الخميس , سبتمبر 24 2020

صهيل منجل ….قصه قصيره للكاتب وليد العايش

استيقظ  والدي باكراً كعادته ، كانت خيوطُ الفجر ماتزالُ تُنسَجُ في بيتِ العنكبوت ، والظُلمةُ تحزِمُ متاعها استعداداً لمواجهةِ متاهةِ الرحيل ، زقزقةُ عصافيرٍ تنتشرُ رويداً رويداً ، خِوار البقرةِ الصفراءِ يكسِرُ صمتَ الفجرِ الآتي من رحمِ أطلال ليلْ ، إنّه زمنُ الحصاد ، لا وقتَ للنومِ أكثرْ ، البيادرُ تكتسي بثيابٍ سُندسيةْ ، بينما الحقلُ يرقصُ طرباً ، فَرِحاً بما جاد به بعدَ موسمٍ طويلْ

– هيا بابني … اِتبعني … 

 قالها ثم غادرَ صوبَ الحقل المتريثْ ، تململتُ كثيراً في سريري , كنتُ أحاولُ البقاءَ لفترةٍ أطول ، صياحُ الديكِ يضربُ مسامعي ، أميّ كانت هُناكَ تُشعِلُ النارَ في تنورنا الطيني لخُبزٍ مازالَ في رحمِ الولادة ، شعرتُ عِندها بأنّهُ لا مجالَ للمراوغة أكثرَ من هذا ، حزَمْتُ أمري وانطلقتُ لتوّي ، وأنا أفركُ عينيّ من بقايا نومٍ مازالَ جاثماً على أهدابها ، انتعلتُ المنجل الصغير ومشيتُ في مدّقٍ ضيقٍ يوصلني إلى الحقل ، خريرُ مياهِ الساقيةِ يُدغدغُ شفاهَ عُشبٍ صغير ، رائحةُ الخبز تتسللُ إلى مُتنشقي ، ياله منْ صباحٍ جميلْ ( قلتُ لنفسي ) ، ثمّ تابعتُ مسيري إلى الحقل المُنتظرِ على ناصيةِ تربةٍ عاشقة , النوم مازال يدغدغ أجفاني الغضّة , تعثرّتُ بكلبنا الأبيض بينَ حفنة أعشابٍ يابسة , لتوّه انتهى من مهمته اليومية , ولجَ مابينَ ساقيَّ , ( يالكَ من ماكرٍ أيُّها الكلب ) تستجدي العطف دون أن تخسر شيئاَ , جلستُ بجانبه والمنجلُ بيدي , مسحتُ على رأسه الذي تراخى على ركبتي , لحظات فقط وكانَ يحلمُ بتلك الأنثى الشقراء , نام الكلبُ فزادني شوقاً إلى النوم , عندما مشيت باتجاه سنابل القمح كان عقلي يدور كما عجلة طاحونة قديمة , كيف أعود لسريري , بتُّ أحلمُ أن أنام بجانب كلبي الأبيض كما قلبي , ضحكتُ في سريرتي , أحقاً قلبي أبيض ؟ …
 راودتني فكرة حمراء , أسررْتُها ثمَّ مشيتُ على مهلٍ , أُخطِطُ لتنفيذِ ما قررتُ , في تلك الأثناء كانت أميّ تحملُ إبريق الشاي , فقد تعود والدي أن يشرب الشاي مع أميّ على كومِ سنابل القمح الذهبية , وربما كان يُغازِلُها , فأنا أعرفهُ ( روح قلبه النساء ) هكذا كانت تقول عنه أميّ في غيابه , لم تجرؤ يوماً أن تقلها بمواجهته , دقائقُ أو أكثر مرّت , انتهى احتساءُ الشاي , الوالدة تعودُ مُسرعةً , فالتنورُ بات يغلي … 
– هيا إلى الحصاد يابني … أما شبعتَ نوماً … 
– نعم , نعم , شبعتُ … سوف تراني كيفَ أحصدُ , لقد أصبحتُ أفضلَ منك … 
 بدأت أعواد القمح تتهاوى أمام منجلي الصغير , صرير الحصاد يملئ المكان , من بعيدٍ يصلُ موال ذاكَ الرجل البدوي الذي ساق قطيعه إلى المرعى , الشمس تتكور في شفقها الأول , انكسار الليل أمسى واقعاً , ففرّ مع حقيبته , الندى يداعبُ حشائش تسربلت بين سنابل حقلنا … 
 فجأة صرختُ , آهٍ يا أبي , ثُمَّ وقعت على الأرض , وهنا حدث ما لم أكن قد وضعتهُ أمامَ عينيّ , دخلَ المنجلُ الصغيرُ الحجم فقط إلى حلقي , شاهدتُ دماءً تتدحرجُ على ثيابي , كان أبي يلطمُ خديه , غاب الفتى , غاب الفتى … ذات يوم سألت, نفسي : ( هل انتهى أبي من حصاد القمح … ؟ ) … 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: