الأربعاء , سبتمبر 23 2020

فشّة خُلق … قصّة : مصطفى الحاج حسين .

مابوسعِ المعلّم ” عدنان ” أن يفعلَ ، إذا

كان بيته يبعد كثيراً عن المدرسة التي يعلّمُ

فيها ؟! .. وعليه أن يستقلَّ حافلتينِ للنقلِ

الدّاخلي ! .. ثمَّ يتابع طريقه سيراً على الأقدام مدَّة

دقائق ! .

وماذا يفعل إذا عَلِمنا بأنّ الحافلة الأولى

، التي سينحشر بداخلها ، لا تأتي قبل السّادسة

والنّصف ؟! ، ولا يصل إلى محطّةِ

المنشيّة إلّا بحدودِ السّابعة ، ثمّ عليهِ أن ينتظرَ

الحافلة الثّانية ! .. ولا وسيلةَ نقلٍ أخرى ، يمكنه أن

يستعملها ، سوى ” تكسي الأجرة ” ويعجز راتبه

بالتأكيد ، عن تغطية نفقاتها !.

وما بيده إن حاول باستماتةٍ ، ورغم كلّ

الواسطات التي لجأ إليها ، كي يعيّنهُ المُوجّه

في مدرسةٍ قريبةٍ من سكنهِ ، لكنّ المُوجّه يعتذرُ

بحجّةِ أنّ لا شاغرَ لديهِ ؟! .

ثمّ نوّهَ بأنَّ نقل الأستاذ ” عدنان ” من منطقةِ “

عين العرب ” إلى حلب ، بعد، بحدِّ

ذاته شيئاً عظيماً وغير قانوني ، لأنّ دفعة

زملائه في التّعيينِ ، لم يصدر قرار نقلهم رغم أربع

سنوات على غربتهم .

وما حيلته إن كان قد طلب من مديره ،

أن يعفيه من إعطاء الحصّة الأولى ، كي لا

يتأخّر على طلابه ؟! .. لكنَّ السّيد المدير اعتذر ،

متذرعاً بالبرنامج المدرسي ، الذي لا يمكن تغييره .

فكرة أن ينقل مكان سكنه ، إلى منطقة

أقرب ، مرفوضة بالتأكيد ، ذلك لأنّه يقيم وزوجته

وابنتيه الصّغيرتينِ ، في غرفة خانقة وضيّقة عند

أهله ، ولا مال لديه للإيجار أو غيره ، فقد تزوّج

بالتقسيط ، ولم

يزل يدفع من مرتبه ومرتب زوجته الأقساط

المترتّبة على عنقيهما .

السّيد المدير غارق إلى شحمة أذنيه

بالبيروقراطية والاستبدادية ، وهو في الحقيقة لا

يصلح إلّا أن يكون محقّقاً ، بارعاً

في الطّعن والانتقام ، ممّن يتجاسرون عليه ،

وممّن ينصاعون إليه أيضاً ، فما من معلٌمٍ خدم في

مدرسته ، إلّا وكتب بحقّه أكداساً من التّقارير ،

واقترح بشأنه آلاف العقوبات والانذارات ، مستعيناً

بالآذن ” عبد الفتّاح ” ،

الذي أطلق العنان لأذنيه وعينيه ومنخاره ،

لرصد ما يحدث داخل أسوار المدرسة وخارجها .

فما إن يصل المعلّم ” عدنان ” إلى المدرسة ،

ويدخل الصّف ، حتّى يقتحم عليه

الآذن الباب حاملاً استجواباً خطّياً من السّيد

المدير :

– ( بيّن سببَ تأخرك المتكرّر يا أستاذ عدنان ؟! . ) .

كان يرتبك ويحمرّ وجهه خجلاً أمام طلّابه ،

يجلس خلف طاولته ، ليردّ على الاستجواب ويقدّم

اعتذاراته الشّديدة التّهذيب ، وكان ينسب تأخّره

بالطبع إلى سوء تنظيم المواصلات ، لكنّ المدير لم

يكن

يقبل هذه الاعتذارات ، فيبادر إلى كتابة تقرير

مفصّل ، بحقِّ المعلّم ويرسله برفقة الاستجواب ،

إلى المديرية ، مع اقتراحات

عديدة ، منها إعادة الأستاذ ” عدنان ” إلى الخدمة في

الرّيف ، إلى جانب الحسومات من راتبه .

وكان المدير الذي يتظاهر بعشقه للنظام

، يسجّل ملاحظات التّأخير ، في دفتر الدّوام

، وكثرت الملاحظات من الموجّه بحقّه .

ضاق بمديره وتقاريره ذرعاً ، وفكّر بتقديم

استقالته ، لكنّ دموع زوجته ، ومنظر ابنتيه

الصّغيرتينِ منعاه من اتّخاذ القرار ، فماذا يمكن له أن

يعمل إن استقال ؟! .

واليوم وصل متأخراً كعادته ، يبدو منزعجاً

بسبب اقتطاع أكثر من ربع مرتبه الذي قبضه أمس ،

وما كاد يدلف إلى صفّه ،

حتّى اقتحمه الآذن ” عبد الفتاح ” ، حاملاً

الاستجواب الأزلي :

– ( بيّن سبب تأخّرك المتكرّر يا أستاذ عدنان ؟! …) .

تناولَ الورقة بعصبيّةٍ واضحةٍ ، ولم تُخفَ هذهِ

الحركة على ” عبد الفتّاح ” بالطبع ، فقد

تمكّنَ من رصدها وحفظها ، جلس المعلّم خلف

طاولته ، وشرع في الإجابة ، بعد أن تجرّأ وأشعلَ

سيكارة ، ممّا فجّر الدّهشة والاستغراب على وجه

الآذن وعلى عينيهِ الثّعلبيّتينِ ، ولم يعرف ما يفعل ..

هل يهرع إلى السّيد المدير ، ويطلعه على ما

يحدث ؟!.. أم ينتظر ريثما ينتهي المعلّم من ردّه ،

لكنّه في النّهاية فطنَ إلى ضرورةِ البقاء

، كي لا تفوتهُ أيَّة حركة من تعابيرِ وجهِ المعلّم ، الذي

شرع في الرّد :

– السّيد مدير المدرسة ، المحترم :

نعلمكم عن سبب تأخّرنا لهذا اليوم …

أيقظتني زوجتي كالعادةِ ، كان الفطور جاهزاً

إلى جواري ، ازدردتُ لقمتينِ على عجلٍ ، ثمّ

أشعلتُ سيكارة ، لأنفثَ دخّنها على رشفاتِ

الشّاي السّاخنة ، كانت زوجتي تهمُّ بارتداءِ ملابسها ،

لتلتحقَ بمدرستها هي الأخرى ، وقعت عيناي عليها ،

فأثارتني ، مددّتُ يدي وشددّتُها ، طوّقتها بذراعيّ ،

حاولت أن تتملّصَ منّي ، جذبتها بقوّةٍ ، قالت :

– سنتأخّر .

قلتُ :

– طُز .

– سيقطعونَ عنّا الرّاتب .

هتفتُ :

– طُز .

صاحت :

– ومديركَ .. ومديرتي !!! .

أجبتُ :

– طُز .

– سترتفع بنا التّقارير .

– طُز .

احتضنتها وصراخها ينبعث :

– مديركَ يا عدنان .. ومديرتي .. لن يرحمانا اليوم .

وكنتُ أهمسُ كالمحمومِ :

– طُز منهم .. واللعنة

عليهم .. وعلى مدارسهم ، وتقاريرهم ، وأذانهم ..

فليطردونا

، وليقطعوا عنّا الرّاتب ، بل ليقطعوا أعناقنا..

لكنّي لن أترككِ تفلتينَ منّي .

وهكذا ياسعادة المدير المبجٌل ، أمضينا

ربع ساعة من أروع لحظات العمر ، استرجعنا

خلالها تلكَ الأيّام الجّميلة ، فأنا يا جناب المدير ،

كثيراً ما كنتُ أغفو ، قبل أن تتفرّغ

إليّ زوجتي بسببِ طفلتينا ، أغفو وأنا على جمرِ

الانتظار ، لأنّكَ يا جناب المدير ، سرعانَ

ما تبرز أمامي لتذكّرني بضرورةِ النّوم باكراً ،

والاستيقاظ باكراً ، لألهث خلف الحافلات .

أعترفُ بأنَّ سبب تأخّري اليوم ، هو الاستهتار

منّي واستسلامي لشهوتي ، ويمكنكَ يا جناب

المدير ، أن تفعل ما تراه

مناسباً ، وليس بإمكاني سوى أن أردّد لجنابكم

– طُز .. والسٌلام .

وقرأ المعلّم ” عدنان ” الكلمة الأخيرة بتلذّذ عالي

النّبرة. ففتحَ الآذن ” عبد الفتّاح”

باب الصّفّ بقوّةٍ ، وخرجَ مذعوراً ، مسرعاً ،

راكضاً ، لاهثاً ، وكان الممرّ الضّيق الطّويل ، وبوابات

الصّفوف ، والدّرج المؤدي إلى الإدارة ، وسائر جدران

المدرسة ، والمقاعد ،

وقطع الطّباشير ، وكلّ مافي المدرسة من أثاثٍ ،

تهتفُ خلفَ الآذن ، وبصوتٍ جماعي ،

قويّ ، يشقُّ عنان الصّمت ، تلك الكلمة التي

ارتفعت ، حتّى ارتطمت بعيون السّيد المدير،

وهو يقرأها فاغراً فمه على مصراعيه :

– طُز .. طُز .. طُز .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: