الجمعة , سبتمبر 18 2020

ـ د.صالح العطوان الحيالي .. يكتب :الصراحة الهادفة توجه و تضيء الطريق وتنير الاذهان

الصراحة التي تهدف للصالح العام، وتُنِير الأذهان، وتدعو للرشاد، هي صراحة
بناءة، ذات قيمة حيوية، لا بل لا غنًى عنها للمجتمع الذي يصبو للرفعة
والكرامة، وأن يحيا حياة حرة عزيزة، الصراحة الهادفة توجِّه وتضيء الطريق،
وتبتعد عن الأغراض الشخصية، والنعرات الضيقة، والضغينة المقيتة.

وإذا كانت الصراحة ضرورية بالنسبة للمجتمعات، فهي كذلك أسس لا بُدَّ منها لاستقامة الأحوال، ووجود الصفاء
والوفاق بين الشعوب، وهي أكثر من ضرورة بالنسبة للحاكمين والمحكومين،
وشرْط أكيد لحصول الثقة بين المواطنين والمسؤولين سواء في الحقل الداخلي أو
الخارجي، فقد مضى الزمن الذي كانت السياسة الحكيمة، والبراعة العظيمة هي
كتمان كل شيء عن الرعية؛ ومن ثَمَّ صارت السياسة القوية المكينة في هذا
العصر هي التي يصارح بها المسؤولون المواطنين، وترتكز على تأييد شعبي وبدون
هذه الصراحة لا تكون تلك السياسة ذات موضوع.

وفي هذه الصراحة فوائد
كثيرة، فهي تقوِّي مركز تلك الدولة خارجيًّا ويحسب لرأيها حساب، وهي كذلك
تعتمد على قوَّة هائلة تنبع من منبع طبيعي له خطرة وشأنه وكم شائعات مقلقة
زالت، وسُحب شك وارتياب تلاشت بفضل الصراحة بين الحاكم والمحكوم.

وإذا
كانت بعض الدول التي لا تدين بالإسلام قد أخذت بهذه الطرائق التي هي
مستقاة من الشرع الإسلامي السمْح؛ لأنها وجدت نفعه واستساغت طعمه، فما أجدر
المسلمين أن يطبِّقوها؛ لأنها من تعاليم دينهم، وفيها المصلحة لهم جميعًا،
وإن الأمر في الإسلام واضح، فقد أعطيت أهمية كبرى للبطانة الخيِّرة
والاسترشاد برأيها، والابتعاد عن البطانة الشريرة؛ ﴿ يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ
يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ
مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾ [آل عِمرَان:
118].

ولقد كان الرسول – صلى الله عليه وسلم – عندما يحدث أمر من
الأمور يخطب في الناس ويخبرهم بذلك، وقد ينادي مناديه: الصلاة جامعة؛ حتى
يحضروا لسماع خطبة منه في ذلك الحادث الطارئ، وسياسة الخلفاء الراشدين سارت
على هذا النحو البديع، وفي القرآن الكريم ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ﴾
[آل عِمرَان: 159] ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾ [الشّورى: 38].

وقد خطب الفاروق رضي الله عنه يومًا فقال: إن رأيتم فيَّ اعوجاجًا
فقوِّموني، فقام إليه رجل من سائر الناس فقال: لو وجدنا فيك اعوجاجًا
لقوَّمناه بحدِّ سيوفنا، فردَّ عليه الخليفة العادل قائلاً: الحمد لله الذي
جعل في رعية عمر مَن يقوِّمه بحد السيف.

وقسَّم مرة بُردًا يمانية
فنال كل رجل من المسلمين بُرْدًا واحدًا، وتبرَّع له ابنه عبدالله ببرده،
ولما قام الخليفة يخطب ويقول: أيها الناس، اسمعوا وأطيعوا، ردَّ عليه سلمان
قائلاً: لا سمع لك علينا ولا طاعة، قال عمر: ولم؟ قال سلمان: من أين لك
بهذا الثوب، وقد نالك برْد واحد وأنت رجل طوال؟ قال: لا تعجل، ونادى: يا
عبدالله بن عمر، قال: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: ناشدتك الله البرد الذي
ائتزرتُ به أهو بردك؟ قال: اللهم نعم، قال سلمان: الآن مُرْ نسمع ونطع.

ولولا أن الغرض إيراد مثَل فقط لنقلنا من القصص في ذلك الشيء الكثير، ورُبَّ قليل يغني عن كثير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: