. كان يحفزهم ويقول لهم من أجل ذلك خلقنا رجالا .. كان يقص عليهم في جلساتهم المسائية حكايات عن الحرب العالمية وأنه كان مجندا وقتها في سلاح المدفعية المضادة للطائرات في مرسي مطروح ..

—————————————————————————–

الحلقة رقم ( 12 )

كان يحكي لهم أنهم وقتها كانوا يرصدون ويميزون طائرات الألمان بالنظر المجرد وكان يصوبون عليها بمدافعم المضادة فتفر هاربة كانوا يستمعون لحكاياته عن الحرب وكلهم حماس ..

زرع فيهم أن الرجولة تضحية وفداء وليس أعز من الوطن .. كان يقول لهم ذلك ليشجعهم وليقوي عزيمتهم وصبرهم الذي كان يراه يكاد أن ينفذ من طول أنتظارهم وقلبه يتنفض بداخله كعصفور هلعا من لحظة قيام الحرب خوفا من فقد أحدهم ..

كانت القاهرة في هذا الوقت ومعظم المدن الرئيسة بمصر في حالة من نصف الأظلام .. كانت كل البيوت والعمائر قد بنيت أمام مداخلها سواتر من الطوب الأحمر كانت النوافذ الزجاجية في جميع المنازل قد لصقت كلها بخطوط متقاطعة من اللصق الورقي وتم دهانها بصبغة الغسيل الزرقاء تحسبا للقصف عندما تقع الحرب ..

كانت معظم الحدائق العامة قد أنشئ من تحتها المخابئ المزودة بمواسير بارزة فوق نجيلها كفتحات للهواء ليلجأ إليها الناس في وقت الغارات .. كانت صفارات الأنذار قد نصبت بأعلي المباني إستعدادا لتنبيه الناس وتحذيرهم وقت اللزوم .. كانت معظم سيارات النقل الخاصة تجند بسائقيها أيضا لخدمة الجيش أستعدادا للحرب كانت يوضع عليها لوحات – المجهود حربي –

كانت أم كلثوم تتجول في رحلات خارجية واهبة صوتها للمجهود الحربي أيضا .. فكانت تقيم الحفلات وتتبرع بكل دخلها للمجهود الحربي .. كان حليم يغني أحلف بسماها وبترابها .. أحلف بدروبها وأبوابها .. أحلف بالقمح وبالمصنع .. أحلف بالمدنة وبالمدفع بولادي بأيامي الجاية ما تغيب الشمس العربية طول ما أنا عايش فوق الدنيا كان يشعل الشعب حماسا ..

كان الشيوخ في خطب الجمعة والقساوسة في الكنائس في موعظتهم الأسبوعية ينشرون الوعي بكلماتهم يغرسون بداخل الشعب مشاعر الأنتماء للوطن يزرعونهم بالأمل في الخروج من هذا الواقع المر بطعم الهزيمة إلي حلاوة الغد المتجمل برايات النصر ..

——————————————————————————-

الحلقة رقم( 13 )

الساعة الثانية عشر ظهرا يقف علي بموقف الأتوبيسات أمام نافورة تمثال رمسيس بوسط الميدان منتظرا نادية التي وصلت بعد قليل ليجد وجهها مشرقا بفرحة لقائها به تكاد تنطلق لتحتضنه فيتلقفها بأبتسامة حانية مشتاقة لتلك الحبيبة التي عشقها بكل روحه ..

– أهلا يا علي .. واحشني أوي ..

– أهلا يا نادية .. تعالي يا حبيبة قلبي ..

– إيه ها نروح فين يا علي ؟..

– إيه رأيك في الهرم .. تعالي نطلع الهرم ..

– ياااه الهرم مرة واحدة .. دا مشوار بعيد أوي يا علي والوقت ضيق ..

– لااا النهاردة أنتي بتاعتي أنا وبس .. مش ها نحسب الوقت ولا ها نبص في الساعة طول ما أحنا مع بعضنا يالا يا روحي ..

– ههههي يالا يا حبيبي .. ماشي كلامك ..

أستقل علي ونادية أتوبيسا متجها لأهرامات الجيزة .. ووصل بهم قبيل وقت العصاري بقليل كان الجو رائعا .. وكانت هناك بعض الرحلات المدرسية والمدرسين مشرفي الرحلات يقودون الأطفال في صفوف مدرسية منتظمة كي لا يفقدوا أحدهم وهم يسيرون في جولة سياحية شيقة جدا بزيهم ذو اللون البيج الموحد المصنوع من قماش التيل نادية – كان هذا هو الزي الرسمي لتلاميذ المدارس من حيث اللون ونوع القماش – كان ولابد وأن يكون من قماش التيل نادية حفاظا علي مظهر المساواة بين جميع التلاميذ في المدارس الحكومية من حيث اللون والخامة فلا يكون هناك تمييز بين طفل غني أوطفل فقير .

——————————————————————————–

الحلقة رقم (14)

أمسك علي بيد نادية وقد تشابكت أصبعهما في أحتضان عاشق وسارا يتجولان في منطقة الأهرامات السياحية يسيران أحيانا ويجلسان علي أحدي الصخور المنتشرة بالمكان كلما أحسا بالتعب ..

– ياااه يا علي .. المكان هنا ساحر أوي .. وهادي أوي .

– عارفة يا نادية أنا كنت محتاج أجيبك هنا علشان نكون في مكان هادي كدا نعرف نتكلم ونقرب من بعض شوية ..

– وأنا كمان يا علي نفسي بقا يكون لينا بيت يضمنا .. وحياتنا الخاصة .. أنا محتاجلك أوي يا علي لأني بحبك ونفسي أسعدك ..

– أنتي يا نادية حلم عمري .. بس القدر واقف لنا بالمرصاد مش عارفين نكمل المشوار إللي حلمنا بيه سوا من أول ما أتقابلنا .. ملعون أبو الحرب ..

– طيب يا علي خلينا نفكر سوا في حل يا حبيبي .. مش معقول ها نفضل كدا .. ولحد أمتي يا علي ها تفضل حياتنا واقفة كدا .. أكيد في طريقة يا علي نحل بيها مشكلتنا دي ..

– دليني بس يا نادية علي حل واحد وأنا مستعد أعمله فورا .. أنا نفسي يضمنا بيت واحد ونعيش تحت سقف واحد دلوقت حالا مش بكرة يا نادية ..

– أيوا يا علي وأطبخلك بأديا وأستناك لما ترجع كل يوم وأنا مشتاقة لك أوي كل يوم أكترمن إللي قبله ..

كانت نادية في تلك اللحظة الرومانسية التي أحتوتهما بدفئها قد جلست مسندة ظهرها مائلة لصدر علي الجالس من خلفها وقد ألتقت أعينهما في نظرة حالمة غارقة بالشوق المتأجج فأرخت نادية رموش عينيها وشفاة علي تلتقي بشفتيها في قبلة طويلة جدا وكأنها حلم عشق صامت .. كادت نادية أن يغشي عليها من حلاوة القبلة أو كأنها قد فقدت وعيها للحظات ثم أرتعد جسدها فجأة منتبهة لأنهما جالسان في مكان مفتوح ..

——————————————————————————

الحلقة رقم (15)

– علي .. علي .. هههههي يا مجنون .. أبو الهول شايفنا ..

– هههه وماله يا حبيبتي عادي .. عارفة يا نادية إيه إللي مصبر أبو الهول علي قعدته كدا طول السنين دي ..

– إيه يا حبيبي ؟؟..

– أنه قاعد بيشوف العشاق إللي زينا كدا وهما بيعشيوا أجل لحظات الحب هنا ..

– ههههي دا تلاقيه تعب أوي يا علي من كتر إللي بيشوفه هنا يا حبيبي ههههي ..

ضحك علي جدا من ملاحظة نادية الشقية ثم حاول أن يحتضنها مرة ثانية إلا أنها أفلتت من بين يديه وقامت بسرعة لتجري ضاحكة وعلي يجري من خلفها محاولا الإمساك بها وهي تجري وتحاوره وتصرخ ك طفلة شقية في قمة لحظات سعادتها وهي تقفز بين الصخور كغزال رشيق تهرب من صائدها .. وعلي وهو يضحك ويطاردها يزداد إصراره علي أن يقتنصها بين ذراعيه مرة أخري .

مر بهما الوقت في مرح وحب وسعادة .. ثم أوقف علي أحد بائعي السميط والبيض المسلوق والدقة وتناول منه بعضها وجلس هو ونادية يأكلان في هناء وفرح وهي تضع في فمه قطعة وهو يطعمها أخري .. ثم مر بهما بائع الكازوزة يحمل جردله علي كتفه وهو ينادي .. يالااا الساقع .. يالااا يا عشاق .. يالااا الساقع كولاا .. ببس .. طفي نارك .. فتناول علي منه زجاجتين وجلسا يواصلان حديثهما ..

– ميرسي أوي يا حبيبي علي اليوم الجميل دا ربنا يخليك ليا .. والله نستني نفسي النهاردة يا علي أنا كنت حزينة أوي من بعدك عني ومن كلام ماما ليا كل يوم عننا ..

– وأنا كمان في قمة السعادة النهاردة يا نادية .. ما تعرفيش أد إيه أنا كمان كنت محتاج لفسحة زي دي معاكي .. إنتظارنا للحرب بدون أمل في أنها ها تحصل يا نادية مخلينا عايشين في حالة تشبه الغيوم .. مش عارفين أمتي ها نخلص من الكابوس دا يا نادية ..

– أيوا يا علي بس ماما مش ها تسكت هي مصرة أنك الأجازة الجاية يكون عندك حل .. أنا خايفة لتفرق بيننا يا علي وهي لو أصرت علي كدا ها تبقي مصيبة بالنسبة لي .. مقدرش أتخيل أن حلمنا يتهد كدا في لحظة .. مش عايزة اليوم دا يجي أبدا يا علي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: