الإثنين , مارس 1 2021

النحات السوري المبدع عادل خضر بين الجمال والفلسفة

عبدالرحمن شاكر الجبوري
مدخل وجهة نظر: سمات ابداعية عامة للفنان عادل خضر
 
عادل خضر، نحات سوري، من مواليد دمشق (1959)، تخرج من معهد ادهم اسماعيل للفنون التشكيلية بدمشق، يعمل محاضرا في قسم فن النحت في المعهد التقني للفنون التطبيقية، استطاع أن يلفت إليه الأنظار في فترة قصيرة بفضل اجتهاده وعملة الدؤوب، حيث أقام معارض مشتركة متعددة، كما له عشرات الملتقيات النحتية أي (سمبوزيوم) وهذه الاعمال ذات طابع نصبي، وضعت في ساحات وحدائق عديدة في انجاء دمشق، بالاضافة الجانب الابداعي المميز لتجربته مع “المعدن” في فن الميداليه له باع ابداعي مثير في النقش والتشكيل والممارسة المدهشة، والتي سنسلط الضؤ ايضا تجربة الفنان بصحبة المعادن، بالمزيد في متن المقالات اللاحقة والفرز الابداعي المهم لاعماله فيها، ومالها من صياغات في تشكيل معالم صحبته معها. منطلقا من مشغله الفني الضيق، عن تنوع الوجود والاختلاف للخامات، منُطّقا سكونيتها، في فلسفة مخيلته الفنية وبؤرة تأمليته الابداعية، إلى اطروحات جمالية وفكرية، كاتبا نصا صراعيا رائعا في نبل نزاعه الانسني في تطويع الحجرالرخامي، الخشب، المعادن في تشريحات ثقافية مجسمة وفق الانسجام لروحية وقدرة الخامة في فتح حوار سجالي للموضوع بحسب اختلاف خواص الخامات المتنوعة والمتعددة في تطاوع الهدف والموضوع، لبعضيهما، كعلاقة لها نموذجية وخصوصية متفردة في تشكيلها الفني “كعائلة خامات فنية” يتوافق القبول له من صنيعة “رغبة/ذات”، والخامة من حيث صنيعة “موضوعيتها”. والاعمال في الاصل حاصلة على حصاد رضا وجودها بين اعين الناس وافكارهم باضافتها الروح الجمالية في سريرة حميميتهم في الساحات والحدائق ومداخل المدينة المدنية التي حملت شهادات جمالية وفلسفية تحت إشراف عمق الفكر السوري وتراثه العريق مدادا بتدمر وبصرة والحمامات… ووو. 
 
وتُعد أعمال الفنان “المتنوع” مرجعية ابداعية للعديد من الفنانين لـ”فن النحت”، بفائض الخبرة التي اكتسبها على يد الفنان المصري العالمي (محمد حسين هجرس) لمدة ثمان سنوات في ثمانينات القرن الماضي، وهو يعد في مصر من الجيل الثاني بعد النحات الكبير(محمود مختار)، استطاع الغوص في الخامات بتنوع اصنافها وخواصها في صهر مسرحة افكاره واعمدتها وتيجاناتها الى مادة تشكيل مجسم، يتعاطى معها قدرة التعبير والملامح الشخصية “كهوية” لكل خامة مع كل عمل، وبهذا العمق الشديد قدمها بوسائل نافذة إلى العقل الانساني المتلقي/المشاهد/ المتأمل/المرئي بمختلف مشاربه الفكرية، نموذج الفكرة النبيلة الخفية للعلن، بتشكيلها البصري وبوضوح. 
 
إلى جانب أهتمامة بفلسفة الاخلاق بوصفها روحية الفنان المطلقة، نحو الجمال الوجداني في اخضاع القطعة “صراع إرادات” بين الخامة ذاتها كموضوع و رغبته في تحقيق التشكيل الانسني، لجوهريهما المرتقب تحقيقه بتوافق..، حينها يبدأ الصراع من الجوهر ألى المشاهدة، والمحافظة على مكوناتهما في ترشيدهما الانساني. 
 
 يعد تحويل اهتمام ارادة الفنان بفن النحت، إلى جانب أهتمامه بفلسفة الجمال والموسيقى والشعر والرسم..، يكون ذلك بحكم تكوينة الحسي الابداعي التشكيلي، يتحول اهتمامة بمراحل العمل مع الخامة من موضوع وكتلتة وفراغ.. إلى خطاب جمالي، فلسفي إنساني، لدى المتلقي. لان لا اهمية لاي عمل فني إلاّ بأهمية أسلوبية عطاءه الانساني. 
 
في هذا المقال او البحث، نقدم الفنان (عادل خضر) مقاربته لموضوع ابداعه الفني لفن النحت وعلاقاته بالجمال والفلسفة، من خلال دراستنا هذه، التي نشارك فيها عدد من اعماله المصورة، وذلك ايضا من خلال الغوص والخوض في أعماله الفنية المنجزة والمصورة في ظل أصول ثقافية وفكرية ابداعية، ولتناول بعض هذه الاشكاليات التالية:
  •   الأصول الثقافية لاختيار “الموضوع” للفنان باعماله.
  •  أسباب الموضوع في نموه الفني، وكيف يمكن تفسير ذلك بشكل عملي ابداعي؟
  •  ما العمل المتكامل الذي يجمع بين ثلاثية: الموضوع والكتلة والفراغ؟
  •  النظر إلى ما هي المقاربة التي يمكن أن يقدمها الفنان لهذا الفن، باعتبارة باحثًا متخصصًا مبدعا في الجمال والفلسفة؟ 
  •  وهل تسعف فلسفة الفن الأولى في قراءة الواقع جماليا، وممارسة تأثيرها عليه؟   
  • تباين الآراء حول واقع الفلسفة الفنية وإشكاليات الابداع الفكري، وما يتجلى في تجدد الفلسفة من خلال منابع متعددة للجمال.
  •  وكيف يمكن إعادة الألق والتوهج للفلسفة والجمال في الابداع الفني، حتى تسهم في الخطاب الفلسفي الانساني؟
  • وما دور الفنان اليوم في بناء الجمال والفلسفة عبر اعماله القادمة؟
 
نقوم بتقديمها للقاريء الكريم لما يعتمل به، والتي يمكننا تلخيص هذه الإشكاليات، لتحديات فنانا المبدع (عادل خضر) وايجازها بـ”مبدع في زمن الكوليرا” لما تشهدة سوريا من عنف ودمار حرب، ولدور الفنان المبدع (عادل خضر) وفلسفته، وطريقة تواصله وكفاحة الانساني-الفني النبيل من عطاءه الفني. وعليه سأتناول الدراسة، ببحث الاجابة في المتن باستفاضة، عن الاشكاليات اعلاه، عبر محاور لمقالات قادمة متصلة:
         1 ـ قواعد المنظور للموضوع وأسس الرؤية.  
        2 ـ بناء المكان/الكتلة وماهيتها. 
        3 ـ آلية التمثل وحدوده في الفراغ.

ثلاثة عناوين كاملة تتمفصل في تعميق النص للمقالة/الدراسة/المبحث. لكن يبقى الطرح المعرفي والمنهجي في المحور الأول كمدخل إلى أسس فن التأويل للموضوع، متقاربا مع المحور الثاني  كتفكيك الكتلة وفن التأويل المجسم بانسيابية اعضاءه. تبقى مشكلة “الفهم” (compréhension) و”الحوار” (dialogue) هي الأسلوب الراهن والفعلي، الذي يجمع المحورين، خصوصا بتشكيلهما مع المحور الثالث في فن تأويل الدلالة لآلية التمثل وحدوده في الفراغ.. إلى المرئي، والذي يميز خصوصيته او هوية العمل، مشتملا على جمالية فلسفة فن التأويل (La philosophie herméneutique) للمعنى عموما في العمل.
 
 يعتبر الفنان (عادل خضير) مبدعا بلا منازع، لتعدده الابداعي لفن النحت، وما اليه من فن للتأويل للمعنى، ولتجارب الفهم والحوار واللغة الحية للموضوع. رسالته حول التجربة الجمالية للمُثل وقراءاته الفكرية النقدية للفضاء/للفراغ والأنوار، ولقاؤه التأملي الشخصي والجمالي والمعرفي بهيأة الكتلة وموضوعها، وحواره النقدي التواصلي وخطابه/رسالته بفلسفة التحليل للموضوع، كلها عوامل لمكونات سمحت له بأن يتميز عن غيره بتجربته التأويلية في الابداع النحتي ممارسة وتنظيرا. ولعل المنعطف الهام التاريخي والمعرفي الذي سجله الفنان في حصيلة اعماله الفنية المنجزة، وهو التعامل مع الاشياء مقابل رغبته التأملية لفن التأويل، وإصداره منجز يطهر قيمته ومواقفه الفنية في ايضاح مجسمات كتلية لا لفضاء التخفي والتستر للجسد “الكتلة” عن كشفه الحقيقة والمنهج، بل لوضع الخطوط الكبرى لفن التأويل النحتي الفلسفي للاشياء ومكونات عمله الفني؛ يتناول فيه تفاعل المستويات الكبرى في طرح التسؤلات عن استيضاح الرموز للتجربة التأويلية والمتمثلة في “اللغة البصرية للمتلقي”، وعلاقتها بفاعلية الحوار، ضمن نسيج لغوي حي للعمل، ومتخذا من التراكمية بمكون الكتلة كبعد أساسي من أبعاد الوعي التاريخي كموضوع، والجمالية كلحظة تأويلية، وتجربة أنطولوجية تتجلى فيها فاعلية “الفهم”، وفهم “القصد المباشر” للفنان في علاقته الحوارية الخلاقة مع الفراغ.
 
 يتجاوز الفنان (عادل خضر) بذلك التصور التقليدي لفن النحت والاسناد على التأويل الذي وضعته الدراسات للاعمال السابقة، والذي يركز على صرامة المنهج التراكمات اللغوية للتعبير، والمنطقية في قراءة العمل/المجسم في النصوص لتقييم مقاصد الفنان، بمعنى التركيز على البعد النفسي البحت في القراءة للعمل. وعليه يصبح للمجسم الفني والتأويل للتفسير (عند عادل خضر) مجرد تأويل لغوي، يدعمه التأويل النفسي، بإعادة تأسيس المقاصد الأولية للفنان عموما، والسعي متقصيا لإعادة إنتاج المعنى الأصلي الذي يتوارى خلف الشكل. أقول بتواضع شديد أنه يتجاوز صرامة المنهج والاسلوب المُكلس، عابرا الهندسة الخطابية الوصفية لمقاصد الفن التي تبناها ماقبله. معتبرا في ذاته أن هناك دوما حقيقة ممكنة، يمكن نستخلصها من فاعلية قراءتنا للمجسم. فهنا ترتبط علاقة وثيقة بين المؤول وموضوع المجسم، والتي يمكن أن نصطلح عليها بـ”الحوار” (Le dialogue)، وهو امتداد لفكرة عناصرتشكيل الوعي، تجعل من المجسم في الفراغ أو المجسم هنا “موضوعا” او كينونة (Dasein) عنصرا حيويا وفعالا في علاقته الحوارية مع مفهوم “كينونته مع الآخر” (Mitsein). فيؤدي العمل الفني هنا الفهم لوظيفة الـ”مشاركة/ تضافر” (participation). خلاف ما يعتقد البعض، لا يعني الفهم (compréhension) لعناصر “الموضوع، الكتلة، الفراغ” إحياء دلالة أصلية كانت متسترة، أو انها تمثل تطريب “متخيل” شاعري (écoute poétique) لأثر تأملي فني.
 
أسهم كلّ من الفكر النقدي التشكيلي والعقلانية المثقفة للنخبة في إجحاف دور المتخيل عند الفنان، ومحاولة إقصاء هذا البعد الرمزي في الإنسان؛ لهذا يمكن أن يلاحظ المتتبع غياب الدراسات التي تتناول هذا الجانب إلى حدود في العناية والاهتمام بدور الفنان ورسالته، الا ان الفنان بمحاولته واصراره “كالنقش على الحجر” قد أنجح فكرة الفكر النقدي التشكيلي  لفن النحت، وعقلانية النخبة في الإوساط الثقافية المحلية، كما في خارجها، في رمي المتخيل والأسطوري بانجازه الابداعي إلى محافلهم المعقلنة في سحب النقد التقليدي من بساط الموضوع والفراغ والكتلة وظرفيتها التحليلة، كما هو مسلط في تدوير العقدية الخرافية، والأدب الشعبي؛ أي ضمن مستوى من الفعالية الثقافية المتدنية الخاصّة بمحاكات فئات الوعي ومصنفاته المتخلّفة. وبالمثل، تجاهلت العقلانية النقدية “المثقفة” للنخبة المحلية” بمحيطها الجغرافي العربي؛ بل فلسفة دور الفنان ودوره في فلسفة تأويل الأعمال التشكيلية التنويرية عموماً، والحث على تطويرها، التي أعلت من شأن الفعالية العقلية للنخبة الخالصة، هذه الدراسات والابحاث، التي تنصب أنعكاسها حول المتخيّل الفني لدى الفنان، وسعيه في تنوير العقلانية للفن التشكيلي خاصة، والفنون الادبية عامة ايضا، وأن نظرنا إليها بازدراء، فإنّ الفكر النقدي، عموماً، وفلسفة النقد الفني التشكيلي على وجه الخصوص، لهما ثابت تقليدي هو أن يتحقق من الابداع أنطولوجياً قيمة الصورة البعدية كالموضوع، الكتلة بصورغها المجسم، وتماثل الفراغ. والاهم نفسياً وظيفة المتخيّل الابداعي عند الفنان (عادل خضر). ونعثر على القبول ذاته من دراسة المتخيّل الابداعي للفنان في بعض المشاريع الفكرية الناقدة للإنسان بإنسانيه، التي يعلن ابتداءً انحيازها للعقلانية النقدية لمثقفي النخبة؛ فعلى الرغم من أن بنية العقل النخبوي العربي التي تنخرها الصور النمطية، والمتخيلات للاعمال الفنية الابداعية، التي تستقي ماهيّتها من الثقافة الشعبية التي اهملت، بسبب عدم عنايتهم بالذائقة المرئية للاعمال الفنية واغلاق مخيالها، إلاّ أنّ بعضهم يرى أن لا جدوى من دراستها عبر الفن. الا ان اعمال الفنان (عادل خضر) تشير بصريا وذهنيا وابداعيا على إنّنا قد اخترنا، بوعي، التعامل مع الثقافة النخبوية وحدها، فتركنا جانباً الثقافة الشعبية، وملاحظ في اعماله تكثيف الرموز كإشارات لمكثف قصص مبتورة، وخرافات، وأساطير، وغيرها؛ لأنّ مشروعه مشروع نقدي انسني ، ابداعي، لم يغفل الانسان ومكوناته الشعبية في الخطاب، في تعامله من الخامة او الموضوع مع الفضاء، ولأنّ موضوعه هو العقل والفن وتعالي القيم الانسانية، ولأنّ قضيته، التي ننحاز لها، هي العقلانية وانسنتها عبر الفن. نحن لا نقف، هنا، موقف الباحث التنقيبي مع الكتلة “فقط” دون تحريك ساكنيتها، الذي يبقى موضوعه ماثلاً أمامه كموضوع باستمرار، بل نحن نقف من موضوعنا موقف الذات الواعية، لمصاحبة رفع ابداعه الفني الى مساحات واسعة للفكر النقدي، لمراجعة العقلانية المثقفة للنخبة في تنمية واهتمام رفع شأن دوره المتخيل في نتاجه الابداعي الفني الانساني، بموازات عمقه الجمالي وبعده الفلسفي للتاؤيل الانسني الطاهر. 
 
إن  تذوق المتخيّل لعناصر موهبة الفنان، نتلمسها باعمال الفنان عادل خضر، احترافيته، الأخاذة قي مجموع المجسمات البُعدية، في اسلوبية أزالته أجزء من الكتلة، والتشكيل في الاضافة، وممارسته على الصخور والسيراميك والمعادن والخشب كالصور، ومجموع العلاقات بين الصور، التي تكوّن رأس مال الفنان-المفكر-المبدع فيه للإنسان العاقل. وقد تعامل فكره الابداعي الفني مع هذه الصور والرموز من خلال نظرتين حالمتين اثنتين، كما اراها من وجهة نظري المتواضعة. هي نظرة أولى، هو اسلوبية تعامله بشغف ورغبة حميمية في المتخيل الذاتي مع الرمز بمودّة وحبّ، في محاولة لاستقراء معنى خفيّ فيه “اللاواعي”. أمّا الثانية، فيعمد إلى التمرد بتدمير “وهمية” الرمز، بوصفه تمثيلاً لواقع مزيّف “واهم”. فالأولى ينظر إلى تذوقه المتخيّل والصور التقليدية كرموز تشير إلى نمطية حقائق معينة، أي أنّها المحمول لصور جمالية قابلة للتأويل، من خلال إعادة صياغتها وبلورتها من جديد بمعاصرته النقدية الفكرية، ومحمولها الثقافي المتماثل فلسفيا للدلالة لديه، إنها تعطيه تأملا بـ “مادة خام” يتمّ توظيفها لاستخلاص الحقيقة منها، بمعطيا تأولية قابلة للتفكير الجاد بالبحث والتبصر. أما الثاني فيتخلج نوزاعه تذوق متخيّل متناظر ذو نزعة تدميرية عنيفة للسكونية والجمود للصورة النمطية، فهو لا يرى أن تلك الصور في المخيال، تحمل أمشاج حقيقة فكرية ونقدية ليس للنخبة فقط، بل للجمالية العامة في توظيف مداركهم الحسية البصرية الى كائنات متذوقة للجمال وبحس فلسغي انساني؛ بل، وأحيانا على العكس، هي علاقة نزاع عن ابقاء او إزالة الحُجب الذي يراه الفنان لا بدّ من فضّها، وكسرها، وتدميرها، حتّى تطفو الحقيقة، وهذه منازعة متوهجة الصراع بذات الفنان، مرئية وملموسة في اعمال الفنان المبدع (عادل خضر) والذي يكنفه حسيا وبشدة، وما يمكن توسمته لهذا المنزع الثاني الواضحة المعالم، هو اسلوبية الازالة والتشكيل بملامح مجسماته التعبيرية، بما يسمى بفلسفة الارتياب (La philosophie du soupçon). 
 
وما يهمّنا، هنا، في هذا المقال، أن نستخرج الصور النمطية لتذوق المتخيل الجمالي الفلسفي باعمال الفنان عادل خضر، التي ضمّنتها اعماله الابداعية ( اقل ما في شاهدناه هو حفره لتذوق المتخيّل جماليا وفلسفيا)، وكذلك، ما كتب عنه، في صيغة الـ”صورة الإستعلامية” عن معروضاته الشاهدة في المعارض والساحات والاماكن للمشاهدة الجمعية، وما نحن سنتأرجح بين حدّيْن ، دون شك، هو، حدّ الأنا للفنان، حين ينظر إلى الآخر عبر مرآة تذوق المتخيل الفني والانساني، وحد الآخر كموضوع وكتلة وفراغ، حين ينظر إلى الأنا الذاتية من خلال المرآة ذاتها اللاواعية. لكن، قبل ذلك، لِمَ الالتفات إلى تذوق المتخيل بذاتية الفنان عادل خضر؟ نصل إلى سؤال رئيسي يتعلق في “الانا” للفنان بدلالة “فن التأويل” (herméneutuque) الذي يحتمل لاوعيه في المتخيل كل هذه الأوجه المعرفية والمنهجية والأنطولوجية في الفهم، ومشاركة الحوار لاجل ذاته “الرغبة”، مع  علاقتها بتلك الاوجه للـ”الاخر”. أشير بالعناية هنا إلى أنني وقعت بترجمة كلمة “herméneutique” بـ”فن تذوق دلالة التأويل” تمييزا لها عن “التأويل” بمعنى الالتقاط النصي المنقول حرفيا “interprétation”، وخصوصا أن كلمة “herméneutique” مشتقة باحالتنا لجوهرها، تحيل إلى الفن ووسائل والساطة اللغوية للتعبير بقصد الكشف عن حقيقة شيء ما. وعليه ما نعنية هو تذوق المتخيل الجمالي والفسفي لفن تأويل وتفسير وترجمة نصوص التغيرات في اسلوبية عمل الفنان النحتي إلى عالم حرية التذوق لمتخيله في استخدام المواد والعمليات وخاصة الاشكال المشفرة، والخامات، كما هو ذلك واضحا او خفيا في المجسمات، هو أن الفكر” المصور المرئي” للفنان (عادل) ينتقل من الدلالة الصورية الحرفية والأخلاقية للشكل إلى المعنى الروحي بتأويل الدلالة. سواء في فن التأويل الصوري المرئي أو فن التأويل الإنساني-الفني لعبوره الابعاد الثنائية في التشكيل الى الثلاثية، وهنا يتعلق الأمر بتأويل “مناسب ودقيق” وليس ارتجالا لفظيا على الاعمال واستخلاص معنى تنطوي عليه. حين نلاحظ ان الفنان دؤوبا بحرصه وهو يسعى إذن مرئية فن التأويل إلى الرجوع إلى فك مصادره الأصلية والبدايات لدلالته الأولى نفس الدلالة ليمنحها بعدية المرجع والمصير المأخوذ من آوالية الدال إلى مدلوله حين صار سائدا في التفسير، ينظر إلى مصدرية المعنى الخفي للاشياء فيظهره بقصد الحصول على فهم جديد ومتجدد لمعنى اخترقته، أو أنخرته تفاسير لجملة خاوية المعنى، او رمزية لممارسات وأهواء ورغبات ومخادعات ومغالطات بخست عن قيم جماليته وبعديته الفلسفية. وعلينا الانتباه، لما يتمتع به تذوق المخيال من فن التأويل بقوة تطهيرية (force purificatrice) تجعله يحقق ويجدد المعنى في اللحظة الراهنة بنبل طهورية انسانية خلاقه لذاته، بأساليب أكثر حيوية وخلاقة بواجب لاجلها، بعدما تآكل وتفكك واتخذ كرهان ولعبة لفرض الذات الخارجة عن تحقيق رغباته الجمالية، وتمويه الحقائق عبر تاريخه المتبعثر والمتشظي بافلات فلسفي تاريخي مختفيا مع “الهو” فيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: