الخميس , أكتوبر 1 2020

أنــــــا بــــــريء … للقاص : خالد عبد الكريم

منذُ
نعومة أظفارهِ تعرض إلى العديد من المصاعب في حياتهِ العصيبة! حتى نشأ وهو
بلا وعي وإدراك كامل فهو ليس كامل العقل ولا الجسد حالهُ حال أي إنسان
آخر. لأنهُ ولدَ في أزمة الحصار الجائر الذي عَصف بالبلادِ وأهلكَ المستوى
الإقتصادي للجميع العوائل من الطبقة الوسطى في البلد .فذنبهُ جاء في تلك
الحقبة من الزمن لينال كل ذلك الإهمال
وذلك الجوع والنقص الحاد حتى في حليب الرضاعة، الذي لم يستطع والدهُ المصاب
في حرب الــ91ـــ توفيرهُ له وهو يعاني من شظايا كثير في جسدهِ وعدد كبير
جداً من البلاتين في أطرافهِ ،التي لم يعد قادراً على تحمل العمل بها!!. في
ذلك الوقت الصعب الذي طُبقَ فيه قانون (من لايعمل لا يأكل)!.
وسرعان
ما مرت الأيام الصعبة حتى أصبح عمرُ الطفل البريء “جاسم” أربعة سنوات فسقط
من عتبةِ الباب المتهالك لمنزلهِ فخُلِعت وكُسِرت يدهُ اليمنى وظل يصرخُ
لعدة أيام!. لم يذهب به أبيهِ إلى المشفى كونهُ لا يملك المال وهو نفسهُ
مريض ولا يستطيع أن يعالج نفسهُ، لذلك توجه بهِ جارهُ إلى المُجبر الذي
عالجهُ بالأسلوب التقليدي وثبت ساعدهُ بشكلٍ خاطئ حتى أصبحت يدهُ مُنحرفةً
وليست مُستقيمة؛ وهذا جعل من الطفل جاسم ينشأ مُعاقاً حتى كَبُرَ فلم يدخل
المدرسة لأن الإعاقة منعتهُ من ذلك!.
وحال والدهُ أصبح أسوء بكثير فهو
غير قادر على الوقوف على رجليهِ . مما جعل جاسم يتوجه إلى الشارع للبحثِ
عن طعام كون الجوع كافر ولا يرحم، وأم جاسم التي أخذت ترعى زوجها وبناتها
الثلاثة التي لم تعد قادرةً على إطعامهم!. فكان الحملُ ثقيلاً على جاسم
الطفل المعاق والغير مُكتمل نموهُ العقلي والجسدي . تَعب من الدوران في
الشوارع والأسواق وما بين محالِ بيع الخضار التي عندما يراها يقفزُ فرحاً
لكي يُقبلها ويمسكُ بها كأنها قطعٌ ذهبية يخافُ أن تُخدش أو تُصاب بالأذى!.
حتى وصل في جولتهِ إلى السوق الكبير التي تُباع فيها الخضار بكل أنواعها وهي “علوة الخضراوات ”
فبدأ وهو فرح يركض خلف السيارات والشاحنات التي تنقل الخضار ويصرخُ بعلوِ
صوتهِ بأسماء الفواكه والخضروات تفاح تفاح خيار خيار طماطم طماطم باذنجان
باذنجان بصل بصل .. حتى ردد جميع الأسماء وتعب فبدأ بالبحث عن صنبور ماء
لكي يروي عطشهُ ،وإذا بهِ يجد أحدها في زاويةٍ ما ويجد عندها أطفالاً من
سنهِ يجلسون بجنب ذلك الصنبور بعد أن شرِبوا الماء وأخذوا قسطاً من الراحةِ
والحديث فيما بينهم عن غلتهم اليومية من الخضار والفواكه. التي جمعوها
منذُ الصباح الباكر حتى سمعهم جاسم وشاهدهم كيف يحسبون ماجمعوا ففكر وقرر
أن يصبح واحداً منهم . فظل يتابعهم بحذر وخلسة إلى أن شاهد وتعلم كيف يعمل
هؤلاء الصبية بطرقٍ وحيل مختلف لجمع الخضار والفواكه التي يبيعونها في
نهاية اليوم بسعرٍ بخس ويأخذون جزءً منها إلى المنزل لسد حاجاتهم وحاجات
وعائلاتهم الفقيرة .
جاسم عاد في اليوم التالي وهو يحملُ كيساً كبيرة
قرر البدأ بجمع الخضار والفواكه من العلوة؛ فبدأ جاسم بأسلوب بسيط وهو يسأل
ويطلب من أصحاب السيارات والشاحنات أن يعطوهُ شيئاً من حمولتهم، وإذا بهِ
يلقى أشد الإهانات والذل وحتى الضرب من بعض هؤلاء الذين سألهم!! حتى جلس
وهو يبكي ويصرخ ويقول: بصوت غير واضح ويتمتم لماذا لا تعطوني وأنتم تملكون
الكثير أيها الوحوش القذرة!. حتى الحيوان أرحم منكم !
بالنهاية لم يجمع
شيئاً فقط أحد الرجال تصدق عليه ببعضٍ من الطماطم التالفة التي ما إن
وضعها في الكيس حتى بدأت بالتحول إلى عصير ؛ الذي نزل على ثيابهِ القديمه
فزاد من وساختِها وسوء حالهِ الصعب .
وسرعان ما ذهب في منتصف النهار
إلى ذلك الصنبور الذي يجتمع عنده الأطفال فوجدهم أيضاً يتقاسمون الغلةِ وهو
يشاهد الجميع قد تفوق عليه بجمع الخضار والفواكه. إلا هو لم يجمع سوى بضع
القشور من حبات الطماطم!!
فساد الحزن عليه وقرر العودة إلى المنزل
شاهدتهُ أمهُ المسكينة فوبختهُ على إتساخ ملابسهُ واخرجت الغلةِ فلم تجد
شيئاً يؤكل!! فصفعت جاسم بكفٍ قوية جداً !. وقالت له: عبارةً ظلت في
ذاكرتهِ طويلاً
((كن رجلاً أيها الغبي وأحرص على ما تجمعهُ جيداً فهذا الطعام لا يؤكل بسبب إهمالك ))!
خرج جاسم إلى سطح منزلهِ والدموع تتطاير من عيناه وهو يبكي حتى نام ولا
يعلم بنفسه. وفي اليوم الثاني خرج على غير العادة وقرر أن يترك الفطرة التي
إعتاد عليها وإنطلق بروحٍ جديدة، حتى شاهد الأطفال عند بوابة علوة الخضار
ينصبون بعض الحجارة على الطريق لكي يَّطر السائق للتوقف فيتسلل هؤلاء
الأطفال إلى السيارات لكي يحملَ كل منهم ما يستطيع من الخضار والفواكه التي
تحملها السيارة، وقبل أن يوشك السائقُ على الإنطلاق يقومُ الأطفال بالقفزِ
من السيارة بسرعةٍ ومهارة !!
تعجب جاسم من هذه الطريقة التي يفعلها
الأطفال!. وقرر أن يرافقهم فحاول أن يركب إحدى السيارات ويقوم بتعبئة الكيس
بالخضار وإذا به يفعل ويجمع الخضار حتى صرخ بهِ الولد الذي معهُ يكفي هذا
أنزل بسرعة سوف تنطلق السيارة!! جاسم إرتبك ورمى بنفسه هو والكيس المُحمل
بالخضار فسقط وهو مغلق العينين حتى فتح عيناهُ وشاهد خضارهُ التي تناثرت
على الطريق!! وهو يريد أن يجمعها مرةً أخرى وإذا بشاحنةٍ تطلقُ صوت البوق
أرادت أن تدهسهُ لولا قُدرة الله ونجاتهِ منها بأعجوبة!! فسحبهُ الأطفال
على جانب الطريق أوشكَ قلبهُ أن يتوقف ، ووجههُ تحول إلى اللون الأصفر!!
حتى أعطاهُ أحد الأولاد ماءاً وقال له: ما هو إسمك يا ولد تمتم وهو يرتجفُ
بجاسم. قال له: كدتَ أن تموت الآن هل تعلم بنفسك؟ قال: “لا لا أنا بطلت” أي
أقلعت عن هذا العمل مجدداً.
فطلب منهُ الولد أن ينظم إلى فريق
الأطفال الغير شجعان كما جاسم صاحب الجسم النحيل والهزيل؛ وذهب معهم يجمع
ما يسقط من السيارات من خضار وما يرمى من تالف ليأخذوا منه الجيد نسيباً
وهكذا تعود جاسم مع هؤلاء حتى أصبح في نهاية اليوم يرجع الى أمهِ بغلةٍ
مناسبة للأكل نوعاً ما؛ وكانت أمه سعيدةٌ جداً بذلك حتى بدأت علامات الفرح
والسرور على وجهها وهي تقول لقد صار جاسمُ رجُلاً
وها هو يحمل المسؤولية عن أبيه في رعاية الأسرة.
ومرت الأيام والسنين حتى كَبُرَ جاسم وأصبح مراهقاً وبدأ يحتاج إلى كسب
المال من العمل وليس جمع فتات الطعام ليسد جوعهُ هو والأسرة التي تعتمد
عليهِ كلياً خاصةً بعد عجز والدهِ نهائياً . ووالدتهُ التي لاتستطيع العمل
وترك زوجها طريح الفراش . واخواتهُ اللاتي يتابعن الدوام المدرسي والواجبات
المدرسية.
فقرر جاسم أن يعمل فبدأ بطلبِ العمل ولم يمنحهُ أحد الفرصة
كونهُ مُعاقاً في يدهِ اليمنى وهو غير قادر على تحمل مشاق العمل . فلم
يحصل على أي فرصة عمل ! حتى عجز عن السؤال والطلب فشاهد أصحابه لا يعلمون
وأغلبهم يسرق الخضار والفواكه الجيدة ويبيعها بثمن بسيط حتى قرر أن يفعل
مثلهم!! وبدأ شيئاً فشيئاً يتعود حتى أصبح ماهراً بهذا المجال وأصبح يبيع
الغلة إلى الرجل العجوز “أبو صباح” الذي لايشتري البضاعة بثمنها الحقيقي بل
يأخذها بربعِ الثمن !. وأصبح يجمعُ المال ويعطيهِ إلى أمهِ التي تفرحُ
بذلك وتدعو لهُ بالتوفيق دائماً. حتى إعتادَ على إسعاد العائلة التي لا
تعلم كيف يجمع جاسم المال !
وفي أحد الأيام خرج جاسم مع رفقاء دربهِ في
المساء فحضروا حفلة زفاف أحد الرجال بالمدينة ، وبعد أن أكلوا وليمة
العشاء الدسمه ورقصوا وفرحوا كثيراً . وفي نهاية الليل حاولوا الرجوع إلى
منازلهم وكانت الشوارع فارغة وإذا بصافرة الحارس الليلي للسوق وهو يركض خلف
السراق وإذا به يلقي القبض على جاسم الشاب المسكين ويوسعهُ ضرباً في ذلك
الظلام الدامس!! وهو يصرخ أنا بريء أنا بريء فكتفهُ الحارس حتى الصباح وربط
عيناهُ
– وقال : الحمدلله امسكتُ هذا السارق الملعون الذي لو أفلت منيّ لقُطِعَ رزقي ورزقُ أطفالي العشرة!.
وجاسم فاقدٌ للوعي وهو مُستلقي على الأرض
لا يعلم ما الذي يحدث؛ وفتح عيناهُ وهو في مركز الشرطة الذي شاهدهُ لأول
مرة في حياتهِ . فَصَبّحَ بوجههِ ذلك الضابط الضخم ذُو الشوارب المفتولة!.
– وقال لهُ : الآن وقت في قبضتي أيها السارق اللعين لن أرحمك وربُ الكعبة!.
جاسم إرتعدَ خوفاً من شكلِ وكلام الضابط الذي يريدُ أن يلتهمَهُ أو يسحقهُ كما يسحق أي حشرة زاحفه ببسطالهِ الروسي الضخم!!.
فنادى على الحرس وقال : أرميه في الحبس وبعد أن أُكملَ المَحضر سوف أنادي
عليك لتجلبهُ ليّ لكي يبصم على الإفادةِ التي ستكون مليئة بالجرائم التي
حدثت منذُ عامين !!!!
أخذهُ الحرس ساحباً إياه من قميصهِ وقال له: لقد إنتهى أمرُك على الأقل سوف تنال حُكم الإعدام أو المؤبد!!!
جاسم في قبضةِ العدالة ولم يتفوه بكلمةٍ واحدة
حتى بصم على أقوالهِ وهو لا يعرف مصيرهُ إلى أين يتجه كونهُ لا يقرأ ولا يكتب !!
وسرعان ما أتصل الضابط بالقيادة ليُبلغها بما يحدث وهو مُفتخراً بذاتهِ
ويلوي بشوربهِ السميك وقال : صباح الخير سيادة القائد أبشر جنابك الكريم
لقد مَسكتُ المجرم هذا الصباح وهو في قبضةِ العدالة ولقد ثُبتت أقواله و
إعترفَ بجميع الجرائم والسرقات التي قام بها منذُ عامين وحتى الآن!!!
ففرح القائد بهذا الخبر السعيد وقال : عفية عفية أحسنت جَهز نفسك للترقية القادمة .
وأريد أشوفك بالزي العسكري وأنتَ تحملُ رتبة النقيب لتدخل بيتنا حتى أزوجك واحدة من بنات عمك .
رد الضابط فرحاً نعم سيدي إن شاء الله سيدي.
وأنهى المكالمة وهو طائرٌ من الفرح .
حتى تحول جاسم إلى المحكمة وهو مثبت على أقوالهِ والشهود حضروا المحكمة يريدون أن يشربوا من دمِ جاسم الشاب الهزيل والمُعاق!!
– فسأله القاضي قائلاً بُني جاسم أنتَ مُثبت على أقوالك ومعترف على جميع
جرائم السرقة التي قمت بها أثناء التحقيق . وهذه بصمة يدُكَ واضحة !
هل عندك محامي للدفاع عنك؟
– جاسم لا سيدي! أنا بريء أنا بريء
– القاضي بُنيّ هذه الكلمة لا تنفع بدون دليل دامغ ! وهاهو الحارسُ الذي
أمسكَ بك أمامكَ وأصحاب المحال التجارية التي سُرقت محالهم يشهدون ضدك!!
أنتَ في موقف لا تحسد عليه يا جاسم !..
– هل لديك طلب قبل إصدار الحكم ؟
– لا يا سيدي لكن أقسم بالله العظيم أنا بريء !!
– لن ينفعُكَ القسم ياولدي
حكمة المحكمة حضورياً على المُتهم “جاسم إبن الحصار الجائر” بالسجن المؤبد مدى الحياة!!.
– لا لا لا أنا بريء أنا بريء والله العظيم بريء!!!.

رُفعت الجلسة!!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: